لقارئ زهرة مروة في ديوانها الثالث "الحياة على دفعات"، الصادر لدى "دار الروسم"، أن يقول "الثالثة ثابتة"، بعد ديوانَيها السابقَين، "جنّة جاهزة" و"الإقامة في التمهيد"، وهو قول يجب إشهاره وتأكيده من دون مواربة، لأن قصائد الديوان هذا مغمورة بشعر الحبّ الذي يبقى ينضح في خيال العقل والقلب، وفي لغتهما، وإنْ بعد تفرّق العشاق وإسدال الستار.
ستٌّ وخمسون قصيدة، غالبيتها الساحقة، كلٌّ منها في صفحة واحدة، أو في أقلّ من صفحة، والنزر تسيل منه سطور عدة إلى صفحة ثانية. ليست هذه الملاحظة عابرة على الإطلاق، لأن كثافة القول عند الشاعرة تأبى الإفاضات ولا تتيح الاسترسال والشروح، مكتفيةً بما يشعّ ويكهرب ويمغنط، حيث يتعرّى النثر من نثريته "الروائية" تعرياً شفيفاً لينغمر بماء الشعر، صافياً، عميقاً، رائقاً، هادئاً، خالياً من الانفعالات العائمة على السطح، متسرباً إلى الطبقات التحتية، بحنكة مَن تغربل الأحوال وتقطّر عطورها تقطيراً مطمئناً إلى جوهره.
هذا ما تفعله زهرة مروة حقاً. ولا مواربة. وإذا كان شعر الحبّ قابلاً عند الكثيرين من الشعراء، وخصوصاً الجدد، للوقوع في فخّ العواطف، "سكّر زيادة"، بحيث يتعرض القول فيه للعطب السريع، فإن الديوان هذا يعبر امتحانه بثقة، ومعرفة، ووعي، حاذفاً وماحياً، محتفظاً باللمع التي تضع المشاعر حيث يجب أن تكون، في أعماق الحبر لا على سطوح الكلمات.
قرأتُ كتاب زهرة مروة دفعةً واحدة، ثم عدتُ فتوقفتُ عند بعض قصائده مرةً ثانية، لأختبر الخيوط التي تشدّ العناصر والأجزاء والقصائد والمشاعر، بعضها إلى بعض، وقد أدركتُ بالعقل النقدي، لا بالانحياز والتواطؤ فحسب، كم أن هذا الديوان يجسد كتلةً شعريةً واحدةً، متوهجةً، حيث يتكاتف البنيان المتواضع للقصائد (من حيث الكمّ والحجم) تكاتفاً كيانياً بسيطاً يصعب تفكيكه أو تشظيته.
أقول "بسيطاً"، وأشدّد: لكنْ نائياً عن التبسيط. إذ، يتطلب شعر الحبّ، لكي يكون "بسيطاً"، مفعماً بالجوهر، الكثير من الاعتناء. وكم يصعب أكثر أن تظلّ الشاعرة ملحّة عبر قصائدها الستّ والخمسين، في الضرب بصنوج وجدانها وجسدها على البؤرة الشعرية عينها، من دون أن يعتريها خورٌ أو ضعفٌ أو ارتباك أو اصطناع. لا بدّ أن موهبةً قويةً تكمن وراء ذلك، مشفوعةً بيدٍ نقدية، أعملتا في الديوان، حتى ظهر على متانته المتبلورة.
تقفز الصور واللحظات قفزاً. تنزلق. تنطّ. تفرش الطاولة أمامي. فأشعر بأنني أعيش، لا أقرأ فحسب. هذا المزيج الطيّب من عيش لحظة الحبّ واللقاء والندم والانتظار والغياب، ثمّ هذا المزيج المرن والبسيط بين العيش والشعر، يجعلان الديوان موضع تكافؤ وتوازن إلى حدّ بعيد. هناك ملاحظة قوية لا بدّ منها: هذا المزيج خطر جداً، أيضاً، لأنه يمشي على حبل الحافة عند حدود النثر. مثل هذه الخفة، قد تكون ضرورية، لكن شرطها قدح النثر، لتبرئته من نثريته. وهذا ما يفترض بالشاعرة أن تواصل التمرس به، لدفع النثر إلى جحيم الشعر. إلى جحيمه كلّه.
شاعرة حبّ وجسد، هي زهرة مروة. بل شاعرة حياة. وهي تنقضّ على حياتها انقضاضاً نهماً، مرةً تلو مرة تلو مرة، فإلى ما لا نهاية لها من المرات. هي تعيد الكرّة، لأنها ستقبض على الفراغ، فلا تريد أن يذهب شيءٌ منها إهداراً. هنا، كل الخسارات ممكنة، وكل المرارات ممكنة أيضاً. هل أقول الأرباح؟ أجيب: يستطيع قارئ الشعر أن يستخلص الأرباح المحتملة كلها، ها هنا. المقامرة بالحياة، تجعل الشخص المقامر الشاعر، ذكراً أو أنثى، محتاطاً للنتائج المترتبة على هذا التفعيل الجنوني لزمن الحياة. وعندما تقفل الشاعرة عائدةً إلى ليلها، أو إلى الفراغ، تدرك كم هي خفيفة وطائرة وكثيفة. وتدرك في الآن نفسه أنها تصير لغة. هي اللغة نزقة وخفيفة، هذه التي تحملها في رأسها. لغة حرّة، بسيطة، خفيفة، لكن كثيفة، مضرّجة بالحبر النقي، حبر الشعر الذي يمسك بسرّ المخاض الذي لا بدّ من عيشه وتجاوزه.
"الحياة على دفعات"، نعم. أما الشعر فدفعةً واحدة!
نبض