بايرن ميونيخ يستعيد بالينيا بعد غياب شهرين

19-10-2015 | 23:24

تحت الضوء - "كايرو كوميكس" كشفت أمامنا "شكمجيّة" التيّار الجديد شرائط مصوّرة محكيّة شعبيّة ومفتوحة على فضاء التجريب

تحت الضوء - "كايرو كوميكس" كشفت أمامنا "شكمجيّة" التيّار الجديد شرائط مصوّرة محكيّة شعبيّة ومفتوحة على فضاء التجريب
Smaller Bigger

في طريق العودة من القاهرة إلى بيروت في اتّجاه المطار، استوقفني عدّاد رقميّ كبير فوق مبنى يُعلِن في شكل آنيّ تعداد المصريين الذي تجاوز 89.7 مليوناً. ومن السائد أنّ ثورة مدويّة لشعبٍ بهذا الحجم لا بدّ أن تُطلق العنان لكمٍّ نسبيّ من الإبداعات. أو العكس في حال الردّة. "كايرو كوميكس" يؤكّد أن الشريط المصوّر المصري لا يزال يعيش الحال الأولى. إصدارات مستمرّة، بعضها يتوقّف بعد صدوره إمّا لخصوصيّةٍ لم يأتِ أوانها وبعيدة عن متطلّبات السوق الناشئة، وإما لأن مموّليها حَدَتهم نزوة اللحاق بـ"موضة" رائجة أكثر منها المشاركة في تأسيس حال ثقافيّة فتراجعوا. فيما بعضهم الآخر وَجَد "الخلطة" السحريّة فاستمرّ وأصبح مَعلماً ثابتاً في المشهد "الكوميكساوي".


قواسم مشتركة تجمع الإصدارات الأخيرة. أوّلها الكتابة والتعبير باللهجة العاميّة. كأن الصحوة التي رافقت الثورة كانت مصريّة قبل أي شيء آخر. ربّما هو الحنين إلى أيام العصر الذهبي ستينات القرن الماضي مع مجلة "سمير" حيث المحكيّة كانت من العوامل الأساسيّة لإنتشارها. أو ببساطة، أن الشريط المصوّر هو فنّ رسم الحركة العفويّة اليوميّة وتعابيرها الشعبيّة أين الفصحى منها. منذ "مترو" المؤسس، يُصِرُّ رسّامو الموجة الجديدة في "توك توك"، "كاـراج - ممنوع الوقوف"، "الشكمجيّة"، "فوت علينا بكرة" وغيرها من الدوريّات، على مخاطبة ناس يومهم من جيلهم وشارعهم بلغتهم. بها يتكلّم "الحج السايس" الأمّي عند شنّاوي، و"أمّ صدفة" للفنان أنور، و"سعيد متولّي" هشام رحمة. وقد يُمعِنُ آخرون من أمثال مخلوف وأنديل في المحليّة التي لا يفكّ رموزها غير ناسهم (حتى وإن كنّا نألف المسلسلات المصريّة).


