تجاوزت الرواية كجنس أدبي البُعد الرسالي والرسولي الذي كان طاغياً على عموم الفنّ الروائي في انطلاقته الأولى، لكن من دون أن تفقد سمتها المؤسِّسة، والمتمثِّلة في افتقارها إلى عنصر الأمان الداخلي الذي كان موجوداً في عالم الملحمة. وهو العنصر الذي جعلها على حدّ تعبير لوكاتش "شكلاً للمغامرة" الإنسانية بعدما بات من غير الممكن للآلهة التي كانت تسيطر على العالم في الملحمة، أن تُناصر أبطال الرواية وأن تغلِّبهم على الأشرار الموجودين فيه1.
اعتبر غولدمان أن الشكل الروائي عبّر أدبياً عن تبدّل في الحياة اليومية داخل المجتمع الفرداني المولود من الإنتاج نحو السوق2. لذا كان من الصعب أن تولد البنية المعقّدة للرواية "ذات يوم من مجرّد الابتكار الفردي، ومن دون وجود أيّ أساس لها في الحياة المجتمعية للمجموعة3". ما يعني أن الرواية - ومهما طالها من تغيير- تستمرّ في أن تكون وسيطاً من الوسائط التي تربط بين النصّ والمجتمع، وتحيل على طابعها الإنساني- الاجتماعي، وضمناً التاريخي. ما ينطبق على الرواية عموماً، ينطبق كذلك على الرواية العربيّة، بما في ذلك الرواية اللبنانية، لكن من دون أن يعني ذلك عدم وجود خصوصيّات معيّنة يفرضها المسار الذي قطعته الرواية في هذا البلد العربي أو ذاك. فكيف تجلّى هذا المسار إذاً؟
الرواية اللبنانية والحداثة
لئن بدأت الانطلاقة الحقيقيّة للرواية اللبنانية في أواخر خمسينات القرن الفائت وستيناته، فإن هذه الانطلاقة تضافرت مع جملة تغييرات بنيوية كانت قد بدأت تطاول المجتمعات العربيّة، وبخاصّة المجتمع اللبناني، الذي انخرط آنذاك في "حداثة" احتلّت معها العاصمة بيروت واجهة المشهد الثقافي العربي. لعلّها الحداثة المواكبة لموجة الحداثة الفكريّة الثالثة التي أرّخ لها عبد الإله بلقزيز، والذي كان قد لاحظ أن هناك "ثلاث موجات فكريّة شهدها الفكر العربي منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر حتّى اليوم"4، وأن جيل الحداثة الثالث يمتدّ من عقدَي الخمسينات والستينات إلى اليوم أيضاً، وأنه يتّسم مقارنةً بالأجيال السابقة بسمات أربع هي أولاً اتصال مفكّريها بمصادر الفكر الغربي وبتيارات الحداثة أكثر من سابقيهم؛ ثانياً غلبة المنزع الأكاديمي في التأليف لديهم ونقص في منسوب التبشيرية؛ ثالثاً ارتباطهم بعلاقة نقدية بالمرجعين الثقافيين التراثي والغربي؛ رابعاً تميّز خطابهم الحداثي بنزعة تركيبيّة بسبب علاقتهم المفتوحة والمتوازنة بالمنظومتين والنظرة النقدية المزدوجة غير الأحادية التي حمكت تلك العلاقة5.
انخرطت الرواية في الحداثة إذاً، سواء من خلال الموضوعات التي عالجتها، أم من خلال الأشكال والأساليب الفنّية التي استعارتها، وذلك بعدما تشكّلت كجنس أدبي بوصفها حقلاً مرتبطاً بالحاضر غير المنجز وبالحدث المستقبلي، وهذا ما أدخل المؤلّف "في علاقات جديدة مع العالم المتخيَّل"، حيث يقعان معاً (المؤلّف والعالم المتخيَّل) في تعاطفات الأزمنة والقيم نفسها، ويكون الكلام الذي يتصوّره المؤلّف على مستوى الكلام نفسه المتصوَّر للبطل6.
لعلّ أبرز ما ميّز انخراط الرواية هذا في الحداثة، هو تجسيدها فهماً مختلفاً للأدب، وذلك تحت تأثير الفلسفات الاشتراكية والوجودية والقوميّة. الروائي والناقد اللبناني سهيل إدريس، الذي تأثّر بالوجودية، عبّر عن مفهومه الجديد للأدب في مقال عائد إلى العام 1960 عنوانه "حول علاقة الأدب والواقع"، بقوله إن "الأدب مادة تعكس تجربة أو مجموعة من الخبرات الإنسانية. لكن من دون أن يكون تصوير الواقع معياراً لإنتاج أدب ذي قيمة". فالواقع في نظره ليس الحياة، لأن الحياة "أشمل وأعمق من الواقع (...) والفنّ يتطلّب تحويراً في الواقع، وتجاوزاً للحياة لا إلى ما هو مثالي وإنما إلى ما هو أكثر حياة من الحياة نفسها، الحياة التي تحتمل كلّ شيء، لأن الأدب لا يحتمل كلّ شيء. من هنا كانت المآخذ التي توجَّه إلى المذاهب الواقعية التي تنخرط في تصوير الواقع، من غير أن تأخذ الفنّ في الاعتبار، الفنّ الذي يتطلّب الاختيار والانتخاب والتحوير7".
واكب هذا الفهمَ الجديد للأدب مفهومٌ حديثٌ للبطولة، أشاد إدريس أيضاً به في مقال عائد إلى العام 1959 عنوانه "البطولة في الرواية العربية الحديثة". فالروائي الحديث كما يرد في كلامه، "يجد نفسه الآن أمام كائن شديد الغنى، لكلّ نزعة من نزعاته قيمة، ولا يمكن أن يُطرَح منه جانب، ويؤخذ آخر. فالواقع أننا لا يمكن أن نعرف البطولة إذا لم نعرف من أيّ جُبن هي منبثقة...8".
إنسان الرواية الحديثة وبطلها، بحسب إدريس، هو إنسان يستبدّ به "قلق عميق يتّخذه سبيلاً للإجابة عن أسئلة كثيرة تطرحها عليه الحياة التي عاشها: لماذا يعيش، وكيف يجب أن يعيش، وأيّ أمل ينتظره، وأيّ مصير يترصّده، وما هي المقاييس الأخلاقية التي يطبق عليها مسلكه، وبمَن يؤمن وما عساه يرسم له من هدف؟... أسئلة كثيرة لا تنتهي، ولا ينبغي لها أن تنتهي حتّى لا تقتل في نفسه هذا القلق الذي به يشعر أنه إنسان ذو قيمة...9".
