ديريك سيانفرانس، مخرج Blue Valentine الذي يعشق اسلوب مارتن سكورسيزي، يثبت مجدداً أنه مخرج من خامة الكبار في شريطه الجديد The Place Beyond The Pines الذي يعبق بنفس كلاسيكي وينطلق بواقعية وحساسية، مرتكزاً على قصة قوية وشخصيات معقدة ومناخ خاص يلفحنا منذ المشاهد الاولى. مجدداً مع موضوع العائلة الذي يحاول استكشافه، ومجدداً مع راين غوسلينغ بطل Blue Valentine الذي يحافظ على ملامح شخصية تراجيدية كما في فيلمه Drive لكنه يتخلى عن السيارة لمصلحة الدراجة النارية. إنه لوك عاشق القيادات المجنونة ومقدم العروض الخطيرة على دراجته النارية التي يتنقل بها كسهم من مكان الى آخر. اثناء مروره في بلدة شينكتادي النيويوركية التي زارها قبل عام، يكتشف ان رومينا (ايفا مانديز) التي جمعته بها مغامرة عابرة، هي اليوم أم لإبنه الحديث الولادة. فجأة ينضج الفتى المجنون ويصبح رجلاً وأباً ويقرر البقاء للاعتناء بابنه الذي يمنحه فرصة البدء من جديد والالتزام وتحمّل المسؤولية. وكي يضمن لصغيره مستقبلاً آمناً يتخلى لوك عن عالم العروض ويقوم بسرقة مصارف عدة وينجح كل مرة في الفرار بسبب مهاراته في قيادة الدراجة النارية، الى أن... تتقاطع طريقه مع شرطي طموح وصادق يدعى ايفري كروس(برادلي كوبر) مصمم على الايقاع به. بدورها طريق ابن لوك تتقاطع مع درب ابن الشرطي ايفري بعد 15 عاماً. جيل بعد جيل، رومانسية بعد دراما، مأساة بعد قدرية وقبل انتقام، وتتعاقب فصول هذا الشريط الذي يصف العلاقة بين الآباء والأبناء بكثير من الصدق والانفعالات القوية والعميقة لكن المضبوطة وغير المجانية. ينقسم الفيلم ثلاثة أجزاء تعكس الحياة بكل ما فيها من لقاءات واخفاقات واقتراب وابتعاد وخصوصاً استمرارية وتاريخ يعيد نفسه، فنتابع أولاً قصة الأب الاول لوك، ثم الأب الثاني الشرطي ايفري كروس وأخيراً قصة ابنيهما (داين ديهان وايموري كوهين) اللذين يجتمعان بعد مرور 15 عاماً... شريط درامي اسود لافت بذكائه واسلوبه، يمتد على 20 سنة لا تخلو من التطويل، ويتناول القدرية والوراثة والابوة وشخصيات مؤثرة تهزنا باداءاتها القوية على ايقاع موسيقى ضبابية ملائمة تماماً لمناخ الفيلم، ومطاردات حماسية على الدراجة النارية، ومواقع تصوير حقيقية مثل مركز الشرطة برجاله الفعليين، ومستشفى بممرضاته ومرضاه الحقيقيين، ومصرف بموظفيه المعتمدين، ومدرسة بطلابها الذين لم يقفوا يوماً امام الكاميرا. اما الشخصيات الرئيسية فيؤديها ممثلون قديرون مثل راين غوسلينغ المقنع بدور رجل ممزق يلتحم به كجلد ثانٍ، وبرادلي كوبر الذي يثبت مجدداً بعدSilver Linings Playbook أنه ليس ممثلاً وسيماً فحسب بل يحسن ايضاً اداء شخصيات غامضة ومثيرة للقلق. أما ايفا مانديز (حبيبة راين غوسلينغ في الفيلم وفي الحياة) فتقدم أحد أجمل ادوارها واكثرها اقناعاً، تماماً مثل راي لايوتا بدور الشرطي الفاسد، المقنع دائماً بأدوار الشر التي يتقنها.
نبض