أميركا اللاتينية ليست الخزان البشري لإعادة التوازن الديموغرافي الى لبنان فحسب بل هي الثروة الضائعة التي يمكن أن تعيد التوازن والاستقرار الى الاقتصاد اللبناني أيضا.
أعتقد أنه آن الأوان لأن يضع اللبنانيون جانبا مسألة البعد الجغرافي والتأثيرات الدعائية التي تملأ شاشاتنا وان ندرس بصورة علمية وموضوعية حقيقة الواقع في هذه القارة وعمق المصالح التي تربطنا بها. لقد كنا وكانت أميركا اللاتينية أسيرة الدعايات الإعلامية التي خلقت لدى كل جانب تصورات خاطئة جدا عن الجانب الآخر وابعدتنا عن بعضنا البعض.
أولئك الذين ساهموا بإقامة التصورات هم الذين استفادوا من ابتعادنا بعضنا عن بعض. والآن مع تطور التكنولوجيا لم يعد من عذر لنا أن نبقى أسرى مثل هذه التصورات. لقد قالت لي رئيسة الأرجنتين الدكتورة كريستينا دي كيرتشنر عام 2007 أنه "كذبوا علينا كثيرا لكنهم لن يستطيعوا الكذب علينا بعد الآن". هي محقة وعلينا نحن أيضا ألا نسمح لأحد أن يكذب علينا بعد الآن.
في العلاقات الدولية لا مجال للعواطف بل للمصالح لكن ما يجمع بيننا وبين أميركا اللاتينية فريد من نوعه لأنه يجمع العواطف والمصالح في آن معا. أميركا اللاتينية مدركة الآن وأكثر من أي وقت مضى لأهمية العالم العربي وتنظر الى لبنان كمدخل طبيعي لها الى هذا العالم بالنظر الى ما يربط شعوبها بنا من أواصر وعلاقات تاريخية. أميركا اللاتينية تأتي يوميا الى المنطقة ولكنها حتى الساعة لم، بل لن تعرف الاستقرار في علاقاتها مع هذا المحيط حتى يأتي اللبنانيون ويحملون الرافعة والمفتاح.
وحدهم اللبنانيون يحظون بالثقة المطلقة من شعوب هذه المنطقة بالنظر الى تاريخهم الطويل فيها. أنا لا أقول إن الآخرين لا يملكون مقومات الثقة بل إنه عامل الزمن والتجربة والصلات المتراكمة التي يتمتع بها اللبنانيون هنا إضافة الى العامل الثقافي الذي لا يملكه أي من الشعوب العربية الأخرى فيها هو الذي يجعل اللبنانيين أكثر تأهيلا لقيادة الانفتاح نحو القارة اللاتينية. العرب بحاجة لسنين طويلة وعلاقات إنسانية لن يمكنهم تحقيقها للتوصل الى ما يتمتع به اللبنانيون هنا. العرب يدركون أيضا كم هم بحاجة الى اللبنانيين في هذه القارة لتحقيق علاقات الشراكة المنشودة فهل يستوعب اللبنانيون هذا الدور المهم المنشود والمطلوب منهم؟
نحن نعاني مثل كل دول الاقتصاد الحر من تركز اهتمامات رجال الاعمال على ما اقاموه وصاغوه من علاقات خلال سنين طويلة مع أسواق تقليدية لهم. لن يكون بالإمكان اقناع رجال الأعمال الكبار بسهولة بالتوجه الى أسواق جديدة خلاف ما اعتادوا عليه. لكن ذلك يجب الا يكون عذرا للتوقف عن المساعي بل ربما آن الآوان لدفع الشركات المتوسطة والصغرى للسعي نحو هذه الأسواق بدلا من أن تشكل منافسا للشركات الوطنية الأخرى في أسواقها التقليدية.
المطلوب من الإدارة العامة وهيئات القطاع الإنتاجي المساعدة على اعداد استراتيجيات جديدة وإقامة تواصل مع مرشحين جدد من الدول الصاعدة ونحن ندعو الى التوجه أولا نحو أميركا اللاتينية.
كان بودي أن أعرض قراءة معمقة للواقع الاقتصادي لدول أميركا اللاتينية. لكن ليس هذا هو هدفي. أنا أرغب أن أعرض للجانب السياسي الاقتصادي للموضوع على أمل أن تدفع هذه القراءة الى تفكير جديد. ولهذا سعيت وما زلت أسعى الى إقامة مركز بحوث ودراسات متخصصة بأميركا اللاتينية.