كُشَري وشكمجيّة
توجّهٌ آخر مشترك بين الإصدارات، أنها ملتزمة حالات مجتمعها وتعبّر عنه، وإن ذهبت أحياناً إلى الذاتيّة. فالشباب لا يزالون في الحال الثوريّة ومآلها ولم يأخذوا منها مسافة بعد. قصص "الغلابة" و"الفلاحين" والموظفين المحبطين أو الشباب "الزُهُق" تطغى على صفحات "توك توك" الساخرة. وهو ما يجعلها المجلّة الأولى والأقدم وربّما الأكثر جاذبيّة بين مرادفاتها، لإحترافيّتها العالية. كأن شنّاوي اكتشف التركيبة السحريّة لـ"كُشَري" الكوميكس الذي وراء رواجها (من يتذوقّها يُدمِنها أكثر من غيرها) وجمَعَ فيها من أصبحوا أعلاماً: أنديل، هشام رحمة، مخلوف، توفيق، أنور إلى الشنّاوي نفسه. أمّا "الدشمة" (عنوانها الآخر "أعرف حقوقك") فتلتزم مسؤوليّة التوعية القانونيّة لحقوق المواطنيّة ولشرعة حقوق الإنسان. وهي تذهب منحى أكثر جدّية، سواء في قصصها المأخوذة من الواقع بأقلام إسلام أبو شادي، نائل الطوخي وآخرين، أو في رسوماتها الموقّعة من مجدي الشافعي، حسن، أحمد سعد، وكريم أحمد. فالحديث فيها عن "البلطجي" والعسكري ومصطفى المواطن العادي الذي تواجهه "المؤسسة". ليس غريباً أن يكون الشافعي محرّكها وهو أول من فضح "تركيبة" النظام السابق في ألبومها "مترو" الذي قاده أمام المحاكمات.
الالتزام عند "الكوميكساويين" لا يتعارض مع التجريب في حدود الشريط المصوّر نفسه. هنا تفتح مجلّة "كاراج – ممنوع الوقوف" للتوأم محمد وهيثم رأفت فضاء صفحاتها للاختبار الحرّ خارج القيود المألوفة للشريط المصوّر. وينتقل التعامل إلى المؤلف-الرسّام (author) الذي يضع أفكاره بريشته على أوراق جهد ناشروها على فنيّة طباعتها ومظهرها الذي أخرجها من شعبيّة الشارع شكلاً. نتعرّف إلى أسماء مبدعين مثل فريد ناجي، إسلام الشيمي، أحمد حسام، توفيج الغرائبي (توفيق؟) أحمد أنور المحترف، سارة خالد والمبدع المختلف شكلاً ومضموناً وتوقيعا: Flyin' Dutchman (تيمّناً بأسم السفينة الشبح وقبطانها الغرائبي فيPirates of the Caribbean ).
"المرّة دي الشكمجيّة شايلة جوّاها حكايات عن العنف الجسدي والجنسي اللي بتتعرّض له البنت المصريّة في حياتها...". بهذه المقدّمة-المانيفستو تقتحم مجلة "الشكمجيّة" بتحدٍّ ومن دون مواربة، تابوهات المجتمع الذكوري المصري ("الشكمجيّة" تعني بالعاميّة العلبة التقليديّة لحفظ الحلى النسائيّة). وإن كانت تصدر عن جمعيّة "نظرة للدراسات النسويّة" فاللافت فيها مشاركة فنانين "ذكور" من الأعلام أمثال هشام رحمة ومخلوف وتوفيق وعكاشة وغيرهم ليؤكّدوا عمق التغيير الاجتماعي والفكري الذي يحمله المنخرطون في التيّار الجديد للشريط المصوّر المصري ويسعون إلى نشره، ونلمس بالمحسوس التغيير الذي أحدثته الثورة الشبابيّة الأخيرة. قصص "الشكمجيّة" مباشرة، عنيفة، استفزازيّة ومؤذية ربّما على شكل "ظاهرة التحرّش اللي بقت عاملة زي الوباء المتفشي في المجتمع... معليش". تحيّة إلى الشابات منى سنبل، دعاء العدل، منى عبد الرحمن، رانيا هلال، شيماء حامد وعائشة منصور، ورئيسة التحرير فاطمة منصور.


