"أ ف ب": لبنان أجرى اتصالات دبلوماسية لمنع استهداف بيروت بعد التصعيد مع اسرائيل

شهادة في سيرة امرأة مناضلة
Smaller Bigger

انيسة روضة نجار سنديانة عتيقة هوت بعد حياة مديدة فاقت القرن في النضال والعمل والتفكير والنشاط، ولكن أيضاً في المعاناة والحسرة والتأسف. فمنذ نعومة أظفارها وعلامات الذكاء سبقت التحصيل العلمي في الجامعة الأميركية يوم لم تكن للبنات بعد حظوظ التعلم والتحصيل، وفي بيئة بيروتية محافظة اكتسبت انيسة روضة الدرجة الجامعية وانطلقت، فإذا عليها واجب التطلع إلى القرية اللبنانية فرأت أن النسوة في خدمة الرجال وأن التعليم مقتصر على فئات محظوظة ومحدودة منهن وأن البنات في خدمة الأخوة، وهي المؤتمنة على شرع الموحدين في تحقيق المساواة بين المرأة والرجل منذ نشوء الدعوة التوحيدية منذ ألف عام، فقارنت بين حال الموحدين والموحدات يوم إطلاق الدعوة التي عززها وكرسها الأمير عبدالله التنوخي، وواقع الحال، فعمدت إلى تأسيس جمعية إنعاش القرية، والتي كان الهدف منها قبل إنشاء الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي رفع شأن المرأة ومستوى تعليمها وإفساح مجالات اكتساب المعرفة، لاسيما تعلم الصنعة في يد النساء، تعزيزاً للتراث اللبناني القديم، وأمانة على رسالة التوحيد في تفعيل دور المرأة، فشع بريق انيسة روضة وزاد عندما اقترنت برجل مزارع بيده "مقص الشحالة" هو المهندس الزراعي فؤاد نجار الذي سرعان ما لفت انتباه الرئيس فؤاد شهاب الذي استدعاه ليكون وزيراً للزراعة في أول عهده، أملاً منه في إنهاض القطاع الزراعي في لبنان الذي شكل إحدى دعائم الاقتصاد اللبناني على مر العقود بعد الإهمال المتمادي لهذا القطاع والعاملين فيه.
لقد كان الزوجان مثالاً يحتذى في تطوير الحياة الريفية من دون أن ينساقا إلى بريق الحكم وألق الاجتماعيات، فأدخلا في مفهومها حفلات قطف الدراق والكرز في مزرعتهما في رياق وناصرا الشجرة والكتاب، فكونا مجتمعاً صادقاً لصورة المجتمع اللبناني البعيد عن الرياء الاجتماعي، التصاقاً بالأرض، وما تعنيه من قيم، وما تؤديه من رسالة، بحيث عكس هذا المنحى الصورة الحقيقية لوجهين مشرقين على مستوى البساطة والرقيّ.
ولم تكتف الست انيسة بعملها الدؤوب في إنعاش القرية بل فتحت الآفاق أمام النشء اللبناني، بغض النظر عن انتمائه الديني أو الاجتماعي، واسست فرعا لجمعية CISV وهي المنظمة الشبابية العالمية، فأصبحت في كل سنة توفر لصبي وبنت في سن الـ11 سنة للسفر إلى الخارج لاختبار الحياة المشتركة مع أقرانهم بالأعمار ذاتها، من ثقافات وجنسيات مختلفة، في العمل الجماعي والتثقيف النظري، وكم من الأجيال استفادت من هذا الانفتاح في تكوين الرأي وتفتح الذهن والعقل لتقبل الآخر المختلف تحت عنوان قبول الاختلاف واحترامه.
لقد عانت الست انيسة من الكثير من المطبات والمآسي لا سيما عند فقدها ابنتها المهندسة الشابة سنا في القصف الإسرائيلي. ولم يثنها هذا المصاب الجلل عن استمرار عملها وتعزيز قناعتها بضرورة تعميق النضال في سبيل القضية العربية الأولى فكراً وعملاً ومجاهدة ومكافحة في المحافل الدولية من طريق الاشتراك في المؤتمرات الدولية لإعلاء صوت الحق والعدالة واستعادة الكرامة.
وعند الغياب المفجع أيضاً لقرينها الوزير السابق فؤاد نجار بحادث سير مروع، لم تقف المسيرة التي بدأتها ولا هي أحبطت، فأعدت له بالاشتراك مع إبنتها منى كتاباً عنه لتؤرخ مرحلة مهمة من تاريخ السياسة النبيلة الهادفة إلى إدارة الخير العام بعيداً من المنازعات والمناكفات السياسية التي نشهدها في أيامنا والتي تبعد الناس من السياسة، لا سيما الجيل الجديد وتبعث القرف في نفوس اللبنانيين جميعهم. كما أعدت كتاباً وهي على أبواب المئة من عمرها بفكرها النضر وحضورها الغض لتسطير مراحل حياتها، علّ في هذا الكتاب ما يهدي الآخرين إلى الاقتداء بمثال لسيدة درزية لبنانية عربية ناشطة في المجالات الاجتماعية والثقافية والنضالية لا تعرف الملل ولا الكلل في سبيل تحقيق الغاية من عملها.
الست انيسة ذهبت بسلام كما عاشت بسلامها الداخلي، محاطة بالأبناء والأحفاد والمحبين والمعجبين، ولم تتعبها السنون رغم قساوة الحياة ووطأة الحزن والمرض والعجز، ولي معها تجربة أدهشتني أخيراً عندما أهديتها كتابي الأخير عن "الموحدين الدروز بالإنكليزية"، ناقشتني به في كل مقطع وفصل وسطر، وكأن الوعي لديها على اتقاد الشباب بما يشبه المعجزة: فالعجز في الجسم لا في التفكير ولا العقل وكلها أمل في مستقبل البلاد ومستقبل أجيالها الصاعدة، وإن للموحدين رسالة عليهم اتباعها في حفظ كيان وطنهم، والأمانة للعقيدة، ولم يدخل في تفكيرها يوماً التعصب، لا لأصلها البيروتي ولا لانتمائها التوحيدي، بل كانت سيدة لبنانية عربية مناضلة تشكل مدرسة أسوة وقدوة ومثالاً لأجيال مضت ولأجيال تأتي. ربما لا أغالي إن قلت إنها سيدة تدخل التاريخ من بابه الرحب أسوة بشبيهاتها اللبنانيات والعربيات الرائدات في العمل الاجتماعي والثقافي والإصلاحي.
رحم الله انيسة روضة نجار والعزاء بالتراث الذي تركته والإرث الذي زرعته في الأرض وفي النفوس بذوراً خيرة في تربة الوطن الحزين أملاً مشعاً ونوراً مضيئاً وسيرةً عطرة اتسمت بحياتها بالكبر من دون الكبرياء، بالنبل من دون الاستعلاء وبالحزم من دون الاستقواء.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل
لبنان 4/3/2026 12:18:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مسلحو "قوة الرضوان" المعتقلون أكدوا أن لا "قوة" للمضي بالقتال