المفهوم الجديد، والثوري للكتابة – إذا جاز التعبير- عبّرت عنه أيضاً، الروائية ليلى بعلبكي في العام 1959 بطرحها السؤال الآتي: "من نحن؟" نحن بشر تقول. "نحن مخلوقات تفكر. وتحسّ. وتعي. وتشتهي. وتكره. وتستسلم. وتشمئزّ. وتقاوم. نحن الإنسان هنا، نمارس حياتنا داخل حدود بلادنا الضيّقة. ونلتقي بالأخوة مع إنسان العالم الشاسع في ممارستنا هذه الحياة10".
جاءت الحرب في لبنان (1975-1990) لتُدخِل الرواية في انعطافة ثانية ساهمت فيها ظروف الحرب نفسها وبروز موجة من الروائيّين الجدد في آن واحد، أمثال إلياس خوري ورشيد الضعيف وحسن داوود وهدى بركات وعلوية صبح وسواهم. فبعدما كانت فنّية الرواية اللبنانية قد نهضت من محاربتها التجلّيات المموِّهة للحداثة ولمحدّداتها، ومن انخراطها في تلك الحداثة، جاءت تلك الانعطافة الثانية- وليدة الاختمار الفنّي لتلك الثورة الفنّية التي أطلقتها الستينات.
روايات الحرب
ثمّة ثورة طبعت روايات ما قبل الحرب، بحيث شكّلت الرواية الإطار الذي عبّرت فيه رؤية هذا الروائي أو ذاك عن الخلل الذي ينهض عليه الاجتماع اللبناني برمّته. وقد شغلت الثورة على المدينة بيروت حيّزاً في الأدب الروائي آنذاك. وبدا "تقزيم" المدينة حجّةً فنّية لقراءة سوسيولوجية معادية لمظاهر النموّ الاقتصادي الخدّاع والازدهار الشكلي الذي عرفه لبنان في ستينات القرن المنصرم وسبعيناته، عبّرت عنها روايات عدّة مثل "الرجل الأخير" (1961)، لإلياس الديري و"أربعة أفراس حمر" (1964) و"لا تنبت جذور في السماء" (1971) ليوسف حبشي الأشقر...إلخ. هذا فيما ربط الأديب توفيق يوسف عوّاد في روايته "طواحين بيروت" (1969) ربطاً فنّياً بين العادات والتقاليد البالية التي مزّقت بطلته تميمة وبين البنية الاقتصادية- الاجتماعية الهشّة التي تعتمل بالتناقضات بين الريف والمدينة، الدولة الحديثة والدولة الطائفية، الأغنياء والفقراء، الدولة المستقلّة والاعتداءات الاسرائيلية المتكرّرة على جنوب لبنان... إلخ؛ علماً بأن العادات والتقاليد البالية، وما تشكّله من كبتٍ لشخصية الأبناء، ومن هدرٍ لطموحاتهم، ومن استلابٍ لمستقبلهم، كانت قد جسّدت تيمة أساسية في عدد من النصوص الروائية التي عبّرت باكراً عن رفضها لمثل هذه العادات والتقاليد، من ذلك مثلاً رواية "الخندق الغميق" (1958) لسهيل إدريس، و"أنا أحيا" (1963) لليلى بعلبكي، فضلاً عن معظم روايات إملي نصر الله الصادرة من ستينات القرن الفائت حتى اندلاع الحرب في لبنان.
غير أن الانعطافة الثانية، التي من سماتها غياب البطل الروائي، الشبيه بالبطل الملحمي الذي لا يُقهَر والمُحاط بهالة من القداسة، غياباً كاملاً، وتحوّل هذا البطل إلى شخصية رئيسية ذات سمات إنسانية ليس إلاّ، فضلاً عن تشظّي السرد وتشظّي الزمن الروائي، وتشظّي الأمكنة، وغيرها من المعالم الفنّية والتقنيات التي راحت تكرّس تراجع الحكاية لصالح الخطاب الروائي بكلّيّته، لا تزال مستمرّة إلى اليوم. لكـأن ما يصحّ على الحركة الفكريّة وجيل الحداثة الثالث الممتدّ من عقدَي الخمسينات والستينات إلى اليوم بحسب بلقزيز، يصحّ كذلك على مسار الرواية اللبنانية التي دخلت الحداثة وأسّست لتحوّل تدريجي في تقنيات الرواية وأساليبها وأنماطها من جهة، ولتداخل بعض هذه الأساليب والأنماط من جهة ثانية.
مرحلة الستينات والسبعينات التي استقى خلالها بعض الروائيّين اللبنانيين القيم التي آمنوا بها والتي بشّرت بها الإيديولوجيات الكبرى (الوجودية، القومية العربية، الاشتراكية...) جعلت الأبطال الإيجابيّن مثلاً، وإن كانوا حاضرين في نصوص المرحلة الثانية، أي مرحلة الحرب (1975-1990)، فاقدين سماتهم الملحميّة، وذلك بعد تحوّلهم شخصيات روائية تحمل سمات إيجابيّة ليس إلّا. شخصيات تحمل قيماً إنسانية معيّنة جعلتها واضحة الملامح والأهداف وجعلت من الشفافية عنواناً لمواقفها وعلاقتها بالآخرين، وذلك بوصفها شخصيات رئيسية من لحم ودم يميّزها إصرارها على التمسّك بالقيم التي آمنت بها ولا تزال تناضل في سبيلها، من دون أن يعني ذلك عدم انهزامها أمام الصعاب، شأن شخصية رضوان في رواية "الإقلاع عكس الزمن" لإملي نصر الله. أي البطل الإيجابي الذي وصفه لوكاتش بأنه "إنسان أصيل" و"بطل أصيل" نظراً لكفاحه في سبيل المثل العليا، لكن من دون أن يتمتّع بالقدرة البطولية على تخطّي العقبات كافة التي يواجهها. على الرغم من وجود هذا البطل الإيجابي، إلّا أن غالبية الشخصيات الروائية تميّزت بكونها إمّا شخصيات إشكالية، أو سلبية، وإمّا شخصيات لامنتمية، وهروبية، وانهزامية. الفئة الأولى من الشخصيات (الإشكالية أو السلبية) تميّزت بذاكرات جماعية وجمعيّة صلبة ساندت الخطاب الروائي الميّال إلى طرح الأسئلة واستقراء الماضي والحاضر المتأزّم، وذلك بما يومئ بتواصل هذه الشخصيات مع تاريخها الذاتي والاجتماعي، وبما يسمح باستجلاء بعض المحدّدات التاريخية- الاجتماعية لهذه الظاهرة الاجتماعية أو تلك. من ذلك شخصيات مثل زهرة، بطلة حنان الشيخ في روايتها "حكاية زهرة" (1980) وإسكندر، بطل "الظل والصدى" (1988) ليوسف حبشي الأشقر، وعوّاد، بطل "الفارس القتيل يترجّل" (1979) لإلياس الديري، وخليل، بطل "حجر الضحك" (1990) الذي تحوّل من شخصية إشكالية إلى أخرى سلبية. هذا فضلاً عن شخصيات إلياس خوري الهامشية المتحرّرة من نخبويتها والمرتبطة بالذاكرة التاريخية. أما الفئة الثانية من الشخصيات (اللامنتمية، والهروبية، والانهزامية) فجاءت مولِّدة لنظرة آنية ووصفية للواقع. من هذه النماذج نذكر حسن آدم في "الطيون" (1988) لأحمد علي الزين وحسام في "شاي أسود" (1995) لربيع جابر كشخصيّتين لامنتميتين؛ وهاشم كشخصية هروبية في "تقنيات البؤس" (1989) لرشيد الضعيف، فضلاً عن الشخصيات الانهزامية في رواية "بناية ماتيلد" (1983) لحسن داوود.
