طرحت المفوضية الاوروبية في ستراسبورغ تدابير جديدة لمكافحة انعدام الشفافية الضريبية لدى الشركات المتعددة الجنسيات، وسط عاصفة #اوراق_بنما التي شددت الضغط على جميع الدول الكبرى من اجل مكافحة التهرب الضريبي. ويأتي عرض هذه الخطة التي وضعها المفوض الاوروبي للمسائل الضريبية الفرنسي بيار موسكوفيسي والمفوض المكلف الاستقرار المالي البريطاني جوناثان هيل، على البرلمان الاوروبي بعد مشاورات عامة ودراسة تقييمية، كانت مرتقبة منذ وقت طويل.كما انها تاتي بعد الصدمة التي هزت العالم اجمع اثر كشف الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين عن نظام تهرب ضريبي واسع النطاق.
وتقضي مذكرة المفوضية الجديدة بكشف بلدان الاتحاد "دولة بدولة" عن البيانات الحسابية والضريبية للشركات المتعددة الجنسيات، بما يشمل حجم ايراداتها وارباحها، فضلا عن القاعدة الضريبية وقيمة الضرائب التي دفعت في مختلف الدول الاعضاء.
وبمجرد ان يكون للشركات فرع في الاتحاد الاوروبي وايرادات لا تقل عن 750 مليون أورو، فستلزم بنشر هذه العناصر، ايا كانت جنسياتها، سواء اوروبية او غيرها. اما الشركات التي لا تملك فروعا في الاتحاد الاوروبي، فستطلب المفوضية المعلومات ذاتها ولكن في ما يتعلق بانشطتها الشاملة في العالم باسره، مع طلب المزيد من التفاصيل بالنسبة لانشطتها في الدول المدرجة على قائمة الملاذات الضريبية.
كما من المفترض الاعلان الخميس عن انشاء لجنة تحقيق برلمانية حول تبعات تسريبات "اوراق بنما" في الاتحاد، الامر الذي رحب به النواب الاوروبيون وفي طليعتهم الخضر. كما ينظم نقاش بخصوص "اوراق بنما" بعد ظهر الثلثاء في البرلمان في ستراسبورغ (شرق فرنسا) بحضور موسكوفيسي وممثلين عن مجلس اوروبا.
وضع حد للتهرب الضريبي
غير ان هذا المقترح لا يذهب بعيدا بما يكفي براي العديد من المنظمات غير الحكومية التي تطالب بمزيد من الشفافية، ومن بينها منظمة "وان" التي تاسف لكون الشركات الكبرى التي يفوق اجمالي ايراداتها 750 مليون أورو، وحدها معنية بوجوب الافصاح عن بياناتها الاساسية. واشارت منظمة "وان" غير الحكومية ايضا الى ثغرة اخرى تبقي انشطة الشركات خارج الاتحاد الاوروبي طي الكتمان، اذ يقتصر الزام الدول بالافصاح عن البيانات على بلدان الكتلة الاوروبية. واوضحت المنظمة أخيراً انه "من دون هذه المعلومات، سيكون من المستحيل معرفة المزيد عن انشطة الشركات المتعددة الجنسيات في عدد كبير من الملاذات الضريبية، وكشف مؤشرات عن اليات محتملة للتهرب الضريبي".
كما لفتت المستشارة السياسية للشؤون الضريبية في اوكسفام اورور شاردوني الى "وجود ملاذات ضريبية في الاتحاد الاوروبي نفسه، وكذلك في دول كبرى متطورة كالولايات المتحدة. بالتالي رسالتنا هي فعلا الشفافية الضريبية للجميع".
وتندرج التدابير في سياق حملة اوسع نطاقا باشرتها السلطة التنفيذية الاوروبية لمكافحة التهرب الضريبي بعد فضيحة "لوكسمبورغ ليكس" في تشرين الثاني 2014. وكشفت هذه الفضيحة عن نظام تهرب ضريبي على نطاق واسع تطبقه الشركات المتعددة الجنسيات، وسلطت الاضواء بصورة خاصة على دور بعض الدول وفي طليعتها لوكسمبورغ التي وقعت بحسب الوثائق المسربة انذاك، اتفاقات مالية سرية مع 340 شركة متعددة الجنسيات من بينها ابل وامازون وايكيا وبيبسي للحد من الضريبة على الارباح.
وفي 28 كانون الثاني عرضت المفوضية الاوروبية مذكرتين وضعتا في اعقاب خطة طرحتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في تشرين الاول 2015 وتنذر بوضع حد لعمليات التهرب الضريبي بالنسبة للشركات المتعددة الجنسيات. وتنص احدى المذكرتين على تبادل تلقائي للمعلومات حول الشركات الكبرى بين الدوائر الضريبية في مختلف الدول الاوروبية، فيما توصي الثانية بفرض ضرائب على الارباح في الدول التي تحققها الشركات فيها. كما اقترحت المفوضية وضع قائمة سوداء اوروبية للملاذات الضريبية في مهلة ستة اشهر".
