مع تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في سوريا، يزداد القلق حول الإرث الثقافي السوري والاهتمام بصونه وحمايته. وردا على هذه المخاوف المتصاعدة، واستجابة للدعوات المتكررة التي أطلقتها السلطات والمعنيون في سوريا، وخصوصا المديرية العامة للآثار والمتاحف، من اجل التدخل لإنقاذ هذا التراث الثقافي، أعلنت منظمة الاوينسكو عن إطلاق مشروع "الصون العاجل للتراث الثقافي السوري"، وهي مبادرة رائدة بتمويل من الاتحاد الأوروبي، ودعم الحكومة الفلمنكية (بلجيكا) والنمسا، بتنفيذ مشترك مع "المجلس الدولي للمعالم والمواقع الأثرية" (ICOMOS)، و"المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية" (ICCROM). ويهدف إلى بناء القدرات التقنية للخبراء السوريين والمؤسسات، وتعزيز التنسيق المحلي والإقليمي والدولي لتطوير استجابات فعالة لهذه الأزمة.
ولهذه الغاية نظم مكتب الاونيسكو الاقليمي في بيروت، دورة تدريبية حول التوثيق الثلاثي الأبعاد (جمع البيانات)، بالتعاون مع "المجلس الدولي للمعالم والمواقع الأثرية" (ICOMOS) ، ومنظمة "سايارك" (وهي منظمة لا تبغي الربح، وتعمل في مجال جمع وتوثيق أرشيف رقمي لمواقع التراث العالمي من أجل الحفاظ عليها ولأهداف أكاديمية)، وذلك كجزء من مشروع "أنكا" الذي يركز على توثيق عاجل للإرث الثقافي المعرض للخطر في سوريا والعراق، ومشروع الاونيسكو لـ"الصون العاجل للتراث الثقافي السوري".
عقدت الدورة بين 11 و13 كانون الثاني الجاري في متحف نقولا ابرهيم سرسق في بيروت. وشارك فيها خمسة مهندسين اختارتهم المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا، سيعمدون لدى عودتهم إلى سوريا، إلى تدريب نظراء لهم على هذه التقنيات الرائدة المكتسبة، وإجراء عمل توثيقي أولي على جملة من المواقع الأثرية المختارة في مدينة دمشق القديمة باستخدام أجهزة توفّرها لهم منظمة "سايارك". وسيتم توثيق هذه المواقع عبر استخدام تقنيات المسح الأرضي، والمسح الضوئي المركز، والمسح التصويري والتصوير الفوتوغرافي. وسيتم التحقق من البيانات المستخلصة من قبل منظمة "سايارك" للتأكد من امتثالها للمعايير المطلوبة.
وفي الأشهر المقبلة، سيتم تنظيم دورة تدريبية أخرى موجهة أيضا إلى الخبراء السوريين، من اجل بناء قدراتهم في مجال عملية إدارة ونقل البيانات.
وفي الاطار ذاته الرامي الى دعم السوريين في حماية تراثهم الثقافي والحفاظ عليه، سبق للاونيسكو ان نظمت في حزيران الفائت، وبالتعاون مع المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية- الشارقة (ICCROM-ATHAR)، والمركزالاقليمي العربي للتراث العالمي- البحرين (ARC-WH) ، دورة تدريبية في بيروت للخبراء والتقنيين السوريين ، تحت عنوان "الاستعداد لمواجهة الأخطار التي تواجه التراث الثقافي وكيفية إدارتها"، شارك فيها 23 مهندساً معمارياً، وخبراء ترميم، ومهندسون مدنيون، وقيمون على المتاحف وعلماء آثار من كبرى المدن السورية ومختلف المؤسسات الثقافية، بما في ذلك متحف دمشق الوطني، والشام القديمة، وحلب، وحمص، وقلعة الحصن، ودرعا، ودير الزور، واللاذقية، هدفت الى انشاء فرق وطنية قادرة على الاضطلاع بدور ريادي في التدخل للاستجابة لحالات الطوارىء، وتأمين التراث الثقافي المبني المهدد، فضلا عن تدريب فرق اخرى داخل البلاد.
وتأتي هذه الدورة تعقيباً على أعمال الدورة التدريبية للإسعافات الأولية للتراث الثقافي المبني في سوريا والتي عقدت في مكتب اليونسكو في أواخر عام 2014، وحضرها تسعة من المشاركين في الدورة الحالية. وأدار برنامج هذه الورشة خبراء دوليون وسوريون من الاونيسكو و"المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية" (ICCROM-ATHAR)، و"المجلس الدولي للمعالم والمواقع" (ICOMOS)، وعدد من المنظّمات غير الحكومية السورية. وتألف هذا البرنامج الذي طور بالتعاون الوثيق مع المديرية العامة للمتاحف والآثار السورية، من أربعة وحدات رئيسية: التوثيق السريع، تقييم الأضرار والتحليل الهيكلي، تقييم وإدارة المخاطر، والعمل مع المجتمعات المحلية.
نبض