كلما قرأت مقالاً او كتاباً صادراً عن مثقف او صحافي عربي لفتتني الاشارة الى شيطنة الفيديرالية واعتبارها أحد أوجه مشاريع تفتيت المنطقة التي تقودها أميركا وربيبتها اسرائيل.
ان هذه المقولة تفتقر الى الدقة ولا تتعدى كونها احدى الشعارات الفارغة التي اعتاد البعض تكرارها. لكي نفهم الاسباب الكامنة وراء طرح الاميركيين الفيديرالية في المنطقة اثر الحرب مع عراق صدام، علينا ان ندرس الدستور الاميركي.
دستور الولايات المتحدة الاميركية هو الوثيقة التاريخية المؤسسة للحكومة الفيديرالية للولايات المتحدة الاميركية، كما يشكل القانون الاسمى للبلاد، انه أقدم وأعرق دستور مكتوب غير منقطع الاستعمال في العالم وأول دستور يعتمد النظام الفيديرالي كطريقة لتنظيم البلاد. حتى إن بعضهم وصفه بالمعجزة. يؤسس هذا الدستور للحكومة الفيديرالية من خلال تنظيم ثلاث سلطات منفصلة وهي التشريعية ويمثلها الكونغرس ويقوم عملها على سنّ القوانين، والتنفيذية على رأسها رئيس الولايات المتحدة أي رئيس الدولة ورئيس الادارة في الولايات المتحدة. يؤدي أدوار رئيس السلطة التنفيذية للحكومة الاتحادية والقائد الاعلى للقوات المسلحة. يقوم بابرام معاهدات مع القوى الاجنبية، بمشورة وموافقة مجلس الشيوخ. يمنح العفو ويرجئ تنفيذ الاحكام، ويدعو الى عقد وتأجيل انعقاد جلسات مجلسي النواب والشيوخ في ظل ظروف استثنائية، والسلطة القضائية تمثلها المحكمة العليا للولايات المتحدة، كما يحوي الدستور الاميركي بنوداً تهدف الى ضمان حقوق الافراد في الحياة والملكية، وفي حرية العبادة والتعبير. ومن أجل ضمان هذه الحريات، شدد واضعو الدستور الاميركي على ضرورة وجود قيود لصلاحيات كل من سلطات الحكم وتم تقسيم الصلاحيات لضمان عدم أخذ الحكم بالقوة من كل شخص او طرف واحد. اضافة الى مساواة الجميع أمام القانون، ويضمن فصل الدين عن الدولة كدولة علمانية بمعنى ان الدولة على مسافة واحدة من كل الأديان، وليست ضد الدين، كما هي حال العلمانية الفرنسية.
وان الترجمة الصحيحة الى اللغة العربية هي الدول المتحدة الاميركية، اذ ان الترجمة الصحيحة لكلمة state هي دولة وليس ولاية ولكل واحدة من هذه الولايات الخمسين حاكمها والكونغرس والمحكمة العليا الخاصين بها. كما تقسم كل ولاية الى مقاطعات لكل منها استقلالية ادارية وقضائية وصولا الى البلدات الصغيرة. وقد لا نبالغ اذا قلنا ان صلاحيات رئيس الولايات أو الدول الاميركية المتحدة تنحصر في السياسة الدفاعية والعلاقات الخارجية وأن تأثيره على الامور الداخلية محدود، والمثال على ذلك تعثر سياسة الرئيس أوباما في اصدار قانون العناية الطبية لجميع الاميركيين. وبالعودة الى موضوعنا فإن طرح الولايات المتحدة الاميركية نظام الفيديرالية كطريقة لتنظيم الدول وحل النزاعات بين الاقليات والاكثرية لا ينبع من فكر تآمري، بل من اقتناع بأن الدستور الاميركي هو وليد معجزة فكرية وثقافية وبأن تطبيقه واعتماد أحكامه من سائر الدول قد يشكل الدواء الشافي لمشاكلها.
بيتر جرمانوس
الأكثر قراءة
تجارب الحكم الذاتي عبر التاريخ، تثبت أن تقرير المصير يمكن استيعابه ضمن الدولة الموحدة وتوسيع الحقوق وليس التفكيك والتجزئة.
نبض