الفن التاسع
غزارة الإنتاج المصري للشريط المصوّر الحديث وتنوّعه، لم يأتيا من العدم أو بين ليلة وضحاها. هنا يلعب محمد الشنّاوي دوراً محوريّاً. إلى كونه من الفنّانين الطليعيين ومن المؤسسين الفاعلين لمجلّة "توك توك"، لم تغب عن ذهن هذا الشاب الذي يعشق الكوميكس أن يؤسس لمجلّة ثقافيّة تُعنى بشؤون هذا الفن وتنشر ثقافته وتفتح للشباب نافذة التعرّف والتواصل مع انتاجاته العالميّة فكانت "الفن التاسع" (2012). مجلّة- جريدة تحفة في التصميم، تقع في 8 صفحات من القطع الكبير، تُعنى بـ"دعم ونشر ثقافة القصص المصورة في مصر والتواصل بين رواد هذا الفن في مصر والمنطقة والعالم". في صفحاتها جديد الكوميكس من مهرجانات ومعارض وإصدارات، إلى ملفّات محوريّة تعريفاً بفنّان أو مدرسة فنيّة. كونها صدرت بدعم من الاتحاد الأوروبي (الذي توقّف حديثاً للأسف) سعى شنّاوي الذي ساعده مخلوف في إدارة تحريرها، إلى جعلها منصّة ومنطلقاً لتنظيم ورشات عمل وتدريب في العاصمة والمناطق يُشرف عليها محترفون محليّون ومن الخارج، أبرزها ورشة "عاشت مطبوعتي حرّة مستقلة" عمل المشاركون فيها على إخراج جريدة مستقلة من 16 صفحة ملونة. إضافة إلى نشاطات مشتركة بين الفنّانين أنفسهم آخرها "24 ساعة كوميكس" حيث اجتمع المشاركون لإنجاز قصة مصورة كاملة خلال 24 ساعة متواصلة أنتجت كتاب "حدث بالفعل" وهو موضوع اللقاء.
وإذا كانت المجلات المتخصّصة للكبار من علامات الدخول إلى عالم الشريط المصوّر الحديث، فإصدارات الألبومات هي العلامة الفارقة الأخرى (اللبنانيّون سبّاقون مع مازن كرباج، برّاق ريما، زينة أبي راشد، لينا مرهج، جمانة مدلج، عمر الخوري ومتخرّجو الأكاديميّة اللبنانيّة للفنون "ألبا"). لا يتوقّع في هذا المجال أن يكون الكمّ موازياً للإصدارات الدوريّة. فالقصّة تتطلّب نفساً روائيّاً وصنعة إحترافيّة إلى الوقت الذي يستغرقه الرسّام (وليس مجموعة فنّانين كما المجلّة) لإنهاء عمله. هنا استوقفني عملان روائيّان مميّزان، "في شقّة باب اللوق" (كتابة دنيا ماهر، رسوم أحمد نادي، إخراج جنزير) و"تأثير الجرادة" (رواية أحمد خالد توفيق ورسوم حنان الكرارجي). عملان يؤسسان لمسارين واتجاهين روائيّين مختلفين.
في "تأثير الجرادة"، وكنت أتمنّى للألبوم القياس الأوروبي وليس "المانغا"، تعتمد الكرارجي صرامة التقطيع في المشاهد، وتتقن اللعب على الكاميرا لترافق كثافة الحركة الجسمانيّة المكثّفة للشخصيّة الأساسيّة. ترسم بحرفيّة عالية وتعبيريّة تخلو من التفاصيل في قالب خيال علمي يستند إلى شخصيّات واقعيّة من أمثال حسني مبارك وأولاده، ومحمد البرادعي وآخرين. قصّة توفيق سياسيّة بامتياز لرجل لديه آلة تعود بالزمن ويريد استخدامها لوقف الثورة قبل حدوثها فيقع في النهاية ضحيّة السلطة التي أراد إنقاذها في رسالة واضحة أن الثورة وقعت ولا يمكن العودة بها إلى الوراء. في المقابل تغوص دنيا ماهر في ذاتيّتها وهي تخبرنا عن "شقّة باب اللوق" ومناخات شارعها وناسها ويساعدها جنزير في التصميم الفنّي. هنا تُبدع ريشة أحمد نادي (اسم يستحقّ المتابعة مثله أنديل في المقابل الكاريكاتوري). ربّما لأنه جاء من الفن التشكيلي احترافاً، وربّما أيضاً لشخصيّته الشعبيّة والحسّاسة في آن واحد، بَرَعَ نادي بريشته المرهفة في التقاط تفاصيل الشقّة المتداعية والمناخات الشعبيّة لشارعها بدكاكينه وأصوات صفارات إنذاراته وتوقُّف الوقت في مقاهيه وغزو "الدشّات" لسطوحه. وكم تفاجأت حين أعدّ لنا المركز الثقافي الفرنسي زيارة لأحياء العاصمة الشعبية ومررنا بباب اللوق، كيف تعرّفتُ إلى خطوط الحيّ ورائحته وضجيجه وكأنّي كنت هنا من قبل، ولكن في المرّة السابقة على الورق مع الثلاثي، نادي، ماهر وجنزير.
"كايرو كوميكس" تذهبُ إليه متردّداً وتعود منه مصاباً بعدوى مياه النيل.

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية