بعدما أتانا في 2013 بمؤلف تبدّى كأنه "نزهة في وسط بهاء العالم"، يواصل عضو الأكاديمية الفرنسية جان دورميسون النبش في ماضيه الشخصي.
قبل ثلاثة أعوام وفي إطار كتابه "في أحد الأيام سأرحل قبل البوح بكل شيء"، الصادر لدى دار "بيار لافون"، اختار دورميسون آنذاك عنوانا يستدعي الشاعر أراغون لينجز وصية مباشرة تصدر عن رجل في عقده الثامن ينصرف إلى النهل من سنواته المنصرمة. أما في مؤلّفه الحديث الصادر بالفرنسية "سأقول رغم كل شيء أن هذه الحياة كانت جميلة" لدى دار "غاليمار"، فيذهب صوب الأساسي أي صوب الأمور البسيطة التي تجعل حياة كحياته مستحقة.
ها هنا وفي كنف هذه الوقفة التأليفية يستدعي مجددا في العنوان شطرا شعريا لآراغون في حين يضيف إليه تعبير "رغم كل شيء"، ها هنا لا يتردد ومنذ السطور الأولى في الإستعانة بأسلوب على تهكّم يسترعي الإنتباه وحين ينصرف إلى حوار بين "الأنا" الأولى و"الأنا" الثانية.
"الأنا" الأولى، على ما يكتب دورميسون، هي مرادف القاضي النزيه والعطوف والمتهكم، والتي تسمى في الأوساط الفكرية الدارجة وفي حالات كثيرة "الأنا العليا". أما "الأنا" الثانية فهي "أنا الملذات والعمل والطموح". ها هنا ووفق دورميسون الديكور هو العالم مع بحوره وأنهاره وجباله وغاباته وقصوره وحدائقه وحجاره القديمة وكنائسه ومعابده ومعابده المخصصة لليهود ومساجده، عالم "يبعث على الخشية وهو رائع أيضا".
في كتابه السابق "في أحد الأيام سأرحل قبل البوح بكل شيء"، يفلش الكاتب الفرنسي جان دورميسون الذكريات في رفقة جدّين مقاومين ويقرّ بأنه عشق النساء والكسل وإيطاليا وبأنه يؤمن أن "من أحببناهم يغادروننا، وبأننا سنغادر أولئك الذين يحبوننا أيضا". أما في تجربته الأخيرة فلا يتردّد في التشكيك بتاريخ ميلاده، ذلك انه ورغم تأكيد والديه أنه رأى النور في السادس عشر من حزيران 1925 لا يسعه سوى التشكيك في ذلك كاتباً "انها إشاعة متداولة فحسب تدعمها مجموعة أوراق تتكرر، من دون أي ضمانة. تتبدى لي هويتي مبهمة في حالات كثيرة وأقرب إلى التخييل القضائي منها إلى الإدراك العلمي".
في سياق "في أحد الأيام سأرحل قبل البوح بكل شيء"، تراءى دورميسون مودعاً هذا العالم بلا حسرة، أما في الكتاب الجديد فيحاول التنقيب عن الحقيقة التي ينبغي للمرء "البحث عنها بكامل روحه" وفق مقاربة أفلاطون التي تمهّد للنثر البهي وتؤطره في تقدّمه أيضا.
نبض