لا يضاهي ظلّ أشجار الصنوبر ظلّ. عفيٌّ وفير، يفرض جوّاً من السكون، ويطرد الضوضاء. تملأه الرائحة الصنوبرية المركّبة الممتزجة بعبق التراب. وإذ تبدو الدار الصنوبرية مسالمة، وهي كذلك، لكن ما إن تدنو منها وتلجها حتى تشعر بأنها تحتضنك. أنت تدخل في كنف الصنوبر، فتُختَطف ويُقفَل بابٌ خلفك. طائر هائل يعلوك، يفرد جناحين بطول الغابة، يقيك أشعّة الشمس. يا للصنوبر!
خلال أيّام الطفولة كثيراً ما كانت ساعات اللعب في ظلال إحدى غابات الصنوبر العديدة في جبل لبنان. ليست جميعها بغابات كبيرة، فبعضها بقايا غابة اقتحمت أطرافاً منها امتدادات سكنيّة، أو حتى مجرّد تجمّع لأشجار لا أكثر. وقد نشأت لديّ ألفة في مساحات اللعب الصنوبرية. وارتبطت بها في ذهني مع مرور السنين مجموعة عناصر، مثل أنواع الأتربة والصخور، كالتربة الحمراء والصخر الرملي القاسي البرتقالي اللون.
تقيم غابة الصنوبر علاقة خاصة بالرطوبة والجفاف. فهي إن عجزت عن منع الجفاف بشكل كامل، إلا أنك تجد في الزوايا المختبئة رطوبة لطيفة، تحت فرع يابس أو حجرة كبيرة كأنها بقايا مطر الشتاء. ثمّ هناك أوراقها الإبرية الجافّة الطويلة التي تفرش الأرض أيّام الصيف وتجعلها لزجة أحياناً، فكنا نشكّل منها عقوداً وسلاسل.
من أجمل الغابات التي أذكرها من تلك السنين، غابة عند مدخل بلدة جزّين، إلى اليسار من تمثال السيدة العذراء وكانت الغابة قد رُهنت لاسمها على ما أذكر. وكانت لجزّين ميزتان إضافة إلى جمالها القروي المعروف: هذه الغابة والشلّال. الحقيقة إن كان لغابة جزين عندي سحر خاص، فهو وفرة ظلالها التي لا تضاهى، وربما إطلالة مريم الحنونة ومناخ البلدة اللطيف الجاف كانا يعزّزان استمتاعنا بها.
أما الغابة الثانية التي كانت لي فيها ذكريات فهي غابة ضهور الشوير. إلى جانب زيارات لأصدقاء كثيرين في البلدة، كان هناك تقليد امتدّ لسنوات عديدة حيث كان الفريق الكشفي الذي انتميت اليه، "بيروت الرابعة"، يقيم مخيماً سنوياً في منطقة صنوبر الى اليسار من ساحة البلدة. وهي غير غابة بولونيا التي تقع الى الجانب الآخر والأبعد من المصيف والتي أمضيت في فندقها المعروف بضعة أيّام أثارت في نفسي أشواقاً صنوبرية. أذكر ما روي لنا في أوّل مخيّم كشفي شاركت فيه، عن عرزال كان لأنطون سعادة مؤسس الحزب القومي هناك، وهو ابن الضهور، لم يبق منه إلّا أطلال، وقيل إن السطات أقدمت حينذاك على حرقه ومحو أثره كي لا يتحوّل إلى مزار.