هكذا افترقت الرواية نهائياً عن البنى التقليدية في السرد، وباتت أنماط الشخصيات المختلفة شأنها شأن الأمكنة والأشياء والأزمنة، وسيلةً لا لتمثيل الواقع بل لبناء خطاب روائي يحيل على رؤية المؤلّف للحياة، بدلاً من أن يحيل على حقيقة واضحة وأكيدة يحاول الروائي إيصالها إلى القارئ. فمالت غالبية بنى الأعمال الأدبية إلى أن تكون إخباراً عن "الحالة الإنسانية" بعموميّتها، بدل أن تكون تمثيلاً للواقع أو بدل أن تحمل همّاً تحليليّاً له.
الرواية الآن: روايات الشباب
لئن كرّست الرواية اللبنانية- وطرقها التعبيرية- موقعها، فإن هذا التكريس لم يخضع لمبدأ ذاتي، بل لجملة متغيّرات وظروف كان من أبرزها: انتهاء الحرب في لبنان من دون انتهاء الصراع السياسي والأزمات الاجتماعية المتعدّدة الوجوه؛ تغلغل المظاهر المختلفة للعولمة في شرايين المجتمع اللبناني، وما رافق ذلك من ثورة في وسائل الاتصال والتواصل؛ سيطرة عالم الصورة والتقنية بشكل غير مسبوق في التاريخ...إلخ، ناهيك بالتراث الروائي- إذا جاز التعبير- الذي خلّفه جيل الانعطافة الثانية للرواية في لبنان (أمثال إلياس خوري ورشيد الضعيف وحسن داوود وجبّور الدويهي وعلوية صبح وهدى بركات وإيمان حميدان وغيرهم)، الذين برزوا، معاً أو تباعاً، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، امتدّت من منتصف سبعينات القرن الفائت حتّى نهاية تسعيناته.
لكن مع الجيل الجديد والشاب من الروائيّين المولودين في الحرب، الذي برز في مطلع الألفية الثانية، والذي لم يعايش الحرب على مستوى الوعي، شأن الجيل السابق، بل عايشها من خلال الإحساس بها ومن خلال آثارها (دمار، وثائق، مذكّرات، نصوص أدبية أو غير أدبية، ذاكرة، جمعية، ذاكرة الأهل...إلخ)، كفّت العناصر التي تتكوّن منها بنية الرواية في لبنان (الشخصية، المكان، الزمن، الحكاية) عن أن تكون وسيلة يُراد من خلالها تجسيد حقيقة قاطعة. نادراً ما بتنا نجد شخصية روائيّة فاعلة للحدث، أو حاملة كلام المؤلّف، بل صرنا- ولعلّ ذلك هو السمة العامة أو الجامعة- أمام كائنات إنسانية لها أسلوبها الخاصّ في الوجود والإحساس وإدراك الآخرين والعالم. وقد تجلّت تلك السمة العامة عبر أربعة ملامح أساسيّة قد تنوجد كلّها أو واحد منها على الأقلّ في الروايات الشبابيّة، من دون أن يعني ذلك أنها لم تكن تسم روايات الجيل السابق من الروائيّين والروائيّات:
أولاً: الاستناد إلى الكلام المباشر للراوي (كشخصيّة رئيسية)، بصيغة المتكلّم، وذلك ضمن تدفّق سردي أو حكائي لا يميل إلى البوح بالضرورة، وخصوصاً لدى الروائيات. هذا التدفّق السردي أو الحكائي الذي يحمل لغة مكثّفة موحية، ويميل إلى "مشهديّة سينمائيّة" ذات طابع سكوني، حتّى ولو بدت المشاهد متحرّكة عبر الزمن، نجده مثلاً عند هالة كوثراني في روايتيها "الأسبوع الأخير" (2006) و"استديو بيروت" (2008). فيما تتقاطع الحكايات وتتداخل وتتوازى في إطار "مشهديّة مسرحية" لدى سحر مندور، ولا سيّما في روايتها "حبّ بيروتي" (2009). حيث يتولّى الراوي أحمد (الشخصيّة الأساسيّة في الرواية) السرد بصيغة المتكلّم، لكن بالتناوب مع راوٍ خارجي يسرد بضمير الغائب (بصوته) ويصف (بعينه) تحرّكات ثنائيّ هذا الحبّ البيروتيّ (أي أحمد وماجدة). في الحالين، توظَّف التقنية في توصيف الزمن الآني والحاضر الغنيّ بتفاصيل الحياة اليوميّة، ولا سيّما مع سيطرة صيغة الفعل المضارع المحيل على الراهن والآني. حتّى الروايات التي لم يُسند فيها الكلام إلى الراوي بصيغة المتكلّم، ساهمت فيها تقنيات سرديّة أخرى، شأن الكاميرا، في نقل دقائق الشخصية الروائية الأساسية، من ضمن إطار سينمائي عام. من ذلك مثلاً، رواية "نابوليتانا11" (2011) لهلال شومان، حيث بدأت العين السينمائية بتتبّع الشخصية الرئيسية، أي هيثم الشاب الثلاثيني، في تنقلاته كلّها، داخل شقّته. وفي كلّ محطّة من هذه المحطّات، كانت الكاميرا تنقل لنا، كتقنيّة مقصودة من أجل توليد الإحساس بهذه الحركة السينمائية، كيف كانت تنطفئ إحدى اللمبات الأربع من ثريّا الغرفة، لينتهي المشهد وتنتهي معه الرواية بانطفاء اللمبة الرابعة والأخيرة: "تفقع اللمبة الأخيرة في الثريّا، مغرقةً الغرفة في عتمة خالصة" (ص152).
