ساعات طويلة من الانتظار وحرق الأعصاب عاشها أهالي #العسكريين_المخطوفين لدى "جبهة النصرة" في ظلِّ انتشار الأخبار عن عودتهم إلى الحرية، بعد انتظار دام سنة وأربعة أشهر. الفرحة عمّت خيمة الاعتصام في ساحة رياض الصلح مع انتهاء صفقة تحريرهم بعد وقوعهم في الأسر عقب الاشتباكات التي خاضها الجيش ضد المجموعات الإرهابية في جرود #عرسال في آب 2014. هذه الصفقة التي طال انتظارها لم تكن الأولى من نوعها في تاريخ لبنان الحديث. فما هي أبرز عمليات التبادل؟
الأسرى... تاريخٌ في التبادل
لا تعتبر صفقة التبادل التي تمَّت بين الدولة اللبنانية و"جبهة النصرة" الأولى فقد سبقها مفاوضات بين #لبنان وإسرائيل عبر وسطاء دوليين لتبادل الأسرى بينهما. نستعرض أبرز محطاتها: شهد عام 1991 عمليتين لتبادل الأسرى بين "#حزب_الله" وإسرائيل، الأولى في 21 كانون الثاني حيث أفرج عن 25 معتقلاً، والثانية في 21 أيلول وفيها أُفرج عن 51 معتقلاً مقابل جثة جندي إسرائيلي. تبعها في تموز 1996 تسلُّم إسرائيل رفات جنديين اختطفا في شباط 1986 واستبدلا برفات 123 لبنانياً، وفي اليوم نفسه أطلق "حزب الله" 25 جندياً من "جيش لبنان الجنوبي" سابقاً الموالي لإسرائيل، فأفرجت إسرائيل عن 25 سجيناً من معتقلي الخيام في الجنوب. وفي 25 حزيران 1998 أعاد لبنان إلى إسرائيل جثة الجندي إيتمار إيليا الذي قتل في مكمن لـ"حزب الله" في منطقة أنصارية مع 12 عسكرياً من الكومندوس البحري الإسرائيلي ليتسلم "حزب الله" رفات نحو 40 من أعضائه من بينهم نجل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد هادي حسن نصرالله. وفي 26 كانون الأول من عام 1999 عقد الجانبان اللبناني والإسرائيلي بوساطة ألمانية صفقة أفرج بموجبها عن خمسة من جنود "حزب الله" كانوا في سجون إسرائيل منذ أكثر من 10 سنوات. إلى ذلك، تمَّت في 25 آب 2003 صفقة وصفت بـ"التمهيدية" تسلم بموجبها "حزب الله" من إسرائيل جثتين لجنديين من الحزب هما عمار حسين حمود وغسان زعتر بوساطة ألمانية. عام 2004، تم تبادل أسرى 23 منهم لبنانيان، و5 سوريين، وآخر ليبي، و3 مغاربة، و3 سودانيين، و400 فلسطيني، وأسيراً ألمانياً، ورفات 59 مقاوماً لبنانياً. وكان من أبرز المفرج عنهم مصطفى الديراني والشيخ عبد الكريم عبيد. وفي 12 تموز 2006 أسرَ مقاتلو "حزب الله" جنديين إسرائيليين في عملية "الوعد الصادق" في محلة تلة وردة في عيتا الشعب هدفت الى تبادل أسرى لبنانيين، على رأسهم سمير القنطار الملقب بـ"عميد الأسرى" اللبنانيين. وفي 8 حزيران 2008، أُطلق الأسير اللبناني نسيم نسر بعد سجنه ست سنوات بتهمة التجسس لمصلحة "حزب الله"، وفي المقابل أعاد الحزب لإسرائيل أشلاء جثث أربعة جنود قتلوا خلال حرب تموز عام 2006.
أعزاز شاهدةٌ على المعاناة
في 22 أيار من العام 2012 خُطف 11 حاجاً لبنانياً في طريق عودتهم من إيران إلى بيروت في مدينة أعزاز السورية. وأشارت الروايات يومها إلى أن مجموعة "لواء عاصفة الشمال" اختطفت 11 لبنانياً وسائق الحافلة السوري من بين 52 شخصاً كانوا في حافلتين عائدتين من إيران عبر تركيا في معبر السلامة في ريف حلب. أُفرِجَ عن البعض ومن بينهم النساء وأُبقي على 11 رجلاً بينهم رئيس حملة "بدر الكبرى". من ثمَّ أُطلق اثنين من المخطوفين هما حسين عمر وعوض ابرهيم وبقي تسعة منهم في الأسر إلى حين تحريرهم بعد 17 شهراً إثر مفاوضات استمرت أشهراً أدارها المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابرهيم في صفقة ضمت سجينات سوريات وطيارَين تركيين خطفهما آل المقداد في لبنان رداً على خطف اللبنانيين في سوريا.
عرسال... الخاصرة الضعيفة
المعاناة اللبنانية لم تتوقف، ففي آب 2014، اختُطف 30 عنصراً من "الأمن الداخلي" والجيش اللبناني في منطقة عرسال بعد اشتباكات قرب الحدود السورية، عندما أوقف قائد لواء "فجر الاسلام" ومُبايع "داعش" عماد أحمد جمعة على أحد الحواجز. ليقبع الجنود في الأسر نحو سنة ونيِّف، استشهد خلالها العسكري علي السيد ذبحاً على يد تنظيم "داعش"، ليتبعه في 6 أيلول إعدام العسكري عباس مدلج بالوحشية نفسها. 19 أيلول حمل خبر استشهاد العسكري محمد حمية برصاص "النصرة" وبعده الشهيد علي البزال. لتعود وتشهد هذه المعاناة نهاية مفرحة بعد الإفراج في 1 كانون الأول عن 16 أسيراً لدى "جبهة النصرة" مقابل إطلاق سجناء للجبهة وإدخال مساعدات إنسانية إلى عرسال، فيما لا يزال مصير العسكريين التسعة المخطوفين من قبل "داعش" مجهولاً.
