لجين عضاضة تتألق بقفطان يبرز حرفية التطريز من المبدعة ريم الجسمي (صور وفيديو)

الإمام شمس الدين والانفتاح على العصر
Smaller Bigger

ما أحوجنا في هذه الأيام إلى المزيد من أمثال الإمام محمد مهدي شمس الدين الذي كان من أكثر رجال الدين المسلمين انفتاحاً على الأديان الأخرى وعلى الأفكار الفلسفية والإصلاحية بما في ذلك الأفكار والحركات العلمانية.


هو انفتاح على العصر يستند فيه الإمام شمس الدين إلى ثقافة دينية وفقهية متجذرة ومتجددة قرأ فيها الإسلام بعمق وبعقلانية وباجتهاد العارفين. كما استند في انفتاحه إلى ثقافة واسعة هيّأت له الإمكانية للقيام بالاجتهاد وبالتجديد في شؤون الدين والدنيا. وقادته اجتهاداته في ظروف لبنان والعالم العربي والإسلامي وفي ظروف العصر الحديث إلى أن يقرر بمسؤولية عالية أن الدين الإسلامي لا يستقيم إلا إذا عرف المفكرون المسلمون وإذا عرفت المرجعيات الإسلامية كيف يجعلونه بقيمه الإنسانية يواكب التطورات والأحداث والتحولات الجارية في العصر.
ويعتبر الإمام شمس الدين أنه في اجتهاده هذا إنما يساهم في إعطاء الإسلام المكانة التي تعود له في الحياة الإنسانية العامة متحرراً من كل البدع والخرافات ومن التشويهات التي تتناقض جميعها مع قيمه الإنسانية. وهي بدع وخرافات وتشويهات ولّدت وتولد الحركات المتطرفة التكفيرية وأعطت صورة عن الإسلام أنه ضد التقدم وعائق أمامه.
إلا أن الإمام شمس الدين لم يأت إلى هذا الموقع المتقدم الذي صار صفة من صفاته وسمة من سماته إلا بالتدريج. إذ هو بدأ حياته الفقهية والسياسية بالتعصب المذهبي الشيعي وبالتعصب ضد الأفكار الإصلاحية المدنية، اليسارية منها على وجه الخصوص. وصار يتدرّج في الاجتهاد الفكري والسياسي من طور إلى طور إلى أن استقر في الاتجاه الذي صار السمة التي اتصف بها وميّزته عن كثير من معاصريه من المرجعيات الدينية. وقد جعلته أفكاره ومواقفه مرجعاً كبيراً وملتقى لأصحاب الرأي من كل الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية.
ولد الإمام محمد شمس الدين في مدينة النجف في العراق في عام 1936. والده هو الشيخ عبد الكريم شمس الدين. وهو رجل دين شيعي درس الفقه في جامعة النجف وعاش فيها مع آخرين كثر من رجال الدين الشيعة اللبنانيين. ومارس فيها التدريس أسوة بآخرين من زملائه. في عام 1948 عاد الشيخ عبد الكريم إلى لبنان. لكن ابنه محمد مهدي بقي في النجف لاستكمال دراسته الفقهية في حوزة الإمام الخوئي. وبعد انتهاء دراسته مارس التدريس أسوة بوالده وبآخرين من أقرانه. وظل يقيم في النجف حتى عام 1969. هناك تعرّف إلى الإمام موسى الصدر. وأصبحا صديقين. وساهم معه في تأسيس مجلة "أضواء". وعندما عاد إلى لبنان تابع تعاونه مع الإمام الصدر. وأسسا معاً في عام 1969 "الجمعية الخيرية الثقافية". كما انضم إلى الإمام الصدر في تأسيس المجلس الشيعي الأعلى في العام ذاته برئاسة الصدر. وظلّ يتعاون معه في المجلس الشيعي الأعلى إلى أن انتخب في عام 1975 نائباً للرئيس. والجدير بالذكر أن ذلك العام كان عاماً مشهوداً في حياة المجلس. إذ اختار الإمام الصدر أن تكون لهذا المجلس المذهبي هيئتان: واحدة شرعية مشكلة من رجال الدين وأخرى مدنية منتخبة. أما الهيئة الناخبة فكانت مؤلفة من كبار الموظفين الشيعة في الدولة، ومن رؤساء الأحزاب والنقابات والجمعيات الثقافية والفنية والخيرية. ولم يستثننَ من هؤلاء الناخبين ذوو العقائد الفكرية المختلفة مع المجلس كمؤسسة دينية، بمن فيهم العلمانيون ومن ضمنهم الشيوعيون. وقد فاز في انتخابات الهيئة المدنية خمسة يمثلون الأحزاب العلمانية وكان بينهم شيوعيان.
بعد اختفاء الإمام الصدر في عام 1978 تابع الإمام شمس الدين عمله في المجلس رئيساً بالوكالة حتى عام 1994، حيث تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً للمجلس.
أصيب الإمام شمس الدين في العام 2000 بمرض السرطان. وأجريت له عملية جراحية انتقل بعدها إلى باريس وتابع العلاج هناك. لم يعش طويلاً وغادر الحياة في عام 2001.
تميّز الإمام شمس الدين بالقدرة على مواكبة الأحداث والمتغيرات التي كانت تأتي بها الأحداث في لبنان وفي المنطقة وفي العالم وفي تجديد بعض مواقفه استناداً إليها. وكان يعتبر أن حياة البشر هي في حراك دائم لا حدود له ولا حصر.