ثانياً: غياب اسم الراوي/ الشخصيّة الرئيسية، والتركيز على سنّ هذه الشخصية فقط، نظراً لتركيز الروائيّين الشباب على توصيف أحوال جيلهم أكثر من اتجاههم نحو كتابة تجربتهم الذاتية. نلحظ ذلك لدى هالة كوثراني في روايتَيها "الأسبوع الأخير" و"استديو بيروت" حيث الرواة هنّ شابات في النصف الأول من الثلاثين، ولدى سحر مندور في روايتَيْها "حبّ بيروتي" (2009) و"32" (2011). حتّى أن الراوية/ الشخصيّة الرئيسية في الرواية الأخيرة- "32"- تبرّر عدم وجود اسم لها بقولها: "أظنّ أنّي نسيت اسمي لأنّي لا أريد لنفسي قصّة. فلو بقيت بلا اسم، لن يخبر أحد عنّي شيئاً، ولن أنوجد" (ص152).
ثالثاً: تركيزٌ على الآني والحاضر والراهن، تواكبه العاميّة اللبنانية وقاموس مفرداتها وعباراتها الشبابيّة السائدة الآن، والمطعَّمة بالمفردات الإنكليزية والفرنسية. هذا القاموس تميّز به هلال شومان، ولا سيّما في روايته "نابوليتانا"، وكذلك سحر مندور في روايتَيها "حبّ بيروتي" و"32": هاي، شو، ليش، بونجور، أكسيدان، سوري، إن جي أو، باي، بالِسْتايْن، ريجيم، تشيبس، عمّو، مرسي، مرسي كثير، إتحركش، كدوشة لبنة، روق، "من أوّل ما صاحبنا"، "لا رح تقدّم ولا تأخّر"، معْليه، بست فرندز...، هذا فضلاً عن الكلمات التي واكبت الثورة التكنولوجية الراهنة (كمبيوتر، أيبوت، يوتيوب، الريموت كونترول، ميسد كول، داون لود...).
أما الذاكرة البعيدة، التي غالباً ما تتمّ عبر استذكارات طويلة أو متوسّطة المدى، فتبدو في روايات الشباب، إن وُجِدت، كأنها تقلّصت لتبدو سعتها، أو مساحتها ضمن زمن السرد، كأنها عابرة. فتنساب الذكريات عبر كلمات موجزة تختصر، بجمل قصيرة، متون الذكريات الطويلة وتشعّباتها. حنين رامي في رواية "ليمبو بيروت"12 (2013) العائد من هامبورغ إلى بيروت بعد عشر سنين مثلاً، لم يستتبع معه شريطاً طويلاً من الذكريات، بل مجرّد تعلّق بشقة اختارتها لهما صديقته الفرنسية صوفي بمجرّد أن لمح شبابيكها الخشبيّة التي ذكّرته بشبابيك بيتهم في منطقة كاراكاس في بيروت؛ إنّها الشبابيك نفسها التي جعلَت حسن، شقيق رامي يقول: "أخذتُ أبكي وأنا أنظر إلى الشبابيك الخشبيّة تٌقلَع. يودّون تغيير مظهر البناية وطلاءها بلون جديد، ووضع الستائر المقلًّمة البشعة. هكذا قرّرت لجنة البناية. هكذا صار حيّنا" (ص131).
رابعاً: المحاكاة الساخرة للواقع. تميّزت بها سحر مندور في روايتَيها "حبّ بيروتي" و"32". وهي محاكاة ساخرة طالت حتّى الكتابة الروائية الكلاسيكية: "الشمس تغيب، ولون الأفق أحمر مقهور، كأنه الخمر يجرّح وجنتَي الدنيا. أجلس تحت الشجرة الطويلة ذات الغصون المنتشرة كالطيور في كلّ مكان...". هذه الكتابة الكلاسيكية تشير إليها الراوية بسخرية في رواية مندور "32" قائلة: "ستقتلني هذه الرواية!" (ص115). وهي السخرية التي عبّر عنها الراوي كذلك في رواية هلال شومان "ليمبو بيروت". فالراوي الذي يحرص على نقل الشكل الذي ستكون عليه روايته التي هو في صدد كتابتها يقول: "رأيتُ برقاً وسمعتُ رعداً. ولو كنتُ أفكّر بطريقة طبيعية في تلك اللحظات، لاستعدتُ كلّ التفاصيل الرخيصة التي تصاحب ارتكاب الإثم في الأعمال الإبداعية التي تحرص أن تقدّم رسالة مباشرة جداً: تبرق. ترعد. تمطر. يركض مرتكب الإثم. يختبئ، ثمّ يواصل هروبه. عندما يحظى بمكان آمن، يبكي. أو يضربه سوط التفكير" (ص76).
هذه الملامح وغيرها، ميّزت النصوص الشبابيّة بأسلوبها الخاصّ في النظر إلى العالم. بحيث يلمس القارئ كلّ الموضوعات المطروحة من قبل: الغربة، الملل، الهجرة، المدينة المشبوهة، الحبّ الضائع...إلخ، لكن انطلاقاً من شروط الحاضر ومستجدّاته، التي تختلف عن شروط الماضي، ومن ضمن إطار سينمائيّ ومشهدي تارةً، ومسرحيّ تارة أخرى، يبتعد عن البوح أو عن الاستذكار الطويل المدى كتقنيتين استُخدمتا لدى الجيل السابق من الكتّاب لربط الحاضر بالماضي من جهة، بقدر ما يبتعد من جهة أخرى عن الثورة التي ميّزت النصوص الروائيّة في ستينات القرن الماضي وسبعيناته.
