شارليز ثيرون ليست مجرد نجمة شقراء جميلة فحسب، بل هي ممثلة موهوبة سبق وأدخلتنا الى اعماق شخصيات داكنة جداً لا علاقة لها بمظهرها الملائكي الناصع مثل Monster الذي فازت عنه بجائزة الاوسكار عام 2003. لكنها اليوم، ومن خلال ادائها دور البطولة في شريط Dark places، شارليز لا تعتمد فقط على مهاراتها التمثيلية لتعبر بنا الى زوايا داكنة من حياة فتاة صغيرة شاهدت بأم العين مأساة مقتل أمها وشقيقاتها على يد شقيقها. شارليز الانسانة لا الممثلة هي التي تؤدي الدور هذه المرة، فقصة مأساة الفيلم تعيد فتح جروح ماض حاولت تخطيه، فهي شاهدت بأم العين كيف أقدمت والدتها على قتل والدها السكير الذي كان يضربها دائماً، عندما كانت لا تزال طفلة تعيش في جنوب افريقيا.
فيلمها الجديد هو من انتاجها ومن اخراج الفرنسي جيل باكيه - برينر، وهو الاقتباس السينمائي الثالث لاحدى روايات الكاتبة جيليان فلين مؤلفة Gone Girl الذي تحوّل اشهر واهم افلام الثريلر السينمائية في العام الماضي من اخراج دايفيد فينشر.
Dark places يوازن في تقديم ثريلر اسود ورسم مأساة عائلية وانسانية وعرض دراسة للمجتمع الاميركي في فترة الثمانينات من الناحية العائلية والدينية مع انتشار بدع شيطانية. يتنقل بنا الفيلم بين الماضي والحاضر، بين عام 1985 عندما شاهدت ابنة الـ 8 اعوام ليبي داي مقتل والدتها (كرستينا هندريكس) وشقيقتيها على يد شقيقها المراهق بن (تاي شيريدان)، وبين عام 2015، حيث لا تزال ليبي (شارليز ثيرون) تعيش جروح الماضي، بينما يقبع شقيقها بن (كوري ستول) في السجن. ليبي التي عاشت حياتها كلها محطمة تعتمد على تبرعات المتعاطفين مع مأساتها، تحتاج مجدداً الى المال. وهذا ما يدفعها رغماً عنها لقبول عرض لايل (نيكولاس هولت) الذي ينتمي الى مجموعة ناشطين يؤمنون ببراءة شقيقها ويحاولون اعادة فتح ملف القضية، وجروحها التي لم تندمل. ليبي تعيش مجدداً لحظات تلك الليلة السوداء، وتكتشف تباعاً حقائق مذهلة، وتضحيات اقترفتها عائلتها من اجل تقديم مستقبل افضل، فاذا بها تغرق العائلة كلها في مستنقع لا خروج منه.
Dark places ثريلر اسود ذو مناخ ضاغط وخانق، مشوّق رغم التطويل والمط، يشبه صندوقاً كبيراً يخفي في داخله مجموعة صناديق باحجام اصغر، وكل صندوق يخفي حقائق مختلفة، وانفعالات اقوى، وشخصيات حائرة ذات مظاهر خادعة، ومفاجآت لا تقنع دائماً وتخلو احيانا من المنطق. تركيبة الفيلم قائمة على تقنية الفلاش باك التي لا يمكن اعتبارها ابتكاراً، لكنها ضرورية في هذا الشريط، لأنها تجعلنا نعيش الماضي والحاضر في الوقت عينه، ونسير مع البطلة في خط مزدوج ومتواز بين واقعها وذكرياتها الحائرة. شارليز ثيرون بوجه بارد، جامد وخال من الماكياج، وعينان فارغتان تمتلئان وجعاً وتسبحان بدموع تأبى ان تنهمر، تعيش مجدداً مأساتها الشخصية وتجعلنا نشعر بمأساة تلك الطفلة الضحية المستوحدة والمحتجزة داخل جسد امرأة بملامح ذكورية وشعر قصير يختفي تحت قبعة لا تنزعها ابداً. بدورهما كلويه غرايس مورتز وتاي شيريدان مؤثران وناجحان في شخصيتين متناقضتين، شخصية بن المراهق الطيب والمتأثر بشخصية حبيبته ديوندرا الشريرة والمنخرطة في جمعية شيطانية.
الفيلم ابتداء من الخميس 10 ايلول في صالات ڤوكس وامپير.
نبض