كان من أبرز وأهم مواقف الإمام شمس الدين تمايزه عن الإمام الخميني في موضوع ولاية الفقيه، وهو يعلن تأييده للثورة الإسلامية الإيرانية. إذ كان يعتبر أن ولاية الفقيه هي في الأساس من صنع إيراني قديم وحديث. وهي في مفهوم الشيعة الإمامية بدعة تتعارض مع الاجتهاد في تعدده وتعدد مرجعياته كأساس للفكر الشيعي الإمامي. وظلّ في ذلك الموقف حتى آخر حياته. وفي أواخر ثمانينات القرن الماضي ومطالع التسعينات بدأ يتخذ مواقف سياسية في الوضع اللبناني تتعارض في جوهرها مع الوصاية السورية من دون أن يدخل في سجالات حادة. وكان من مؤيّدي اتفاق الطائف ومن المطالبين بتنفيذ وتطبيق بنوده بالكامل. وكان يعتبره مرحلة ضرورية لإنهاء الحرب الأهلية. وكان في ذلك يعلن تمايزه الواضح عن الوصاية السورية التي عطلت تطبيق بنود هذا الاتفاق. لكنه كان قد أعلن في ذلك الحين مشروعه الخاص بالديموقراطية العددية. غير أنه عاد سريعاً عن ذلك الموقف في مطلع التسعينات معتبراً أن تلك الديموقراطية كانت ستخلق خللاً في وحدة المجتمع اللبناني التعددي الذي يشكل المسيحيون فيه قوة أساسية لا يجوز المس بدورهم التأسيسي للكيان الوطني اللبناني في صيغته النهائية.
في تلك الفترة بالذات توطدت علاقتي به بصفتيّ الحزبية والشخصية. وكانت لنا لقاءات وحوارات عديدة في مختلف القضايا الفكرية والسياسية في لبنان وفي العالم العربي وفي العالم.
يعتبر كراس الإمام شمس الدين الذي يحمل عنوان "الوصايا" الأكثر تعبيراً عن مواقفه التي أنهى حياته متمسكاً بها. وشكلت تلك المواقف الجديدة العنصر الأساسي الحديث من شخصيته كواحد من كبار رجال الدين الذين عملوا على التوفيق بين الدين والحداثة وبين الدين والدولة. وإذ أشير إلى الحداثة هنا فلأن الإمام شمس الدين اعتبر أن الإسلام كنصوص وكشعائر يجب ألا يتعارض مع الأخذ بمنجزات العصر في شتى ميادين المعرفة. وكانت علاقة الدين بالدولة بالنسبة إليه علاقة تشكل الدولة فيها بمؤسساتها العامل الأساسي كدولة مدنية بالمعنى الحديث للدولة. وكان يكثر في أحاديثه الصحافية وفي محاضراته وفي كتاباته الحديث عن الدولة المدنية وعن ضرورة اندماج اللبنانيين فيها والولاء لها من دون سواها.
في كراس "الوصايا" المشار إليه تتضح الملامح الأساسية لأفكاره الجديدة في الموضوع المتعلق بالطائفة الشيعية في لبنان وفي العالمين العربي والإسلامي. إذ هو يؤكد جازماً وقاطعاً بأن هذه الطائفة لا يمكن أن تكون في أي مجتمع إلا جزءاً منه، وأنه لا يمكن ولا يجوز للمنتمين إليها من رجال دين ودنيا أن يحولوها أقلية منعزلة عن سواها من مكونات المجتمع، وألا يخترعوا لها أدواراً خاصة بها تحت أية ذريعة، بما في ذلك باسم الدفاع عن الحقوق المسلوبة أو ضد محاولات التهميش، أو سوى ذلك مما كانت توصف به أحوال الطائفة الشيعية. إذ هو كان يرى أن كل هذه الأمور، حتى أكثرها إساءة للشيعة، ينبغي أن تحلّ في المجتمع وفي إطار الدولة ومؤسساتها، وليس بالتمايز عن أي منهما وبالاختلاف وبالتعارض معهما.
واضح أن هذه المواقف بمجملها إنما تشير إلى عكس ما ساد في لبنان في الفترة التي أعقبت تحرير الجنوب في عام 2000. إذ كان الإمام شمس الدين عندما يتحدث عن دور المقاومة التي حررت ما كان قد تبقى من الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب في عام 2000، كان يؤكد أن دور المقاومة قد انتهى وأنها لا يمكن تحت أية ذريعة أن تكون بديلاً من الدولة ومن مؤسستها المدنية والعسكرية في المهمات العائدة إليها.

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 5/13/2026 7:34:00 PM
يأتي انتشار الفيديو مع تراجع الآمال في تسوية وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.
لبنان 5/13/2026 12:30:00 PM
ماذا نعرف عن نهر الليطاني؟ وكيف تحوّل من مجرى مائي إلى اختبار مفتوح لحدود السيادة في لبنان المعاصر؟
لبنان 5/13/2026 7:33:00 PM
هافن برنابا، ابنة الأعوام الستة، توجه من مركز إيواء في المنصورية رسالة مؤثرة إلى رئيس الجمهورية تختصر وجع قرى الجنوب الحدودية وحنين أهلها إلى العودة