لكن في المقابل، نجد نمطاً سردياً شبابياً لا تتوفّر فيه هذه الملامح الأربعة، وذلك عند روائيّة شابة مثل جنى فوّاز الحسن في روايتها "طابق 99" (2014)13. صحيح أن الحسن أوكلت مهمّة السرد للشخصيّتين الرئيسيّتين المتحابَتَين (مجد وهيلدا) فيها، وإن بشكل غير متساوٍ، إذ استأثرت الشخصية الذكوريّة (أي مجد) بالجزء الأكبر من السرد، إلّا أن الحسن ابتعدت عن المشهديّة السينمائيّة وعن المحاكاة الساخرة للواقع، كما أنها لم تكتفِ بتسمية شخصيّاتها الروائية فحسب، بل جعلت من اسم إحدى شخصيّتيها الرئيسيّتين (أي هيلدا) عنواناً في فصلين من فصول الرواية الأربعة. بحيث وُظِّف السرد بضمير المتكلّم لخدمة بناء فنّي بلغة أدائيّة، غير محمَّلة الصور والمجازات، غايتها، ومن خلال علاقة حبّ، امتحان الذاكرة الذاتية في تقاطعاتها مع الذاكرة الجمعية. لذا تميّزت بسعة الذاكرة المتأرجحة ذهاباً وإياباً بين العامَين 1982 و2000، مع انفتاحات على أربعينات القرن الفائت، وتحديداً زمن نكبة فلسطين.
بيروت من منظور الشباب
بيروت مثلاً، تلك المدينة التي ثار عليها روائيّو الأجيال السابقة، أضحت عند هالة كوثراني مثلاً إطاراً فيزيقياً تتحاور معه الشخصيّة الرئيسيّة (الراوية) في روايتَي "الأسبوع الأخير" و"استديو بيروت"، من خلال التدفّق السردي المواكب لكلّ تحرّكاتها في المدينة من ضمن الآني والحاضر؛ بحيث لم يتعدّ زمن القصّ في "الأسبوع الأخير" الأسبوع الواحد، ولم يتعدّ الأشهر المعدودة في "استديو بيروت". فيُنبئ هذا المشهد السينمائي بأحوال المدينة وناسها بدلاً من أن تُنبئ به أحكام القيمة التي يمكن أن يتضمّنها السرد الروائي عموماً. وبذلك تتحوّل بيروت إلى شخصيّة من شخصيات الرواية وإلى مرآة من مرايا الذات الراوية.
في "الأسبوع الأخير" استرسالات حرّة لراوية شابة (في النصف الأول من الثلاثين) تستعدّ للسفر إلى دبي بعد اكتشافها أنها بدأت تفقد شيئاً من حبّها لبيروت التي ولدت فيها (ص12). فتمضي أسبوعها الأخير في بيروت مودّعةً ناسها، معيدةً حساباتها مع المدينة. وفي رواية "استديو بيروت" ثمّة راوية في العمر نفسه تعود إلى بيروت بعد غياب في كندا، وتتأمّل أحوال بيروت عبر استرسالات حرّة أيضاً. فتبدو بيروت بيروتين: "بيروت الجديدة القديمة الجميلة المرمّمة، التي أوقظت بالقوّة من موتها" وأخرى "بمبانيها المهترئة التي تخرج من بطونها أعوام التعب والذلّ، وتتدلّى من شرفاتها أقمشةٌ سئمت الحياة" ("الأسبوع الأخير" ص 87). وفيما يقتل الحنين إلى بيروت ما قبل الحرب جيل الآباء، لا يبالي الأبناء ببيروت تلك، القابعة في ذاكرتهم. بل يقبلونها كما هي، أي بحسب ما هي عليه. في "الأسبوع الأخير" تقول الراوية الشابة الثلاثينيّة: "لا يكاد والدايَ يغادران الشقّة. لا يحبّان بيروت الجديدة التي بنتها الحرب بعدما هدمت مدينتهما، ولا يعرفان التنقّل بين شوارعها وأزقّتها، ولا يستطيعان التعرّف على أصواتها وروائحها، لذا لا يخرجان إلّا نادراً" (ص11).
وإذ تتعامل الراوية الشابّة (وهي مخرجة) في "استديو بيروت" مع بيروت من خلال الكاميرا، تطلّ المدينة عبر مشهد سينمائي تتكاثر فيه اللقطات والمشاهد التي تجعل من بيروت ذاك الاستديو الواسع "حيث الحياة دون ألوان، مجرّد حياة بالأبيض والأسود، دون ألوان قزح وعلب ألوان تملأ اللوحات البيض في الشوارع. تختفي ألوان الحياة حيث يهدّد العنف بانفجاره. ويدبّ الرعب في مدينة تفقد ألوانها (ص 106). تمشي الراوية من دون أن يغادرها الإحساس بأنها في استديو واسع. لكنّها لا تستطيع أن تميّز في بيروت بعد "بين الهدوء الحذر والحذر الهادئ وبين أنواع الانتظار المختلفة، انتظار المفاجأة وانتظار الانفجار (ص19). فتلتقط "أصحاب الوجوه المتنقّلة في الشوارع يتكلّمون مع أنفسهم دون أن يحرّكوا شفاههم. يفكرون، يخطّطون، لكنّهم لا ينتبهون إلى حركة أجسامهم وهي تمشي نحو هدف محدّد أو هدف غير محدّد" (ص 7).
ينكشف وجه بيروت لدى سحر مندور في روايتها "32" كذلك، من خلال حياة الراوية الثلاثينيّة الشابة أيضاً. فالراوية وصديقاتها اللواتي هنّ في مثل سنّها (أي 32 عاماً)، باستثناء إحداهنّ التي تبلغ الثامنة والعشرين، يتنقّلن معاً بين المقاهي وأماكن السهر والترفيه. وإذ تشعر الراوية بالاختناق أو بالضجر، على الرغم من الحرّية المطلقة التي تتمتّع بها وصديقاتها، تردّ ذلك تارةً إلى العمر: "ربما في الثلاثين، تخفت أحلام القدرة المطلقة على إنتاج العالم، فيتعرّف الواحد منّا إلى حدوده" (137)، وتارةً أخرى إلى بيروت: "فالوقت ثقيل الوطأة في بيروت، إن لم يبلّله المرء بالكحول" (75). كأنه بات من الصعب أن تبني جداراً عازلاً عن بيروت المعولَمة، الاستهلاكية التي فرضت نفسها على أدقّ التفاصيل الحياتية: "وُلدت "الليست دو مارياج" (لائحة الزواج)(...) كانت معادلة رقيقة في حفاظها على العاطفة، رغم المنحى الاقتصادي الجلي فيها. لكن التجارة عادت وشمّرت عن ساعديها(...) وهكذا، ولد الـ"كونت دو مارياج" (حساب الزواج المصرفي)(...) عندما يولد الوحش، لا يمكن التحكّم بنسله: "الليست دو بيبي"(لائحة الطفل)(...) ومن "الليست دو بيبي وُلد: الـ"كونت دو بيبي"(حساب الطفل المصرفي)، وهاجرت الخفّة بعيداً" (ص ص68-69).