غابة الصنوبر نموذجية لأي مخيّم، لكثرة ما توفّره من مزايا عمليّة. من هذه المزايا أن جذوعها، بطولها وبحجمها وطبيعة فروعها وأبعادها، تمثّل نظاماً له استخدامات كثيرة، منها مثلاً أنها تشكّل وسيلة تعليق ميسّرة ومريحة، ويمكن أن تستخدم لحبال نشر الغسيل. هذا إلى جانب مساحات الظل الفسيح والمريح لحلقات العمل والطعام الجماعية. ثمّ أن جذوع الأشجار هي مسند لا بأس به للإتّكاء والراحة. وحين يتم جمع أوراقها الجافة وبقايا أغصانها اليابسة المنتشرة بشكل عشوائي، يتوفر وقود ممتاز للطبخ والتدفئة. كل هذه المزايا العملية، قيمتها كبيرة ومضاعفة، لأنها كانت تجعل تمضية أيّام في مخيم كشفي أو يوم كامل مع الأهل أو الأصدقاء في الكنف الصنوبري ميسّرة توفّر لك كل ما تحتاجه. وفي العموم، هناك دائماً على مقربة منك نبع ماء صغير أو حتى صنبورة مياه تفي بأغراض الجلسة، قصرت أم طالت. وهذا يريحك من أعباء كثيرة ويسمح لك بأن تسترخي وتتأمّل وتستمتع بغابة الصنوبر: تعيش في نبض سكونها، في مدى هدوء حفيفها، تغفو على جذوعها الخشنة، وتنسلّ إلى خبايا عطورها.
يشبّه البعض هذا النوع من أشجار الصنوبر بالمظلّة، بسبب قبتها المكوّرة المالسة، إلا أنها تختلف عن المظلّة بأنك لن تجدها متناظرة الشكل بتاتاً. يتأكّد هذا بأبدع ما يكون حين تصادف ظاهرة أظنها خاصة بشجر الصنوبر. ففي مساحة مفتوحة تجد صفّاً منتظماً من هذه الأشجار مكوّناً من عدد لا يزيد على عشرة. ليس أمامه أو خلفه أي شيء. كأنه ولد بمعزل عن أي شيء أو أي أشجار أخرى، وفوق مستوى الأشياء كلها. لا تستطيع أن تتفادى الانطباع بأنّك أمام عدد من الراقصات يقفن في صف واحد في مواجهتك، إلا أن كل واحدة ترقص وتتمايل، بمعزل عن الأخريات. كثرٌ من رسّامي الطبيعة رسموا مثل هذه المجموعات الصنوبرية بالذات وبهذا الاصطفاف نفسه. أنا رسمت مجموعة منها كنت أراها من نافذة مكتب عملت فيه في إحدى ضواحي بيروت. حيث لم أستطع أن أقاوم فرادة التكوين بأوجهه المختلفة. فعلى رغم استقامة جذوعها وعلوّها، لا تشكل أشجار الصنوبر خطوطًا عمودية متوازية. فكل شجرة صنوبر لها وقفتها. أغصانها العليا تتنوّع تكويناتها كأذرع راقصة مرفوعة تتمايل حول رأسها. أغصان لها تشكيل لا تشبهه فيها أغصان الأشجار الأخرى. وفي حركة الأغصان ديناميكية غريبة خاصة بأشجار الصنوبر التي تصارعت عبر السنين مع حركة الريح المتغيّرة. أشكال تثير الفضول وخصوصاً لمن يغريه رسم الخطوط المعبّرة. من يحاول أن يتعقّب بقلم رصاصه تكوين كتلة من الأغصان الصنوبرية، فسوف يجد أنه لن يمل تكرار محاولة رسم الكتلة نفسها، لأنه سيخرج في كل مرة بنتيجة لن ترضيه، بسبب شدّة انفعاله بالمشهد وتحوّل أشكال الأغصان مع اختلاف بسيط في الزوايا. فتراه يعيد الكرَّة مراراً. لكنه إذا ما جمع الاسكتشات وغادر المكان وجلس ليستعرضها بعد حين، فسوف يجد حصيلة مثيرة جميلة. وتكون الشجرة لرسّامها كالفتاة اللعوب للعاشق وقد ظن أنها عصيت عليه، ليكتشف بعد حين أنه نجح في استمالتها.
تجوّل في غابة صنوبر، إفتح ذراعيك لفيئها. تأمّل كل شجرة على حدة، تابع حركة أغصانها، تخيّل الريح التي شكّلتها، أنظر إلى هذه وانظر إلى تلك. دع خيالك يسرح في غابة الصنوبر، ويمرح مع ميلان أغصانها. يا للصنوبر!
نبض