تفتيش مكتب المحاماة البنمي
في سياق متصل، فتشت الشرطة البنمية مقر مكتب المحاماة موساك فونسيكا محور فضيحة التهرب الضريبي المعروفة ب "اوراق بنما"، وفق ما علم من مصدر رسمي. وقالت النيابة العامة البنمية في بيان "تجري حاليا عمليات بحث، مراقبة عينية وتفتيش في مقر شركة موساك" في العاصمة البنمية موضحة ان عمليات مماثلة تجري "في فروع المجموعة". ويتعرض النظام المالي البنمي لانتقادات حادة منذ تسرب "اوراق بنما" وهي عبارة عن وثائق كشفت كيف يقيم مكتب المحاماة موساك فونسيكا شركات اوفشور لآلاف الزبائن عبر العالم.
وفتشت سلطة الضرائب في البيرو فرع مكتب المحاماة البنمي في ليما لحجز وثائق كما صادرت شرطة السلفادور معدات معلوماتية الاسبوع الماضي. وقبيل عمليات التفتيش طلب رئيس بنما خوان كارلوس فاريلا من الحكومة الفرنسية "اعادة النظر" في قرارها ادراج بنما على لائحة الجنات الضريبية والا فان بلاده ستتخذ اجراءات انتقامية "ديبلوماسية".
وكانت فرنسا اعلنت في 8 نيسان انها ستدرج مجددا في 2017 هذا البلد الواقع في وسط اميركا على لائحة الجنات الضريبية التي كانت سحبتها منها في 2012 وانها ستطلب من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية القيام بالاجراء ذاته.
وتورط اكثر من 214 الف كيان اوفشور في عمليات مالية في اكثر من 200 بلد ومنطقة، بحسب ما كشف الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وذلك في الفترة من 1977 الى 2015.وتورط في عمليات التهرب الضريبي هذه مسؤولون كبار سياسيين ورياضيين واثرياء.
معاقبة الشركات
وفي سياق متصل، عرض رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون اجراءات تجرم جنائيا الشركات التي تشجع التهرب الضريبي وذلك بعد تسريبات "اوراق بنما" التي اضعفت جانبه. والاجراء الذي يفترض ان يدرج في القانون هذا العام بحسب رئاسة الحكومة، يستهدف الشركات التي تملك اليات رقابة غير صارمة وتلك التي تشجع عمدا التهرب الضريبي. ويأتي هذا الاعلان في الوقت الذي نشر فيه كاميرون تصاريحه الضريبية للسنوات الست الاخيرة في محاولة لاستعادة زمام المبادرة اثر قضية "اوراق بنما".
وهدف نشر هذه التصاريح الى اثبات ان كاميرون لم يسع ابدا الى التهرب من دفع ضرائب وذلك بعد ان اقر بتاخير انه كان يملك اسهما في شركة مقرها الباهاماس تعود لوالده الذي توفي في 2010.
وكانت أفادت "الجارديان" أن تسريب ما عرف بـ"وثائق بنما" قد سلط الضوء على سوق العقارات في لندن كوجهة للأموال بعد أن أظهرت أكثر من 11.5 مليون وثيقة إخفاء ثروات في شكل ممتلكات عقارية بالعاصمة البريطانية من قبل أجانب في صفقات غسل أموال بملايين الدولارات. وأفاد أحد المشاركين في تحليل الوثائق الأسبوع الماضي أن ما يقرب من 2800 شركة امتلكت عقارات على مستوى العالم منذ عام 2014.
وأوضحت التحليلات أن السوق العقاري في لندن كان خياراً مميزاً للكثير من الخارجين عن القانون حول العالم، بحسب وكالات قانونية، وهو ما أثار التساؤلات عن أسباب ذلك، وطالبت جمعيات وجهات معنية بتغليظ العقوبات على المتورطين في ذلك. ومن الجدير بالذكر أن العديد من الخارجين عن القانون استغلوا الاستقرار السياسي وتفرد السوق العقاري في المملكة المتحدة بالإضافة إلى الرفاهية والحياة الهادئة في البلاد لإخفاء ثرواتهم.
البنوك السويسرية تواجه مزيدا من التدقيق
أما سويسرا فقد قررت تشديد إجراءات التدقيق على بنوكها بعد تسريبات أوراق بنما التي أثارت قلقا عالميا حول ادعاءات بتهرب ضريبي. وقال توماس باور رئيس هيئة الرقابة المالية السويسرية "نريد أن نعرف أسماء البنوك التي تعاملت مع الشركة البنمية وما إذا تم حدوث انتهاك للقوانين السويسرية أم لا." وأبلغ باور صحيفة إن.زد.زد أم سونتاج السويسرية بدون أن يحدد أسماء "أجرينا بالفعل اتصالات مع مؤسسات مالية سويسرية".
وسويسرا أكبر مركز في العالم لثروات الأوفشور والتي قدرتها مجموعة بوسطن للاستشارات بنحو 2.5 تريليون دولار كأصول أجنبية موجودة في البنوك السويسرية في 2014. وأطلقت هيئة الرقابة المالية حملة على غسيل الأموال يوم الأربعاء وتدعو الآن السلطات حول العالم إلى وضع معايير لمنع التحايل.وتضمنت الوثائق المسربة فروعا لبنوك سويسرية مثل يو.بي.إس وكريدي سويس طلبت تأسيس شركات أوفشور لعملائها لكن البنكين نفيا القيام بأي ممارسات غير صحيحة في هذا الشأن.
نبض