والحسابات مع بيروت كثيرة، تبدأ مع المعيار الجمالي النمطي الذي تفرضه على الفتيات ولا تنتهي مع المعايير وأنماط العيش الفارغة التي تفرضها. حيث تقول الراوية في "الأسبوع الأخير": "لا أستطيع في بيروت ألّا أبالي بلون وجهي وبالهالات السود حول عينيّ" (ص 15). ثمّ تضيف: "في الحقيقة، لم أكن يوماً حرّة. ولم أستطع يوماً أن أتحرّر من عقد تحدّد لي شكل جسمي الذي يجب أن أسعى إلى الحصول عليه. لم استطع أن أمتلك جسمي برغم محاولاتي المتكرّرة التعامل معه بحجة أنه لي وحدي. فهل ألوم بيروت وحدها على ضعفي؟" (ص ص 15 -16).
ربما لهذه الأسباب كلّها، انتهت الراوية في "الأسبوع الأخير" إلى القول، في نهاية حسابها مع بيروت: "لم يكن عادياً أن أفقد أصدقائي الذين سافروا أو ماتوا أو ملّوا رؤيتي. ثاروا على طريقتهم. ثاروا على العمل الذي لم يجدوه، وعلى الوعود التي راكمتها أعوام الدراسة الجامعية والتي لم تتحقّق، وثاروا على قصص الحبّ التي انتهت مع انتهاء أعوام الدراسة الجامعيّة. ثاروا على طريقتهم في الملاهي الليلية. ثاروا حين أصرّوا على الاحتفال بالحياة في مدينة يختفي منها الهواء. ثمّ ثاروا على المدينة خوفاً من أن تبتلعهم فوضاها الآسرة" (ص 48).
وفي رواية "ليمبو بيروت"، أصبحت المدينة عند هلال شومان "ليمبو" (أقرب دوائر جهنّم إلى الجنّة بحسب دانتي)، أو حالة متوسطة او انتقالية؛ عالم النسيان؛ مَكَان الحَبْس؛ موطن إهمال أو نسيان (بحسب قاموس المعاني،)؛ توزّعت بيروت تلك، بين خمس قصص (الأمير الصغير، الليمبو، شبكة سلوى، الأحداث، اللحظة الفارقة) زيّنتها الرسوم التي عبّرت عن كلّ تلك المعاني؛ تلك المعاني المولودة من المشاهد الحياتيّة التي بنتها شخصيات المدينة وأفعالها وتحرّكاتها المتشابكة كتشابك القصص الخمس التي شكّلت بنيان الرواية. ما أوحى بمدينةٍ عالقة وناسها بين حربٍ انتهت وأخرى محفورة فيهم. لذا تكرّرت عبارة "لقد حلّت الذكريات" في الفصل الذي حمل عنوان "الأمير الصغير" (ص ص 12 و18). بيروت هذه التي تلخّص نفور الشخصيات الروائية منها، ما هي إلّا تجسيد لنفورٍ من وطنٍ بأسره. فحسن، إحدى شخصيات "ليمبو بيروت" يقول: "أشعر أن حياتي في لبنان كانت دائماً محاولات متكرّرة لتفادي الأشياء. أتفادى الأذى، أتفادى الكسر، اتفادى الأسوأ بالسيئ" (ص145).
ولئن غابت بيروت لدى جنى فوّاز الحسن في رواية "طابق 99"، فإنها حضرت بغيابها، بعدما تمثّلت بتلك العلاقة المتقاطعة بين جبل لبنان ومخيّم صبرا وشاتيلا ونيويورك؛ أي بتلك الأمكنة التي شكّلت ذاكرة الشخصيّتين الروائيّتين الشابّتين مجد وهيلدا.
الحبّ والزواج
لئن بدا أن بيروت حكمت أو تحكّمت أيضاً بعلاقات الحبّ والزواج فيها، ولئن توصّلت الراوية في "الأسبوع الأخير"- بعد فشل علاقتها بثلاثة رجال (عامر ووسيم وكمال) إلى القول: "كبرت ووجدت نفسي هكذا. هكذا وجدت نفسي في الثالثة والثلاثين. لم أصنع عمري وحدي. صنعوه هم معي، هم أهلي، سكّان المدينة" (ص78)، يسأل الراوي في رواية "ليمبو بيروت" عمّا إذا كان انتهاء العلاقة التي ربطته بحبيبته هي حقاً "لحظة فارقة" لينتهي إلى أنه "لم يكن هناك لحظة فارقة على الإطلاق" بل فقدان "التواصل السليم" (ص229).
أما علاقة الحبّ التي دخلت عامها الخامس بين الراوي أحمد (29-30 عاماً) وماجدة (29 عاماً) في رواية "حبّ بيروتي"، فراحت تشير إلى تورّط بيروت في تأرجح هذه العلاقة بين الخفّة واللايقين، بمقدار ما وصفت التغيّرات التي طرأت على المستوى العلائقي والوجودي لدى الجيل الجديد المولود في الحرب.