وإذ امتنع الآن عن البحث في تفاصيل الواقع الاقتصادي والسياسي للدول اللاتينية الا أني أريد أن الفت الى التمايز في العلاقة الاقتصادية للبنان مع كل من آسيا وأميركا اللاتينية باعتبار ان التطور الاقتصادي الدولي الأكثر بروزا حاليا يقع في هاتين القارتين. فالشركات والصناعات اللبنانية لا يمكن أن تنافس الشركات الآسيوية في عقر دارها ولن يكون لها موقع قدم للاستثمار الفاعل والمنتج فيها بل سيبقى لبنان سوقا تجاريا للسلع من هذه الدول وسيبقى مستوردا لا أكثر لبضائعها. أما في أميركا اللاتينية والناهضة بقوة وسرعة فان لبنان واللبنانيين سيجدون موطأ قدم قائما فعلا لتعزيز صناعاتهم في هذه الأسواق وتعزيز استثماراتهم والحصول على حصة في سوق اقتصادية مستقرة ومقبلة على ازدهار يتحول يوما بعد يوم جزءا من السوق الاقتصادية للولايات المتحدة ذاتها. ومن جهة أخرى فان اللبنانيين هم حاجة لأميركا اللاتينية كوسيط الى الأسواق العربية.
قد يكون لبنان بعيدا اقتصاديا عن هذه القارة الا أنه موجود إنسانيا وثقافيا فيها منذ حوالى القرن ونصف القرن. ولقد تكون للبنان قاعدة من الحضور في الضمير اللاتيني فريدة من نوعها إضافة الى أن العنصر اللبناني ذاته أو من هو من أصل لبناني يمسك بدوره وبقوة بمراكز القوة في الاقتصاد المحلي لمعظم هذه الدول. فالمكسيكيون من أصل لبناني مثلا يملكون في المكسيك ما نسبته 10% من الدخل القومي لهذا البلد. وهكذا هو الأمر في دول لاتينية أخرى.
وقد لمسنا بوضوح كيف أن معظم الدول بما في ذلك اللاتينية تدفع مواطنيها من جذور مختلفة الى إقامة علاقات مع دول الجذور بغية تعزيز فرص البلد المعني في أسواق تلك الدول. والمكسيك مثلا التي كانت تمنع ازدواج الجنسية صارت تسمح بها وهي تحفز مواطنيها من أصول لبنانية للمشاركة في جهودها الانفتاح نحو الدول العربية. كما أن الأرجنتين تقيم احتفالات خاصة وطنية بيوم المغترب. وقد أوفد الرئيس بينيا نييتو السيد كارلوس سليم في جولة في الدول الخليجية مع بدء الإصلاحات التي أطلقها عام 2013 والتي شملت الانفتاح نحو العالم، بغية اعداد تقرير عن الإمكانيات الاقتصادية لهذه الدول والمجالات المفتوحة أمام المكسيك لتطوير العلاقات معها. وقد قال لي السيد سليم في حينه أنه وجد أن الدول الخليجية تملك المال الوفير الذي لا تعرف كيف تصرفه مما كان يعني بوضوح أنه نصح المكسيك بالسعي للاستفادة من هذه الثروة على شكل استثمارات. وكان واضحا لي أن الحكومة المكسيكية وضعت فعلا قرارا بهذا الاتجاه وبدأت التواصل مع الدول الخليجية لهذا الغرض. وأنا مدرك أن المكسيك ستكون قوة جاذبة لهذه الأموال إذا أحسنت السعي اليها ولن يكون هناك أفضل من اللبنانيين لمعونتها في هذا الإطار لما يملكونه من ثقة من الجانبين.
والنموذج المكسيكي ينطبق حتما على كل الدول اللاتينية بما في ذلك البرازيل ذاتها والأرجنتين. وفي هذا السياق لا بد لي من التذكير أن الرئيس البرازيلي لولا الذي أطلق فكرة القمة العربية الأميركية الجنوبية الدورية انما أطلق تلك الفكرة من بيروت التي أصر على زيارتها أولا في بداية زيارته للمنطقة
عام 2005 بغية التدليل على مركزية لبنان في المساعي البرازيلية.
سفير لبنان في المكسيك
نبض