الثقة بالوسيط أولوية
يشير العميد الركن المتقاعد جمال الحاج في حديث لـ"النهار" إلى أنَّ "التفاوض يحتاج إلى تهيئة شروط من طرفي النزاع. ويتفق على كيفية إجراء عملية التبادل والاتفاق على نقطة لإتمامها، ما يحتاج إلى ثقة بين الطرفين تتمُّ بالاشتراك مع الصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية. ومن الضروري ضمان الوسيط والوثوق به والتأكد من نزاهته من جهتَي التفاوض. في ملف العسكريين المخطوفين لم يكن هناك طرفا تفاوض، بل واحد هو "جبهة النصرة" التي اعتُبرت شروطها تعجيزية إلاَّ أنّ الدولة اللبنانية سارت بها. شخصياً شهدت على 3 عمليات تبادل للأسرى، الأولى عام 1998 برعاية الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتمَّت يومها عبر مطار بيروت الدولي. واستُعيدت جثث شهداء من بينهم جثة الشهيد هادي حسن نصرالله عبر وسيط فرنسي. تلتها عمليات تبادل عبر وسيط ألماني مع 5 من "حزب الله". إلى جانب عمليات خصوصاً لحزب الله لم يدخل فيها وسطاء دوليون".
ماذا عن معارك عبرا ونهر البارد ألم يكن هناك مقايضات؟ يجيب الحاج إنَّ "المُسلَّح ليس لديه ما يخسره، إلاَّ أنَّ الوضع اختلف بين معركة عرسال ومعركتي نهر البارد وعبرا. خروج شاكر العبسي سيبقى لغزاً، ولكنَّ المسألة ليست مؤامرة إذ غالباً ما يتمُّ تأمين طرق لخروج ما يعرف بـالقادة سالمين عبر الاتفاق مع العناصر على ذلك، لأنَّ بقاء القائد على قيد الحياة بالنسبة إلى المقاتلين ضرورة إذ له قدسية وخصوصية. أما في معركة عرسال فتلقى الجيش أمراً سياسياً بوقف إطلاق النار وضمان خروج العناصر سالمين مع العسكريين. وكفلت هيئة العلماء الاسلاميين بقاءهم أحياء ليتبين أن هناك مكمناً للدولة اللبنانية والجيش. أما في ما يرتبط بمسألة الإفراج يجب أن يبحث الوسطاء عن منطقة محايدة للتبادل ما لم نشهده إذ إنَّ ذلك تمَّ في أرضٍ خاضعة لسيطرة النصرة التي حاولت استعراض قوتها وتأكيد نفوذها".
"النُصرة" ندٌّ للدولة اللبنانية
من جهته يشرح الزميل في "النهار" ابرهيم بيرم أنَّ "عمليات التبادل بين لبنان وإسرائيل مختلفة عن تلك بينه وبين "جبهة النصرة". الأولى تأتي في سياق طويل عمره أكثر من 20 سنة وتدخُل في إطار الصراع العربي الإسرائيلي التراكمي ورافقتها دقة وحرفية وتكتم إعلامي أكثر من المفاوضين والوسطاء الدوليين. والثانية في إطار الصراع السوري المُستجد أبرزه محطتا أعزاز وخطف العسكريين اللبنانيين عقب معركة عرسال. في ما يتعلق بأسرى أعزاز يومها كانت الحرب السورية في بداياتها، وجاء الإفراج في سياق إنساني عبر إلقاء القبض على حجاج من طائفة معينة، ولم يكن "حزب الله" متدخلاً في الميدان السوري آنذاك واعتبرت المسألة استدراجاً للجانب اللبناني أو تحديد سقف خطوط حُمر تدخَّل فيها العنصر التركي بعد هيمنته على المقاتلين والميدان. وبعد الضغط على تركيا من الأطراف السياسيين اللبنانيين حاولت التملص من الأمر لتساهم لاحقاً في إتمام الصفقة بعد إلقاء القبض على الطيارين. أما في معركة عرسال فاستُدرج لبنان عبر جيشه. والواضح أن "جبهة النصرة" حققت ما تريده من هذه العملية وكسبت على الجهتين، وأثَّرت خلال 14 شهراً على الساحة اللبنانية وبدت الدولة مُحاصرة وعاجزة عن الفعل. وفي ظروف الإفراج، استفادت "النصرة" واستعادت معتقلين لها من سجون في سوريا ولبنان، وانتهت كل مفاعيل محاصرة جنودها وعناصرها بعد فتح مرر لهم، بدت "النصرة" نداً للدولة تفي بوعودها، مُلتزمة وبارعة في عملية الابتزاز".
توقَّف النزف اليوم إلاَّ أنَّ الجرح لم يندمل بعد، إذ إنَّ فرحة عودة العسكريين لدى "النصرة" لم تكتمل في ظلِّ غياب معلومات عن أسرى "#داعش" على أمل ألّا تكون رقابهم على حدِّ السيف.
Twitter: @Salwabouchacra
نبض