الشابان المتساكنان في "حبّ بيروتي"، وعلى الرغم من عمق الرابط الذي يربطهما، يسيطر عليهما خوف من الارتباط. الخوف هذه المرّة ليس من الأهل أو من أيّ سلطة أخرى، بل من تغيّر نمط الحياة نفسه في المدينة: "هناك شيء ما يغري بالخفّة في بيروت" (ص147)؛ "بلوغ السكر ليس استثنائياً في بيروت (ص83). ولعلّ هذه الخفّة هي التي دفعت بالمتحابَّين إلى التجريب. أن تجرّب هي الخروج مع مروان وخالد، وأن يجرّب هو العلاقة مع كارمن التي تكبره بعشر سنين: "حاولتْ ماجدة ربطي بعقد زواج ومشاريع غدٍ، فهربت. وعندما لاحظتُ أنّ في هربي قراراً يملي عليَّ شكل غدٍ بلا ماجدة، عدتُ عنه. تراجعتُ. بادرتْ هي إلى تحديد شكل غدٍ جديد يجمعنا، فامتثلت. حتّى الجنس مع كارمن، ماجدة اتّخذت القرار به" (ص146). لعلّه الضجر والرغبة في الخروج عن المألوف: حبّ فزواج فأسرة وأطفال، أو من روتين العلاقة. لعلّها بيروت نفسها المفتوحة على كلّ الاحتمالات والاتجاهات والتيارات الفكرية والاجتماعية، هي التي جعلت من هذا التجريب أمراً عادياً: "هي معي وأنا معها ونحن نتعشّى مع آخرين وأخريات. طبيعي. عادي، يعني" (78)، حتّى ولو أفضى ذلك إلى الفراق أو إلى انتهاء العلاقة. فيكون التجريب نفسه هو الحكَم بدل أن يكون الغدر أو الخيانة أو الطائفة أو الأهل أو الغيرة...إلخ، هي التي وقفت حائلاً دون اكتمال علاقة حبّ جميلة جمعت بين رجل وامرأة في روايات عربيّة ولبنانية سابقة. إنه التجريب الذي يقود إلى تعدّد الاحتمالات كحقيقة بنت عليها سحر مندور روايتَيها. إنه التجريب نفسه الذي طالب به ألْفرِد في عرض زواجه من سلوى في "ليمبو بيروت": "ح نكون...غير، قال. لن أتدخّل. لن تتدخلي. أنا اعتدت أن أعيش هكذا. فلنجرّب" (ص113). إنّها العلاقات السريعة المبتورة أيضاً، التي تجلّت من خلال دائرة علاقات هيثم في رواية "نابوليتانا" حيث نقف أمام قصص صداقة وحبّ متقاطعة بين الجنسين لا يقرأ من خلالها الواحدُ الآخرَ بقدر ما يُسقط عليه هوّاماته وأوهامه. والنتيجة علاقات تحمل مقدّمات فشلها منذ البداية، ونهايات مخيِّبة.
وفي اتجاه مختلف تماماً، باختلاف البناء الفنّي لروايتها عن البناء الفنّي لروايات كوثراني ومندور وشومان، عمدت جنى فوّاز الحسن، وفي اتجاه معاكس، إلى تأكيد العلاقة المتينة التي يمكن أن تربط الثنائي خارج بيروت. مجد الفلسطيني المسلم الذي هاجر مع والده إلى أميركا بعد مجزرة صبرا وشاتيلا بعامين، مراهقاً "يحمل رجله المعطوبة" (ص72) وندبة على وجهه بسبب قذيفة أصابته شظاياها ليلة المجزرة، ثمّ مقتل أمّه الحامل، وهيلدا المتحدّرة من جبل لبنان ومن عائلة داعمة للميليشيات المسيحية آنذاك، استطاعا- وهما اللذان يُفترَض أنهما عدوّان بحسابات بيروت- الحفاظ على حبّهما في نيويورك. هذا الحبّ المستحيل في بيروت (لبنان) رعته نيويورك وصانته. تؤكّد جنى فوّاز الحسن مقولة أننا في لبنان لا نصنع أعمارنا وحدنا كما عبّرت الراوية في "الأسبوع الأخير"، وأن بيروت لهذا السبب تصبح هي المسؤولة عن فقدان "التواصل السليم" بحسب ما عبّر الراوي في رواية "ليمبو بيروت"، إلّا أن الخروج من الشرنقة كفيل تصفية كلّ تلك الحسابات. الحبّ المستحيل في لبنان يغدو عادياً في نيويورك إذا ما خلعنا عنّا كلّ المؤثّرات التي نحملها بسبب انتماءاتنا الضيّقة. في نيويورك غالباً ما كانت تأتي لهيلدا صورة المكان الأول، "الذاكرة، كأنها تتحدّاني" تقول هيلدا. "إني لن أستطيع أن أصنع مكانها ذاكرة جديدة (...) ربما عدت أيضاً لأحتال على الذاكرة، لأخبرها أنه يمكننا أن نتوصّل إلى تسوية ما. أن أتّسع لكلّ الأماكن، وأنهي عداوة مع الجذور" ("طابق 99"، ص 240).
سلطة الأهل
نقرأ مثلاً تلاشي سلطة الأهل التي حاربها الروائيون في فترات سابقة وثاروا عليها. تصف الراوية الثلاثينيّة في "الأسبوع الأخير" علاقتها بوالديها فتقول: "أصرخ في آذانهما بأن الحياة تغيّرت (...) ثّم أصبحت لا أبالي بتصرفات والديَّ ولا أبالي بوجودهما في البيت. وأصبحت لا أبالي بالبيت نفسه. أدخله وأغادره من دون أن يتغيّر وجهي" (ص12).
نقرأها أيضاً في كلام الراوي أحمد في "حبّ بيروتي": "أتت أمّي إلى بيروت خصّيصاً لكي تزورني، وطبخت لي بامية ورزّ، وأمرتني بأن أقضي يوم غد، الأحد، في المُنصف. قالت إنّ أخوالي وخالاتي اشتاقوا إليّ، وإنّهم باتوا يعيّرونها بأنّي لا أكترث لرؤياها أو رؤياهم. وطالت حملة التأنيب والابتزاز العاطفي حتّى صرنا في مرحلة التشهير بانعدام أيّ عاطفة تجمعني بها... فاستسلمت، ووعدتها بزيارة تسكّن الأفواه النقدية وتعيدها إلى سابق الحبّ والأمان" (ص63). أما ماجدة فتعيش في منزل مستقلّ. "تذهب إلى بيت أهلها. تجلس في الصالون مع والديها. تسأل أباها عن مروان وأبيه (...) تتحدّث عن أم كلثوم. تفقد أعصابها مجدّداً لخلافٍ في الرأي مع والدها حول أمّ كلثوم. تترك بيت أهلها، وتعود إلى بيتها" (ص27).
وفي رواية "32" تعيش الراوية في منزل مستقلّ، تعمل وتسافر وتقضي أوقاتها مع زمرة من الصديقات والأصدقاء باستقلاليّة تامّة كما سبقت الإشارة.
وتكاد سلطة الأهل هذه، أن تكون شبه غائبة في روايتَي هلال شومان أيضاً. في "نابوليتانا" مثلاً، يعيش هيثم مستقلاً عن عائلته في شقّة في شارع الحمرا، وضمن عالمه الخاص بعيداً من عالم العائلة. لا بل إن تلاشي هذه السلطة يبدو كأنه جعل هيثم في بادئ الأمر ذا ملامح أنثويّة وذكورة منخفضة، أي حاملاً ملامح الرجولة الجديدة غير المنمَّطة بحسب الأدوار التي يرسمها المجتمع الذكوري، وإن كان تحوّله بعد أربعة أشهر إلى شخص مختلف، ولا سيّما مع استبعاده "الأنوثة" من صورته لذاته، واقترابه من صورة الرجال المنمّطين بحسب الأدوار النمطية التي يرسمها المجتمع البطريركي الذكوري، قد أضاء على أزمة نفسية علائقيّة راهنة، يعيشها شبابُ اليوم، وتلقي بتداعياتها على الجنسين في ظلّ تغيّر أحوال النساء والرجال، تاركةً العلاقات العاطفيّة والاجتماعيّة بين الشباب والشابات في مهبّ الاحتمالات.
خاتمة
إذا كانت فترة الحرب في لبنان (1975-1990) قد شكّلت الانعطافة الثانية في الفنّ الروائي، التي تمثّلت في بروز جيل روائي من أمثال إلياس خوري ورشيد الضعيف وحسن داوود وهدى بركات وصولاً إلى ربيع جابر وسواهم، كما أشرنا آنفاً، فإن هذه الانعطافة الثانية جاءت من رحم جماليّات حداثة خمسينات القرن الفائت وستيناته من جهة، ومن إطلالتها على جماليات ما بعد الحداثة من جهة ثانية. في حين أن ما نشهده لدى جيل الشباب من الروائيّين اللبنانيين جاء من رحم جماليّات ما بعد الحداثة، حيث نلحظ انقطاعاً كاملاً عن الجيل الحداثي المؤسِّس في الرواية، تحت تأثير الفلسفات الاشتراكية والوجودية والقوميّة، لكنْ من دون القطع مع جماليات الحداثة وما بعد الحداثة التي استقت منها الانعطافة الثانية للرواية بعض أساليبها وأنماطها التعبيرية. فالروائيّون الشباب لم يعودوا ينتمون إلى تيار أدبي ما (ومن خلفه فلسفة ما) كما كان عليه الأمر في مرحلة الحداثة. وكأن جماليات "ما بعد الحداثة"، التي "تُعلي من الشأن الجمالي على العقلاني، ومن الجانب الشعوري على الفكري"14، وذلك كصدىً للأفكار الما بعد حداثية المتمثّلة في غياب مفاهيم الحقيقة والعقل والحتمية وغيرها، كأن تلك الجماليات هي وحدها التي باتت مسيطرة على كتابات الروائيّين الشباب في لبنان؛ تشظّي الزمن في الرواية، والتعامل مع الأمكنة كما هي، أي قبولها بحسب ما هي عليه، من دون ماضٍ، ومن دون الآلام التي كان يشعر بها روائيّو الأجيال السابقة، وزئبقية المعاني وتعدّدها...إلخ من جهة، والابتعاد التامّ عن الرومنطيقية وعن الاسترسال في الوصف من جهة أخرى من أجل التعبير عن الحبّ والحنين إلى الحبيب أو الوطن أو القضايا الكبرى، وتكثيف الحكايا الصغرى وسردها بإيجاز أو بالتلميح، والكتابة عن الذات ومشكلاتها أيضاً بالتلميح إليها عبر المشهد والسياق الروائي وليس عبر حبكة روائية أو تحليل سيكولوجي أو اجتماعي... يبدو أن هذه السمات الخاصّة بجماليات الحداثة وما بعد الحداثة هي وحدها التي استمرّت في تشكيل رواية الشباب في لبنان، وفي تعدّد أنماطها وعدم سيطرة نمط كتابي واحد. بحيث تتداخل الأساليب الروائية وتتباين، سواء في ما بين الروائيّين، أو في ما بين النصوص العائدة إلى روائي واحد، أو حتّى داخل النصّ الروائي الواحد. الأمر الذي يجعل من عملية حصر هذه الأنماط والأساليب الروائية لدى الشباب عملية صعبة. إلّا أن البارز في كتابات الشباب هو وعدم وجود ثورة على التقليد الروائي لكتّاب الجيل الثاني، بل وجود أنماط وأساليب روائيّة مولودة من رحم سابقاتها. فثمّة مَن لم ينقطع تماماً عن روائيّي الحداثة الممتدّ حتّى اليوم، شأن جنى فوّاز الحسن. وكأن غياب مفاهيم الحقّ والعقل والحتميّة في الفكر ما بعد الحداثي لم يفترض في الضرورة التخلي التامّ عن مسائل كالمعنى والحقيقة والواقع، كما أن هذا الغياب لم يؤدّ بدوره، أقلّه إلى الآن، إلى توليد مدرسة أو مذهب في الرواية اللبنانية في الوقت الراهن.
1- Lukacs,Georg,La théorie du roman, Paris, Gallimard,1968,p.85.
2- Ibid.,p.36.
3 -Goldmann, Lucien, Pour une sociologie du roman, Paris, Gallimard, 1964.
4- عبد الإله بلقزيز، من النهضة إلى الحداثة- العرب والحداثة (2)، ط1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009، ص12.
5-المرجع السابق نفسه، ص ص 12- 15.
6-باختين، ميخائيل، الملحمة والرواية، تر، جمال شحيد، ط (1)، بيروت، معهد الانماء العربي، 1982، ص 50.
7-ادريس، سهيل، مواقف وقضايا أدبية، ط1، بيروت، دار الآداب، 1977 ، ص ص37-39 .
8-المرجع السابق نفسه، ص113.
9-المرجع السابق نفسه، ص ص114-115.
10-بعلبكي، ليلى، نحن بلا أقنعة، ط1، بيروت، منشورات الندوة اللبنانية، 1959 ، ص6.
11-هلال شومان، نابوليتانا، ط1 ، بيروت، دار الآداب، 2011 .
12-هلال شومان، ليمبو بيروت، ط1 ، بيروت، دار التنوير، 2013 .
13-جنى فوّاز الحسن، طابق 99، ط1، الرياض- الجزائر، منشورات ضفاف – منشورات الاختلاف، 2014 .
14-بدر الدين مصطفى، حالة ما بعد الحداثة الفلسفة والفنّ، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط1، القاهرة، 2013 ، ص111.
نبض