يؤلمني كثيراً، أنا الأميركي من أصل لبناني الذي ولدت وترعرعت في طرابلس في لبنان التي كانت تُعرَف سابقاً بـ"الفيحاء"، بفضل رائحة تفتّح زهر الليمون في بساتينها التي كانت خصبة في ما مضى - يؤلمني أن أقرأ في الصحف والمواقع الإخبارية الدولية تقارير عن النفايات التي تُغرق بلادي.
أنا عالِم فيزياء بحثي في الولايات المتحدة متخصّص في الحقل المعروف بـ"فيزياء البلازما". البلازما، حالة المادة الرابعة، بعد الصلب والسائل والغاز، هي عبارة عن غاز مشحون إلكترونياً وشديد السخونة تولّده النجوم في الكون بطريقة طبيعية. يمكن توليده اصطناعياً على الأرض عبر استخدام الطاقة الكهربائية. يتمحور الجزء الأكبر من عملي على استخدام البلازما كطاقة دافعة في الصواريخ الكهربائية لإطلاق المراكب الفضائية الى الفضاء الخارجي.
إن فرعاً في تكنولوجيا البلازما يمكن أن يكون ذا قيمة لبلد صغير يعاني ندرة المساحات حيث يمكن إنشاء مطامر، كما أن السياحة التي تعتمد على بيئة نظيفة وغير ملوّثة، تشكّل جزءاً أساسياً من الاقتصاد اللبناني. على لبنان أن يأخذ علماً بهذه التكنولوجيا الجديدة التي تُحدث ثورة في صناعة معالجة النفايات حول العالم: تغويز النفايات بأسلوب البلازما.
قد تبدو فوائد التخلص من النفايات عن طريق التغويز بأسلوب البلازما، ممتازة جداً إلى درجة أنه يستحيل تصديق الأمر. لكنها صحيحة. يتيح التغويز بأسلوب البلازما معالجة النفايات بطريقة أكثر اكتمالاً ونظافة وفاعلية بالمقارنة مع أي طريقة أخرى مستخدمة في معالجة النفايات، ويلغي تالياً الحاجة إلى المطامر. ولدى تطبيق هذه التقنية على النفايات العضوية، يمكن أن تولّد أيضاً، كمنتَج جانبي، كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية - كميات كبيرة جداً إلى درجة أنه ليست هناك حاجة، في الواقع، سوى إلى خمسة في المئة من هذه الطاقة لتشغيل مصنع تغويز النفايات، في حين أنه يمكن تزويد الشبكة الوطنية للطاقة الكهربائية أو بيعها ملايين الفولتات من الطاقة غير المستخدَمة. إذاً يمكن أن يساهم التغويز بأسلوب البلازما في إيجاد حل لمشكلتَين يعانيهما لبنان في الزمن الحديث: التلوّث جراء التخلص من النفايات، والشح في الطاقة الكهربائية.
التغويز بأسلوب البلازما هو عبارة عن معالجة النفايات العضوية وغير العضوية بواسطة مفاعل حيث يزيد مشعل قوي من البلازما (جهاز إلكتروني يحوّل غازاً خاملاً مثل الأرجون إلى أيونات ويرفع درجة حرارته) درجة حرارة النفايات لتصل إلى آلاف الدرجات، وتكاد توازي درجة حرارة سطح الشمس (كروموسفير). تؤدّي هذه الحرارة إلى تحويل النفايات غازا كاملا، وتُقسّمها إلى عناصرها الأساسية. حتى النفايات الخطرة يمكن معالجتها بطريقة نظيفة وآمنة بواسطة هذه الطريقة. لا تعتمد هذه العملية (المعروفة بـpyrolosis، بحسب المصطلح التقني)، على الإحراق، وبالتالي لا تُنتج القطران والفحم والرماد وسائل الفوران والديوكسين وثاني أكسيد الكبريت أو رواسب الكربون، كما أن انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون منخفضة، ما يعني أنها تلبّي التنظيمات الأكثر صرامةً في مجال الانبعاثات. عندما تكون النفايات غير عضوية (بما في ذلك المعدات والأجهزة الإلكترونية)، يُنتج المفاعل معادن مستقرة يمكن صقلها وبيعها، وجُفاء صلب نظيف يمكن استخدامه في البناء. وفي حالة النفايات العضوية، ثمة منفعة إضافية هائلة تتمثلّ في إنتاج هذه العملية لما يُعرَف بالـ"سنغاز"، وهو مزيج غني بالطاقة يتألف من أول أكسيد الكربون والهيدروجين. ثم يمكن حرق السنغاز الذي تبلغ كثافة الطاقة فيه نحو نصف الكثافة في الغاز الطبيعي، في توربينات لتوليد ما يكفي من الطاقة الكهربائية لتشغيل المصنع إنما أيضاً تزويد مدينة بكاملها الطاقة الكهربائية.
قد تتساءلون لماذا لم تحظَ مثل هذه التكنولوجيا الثورية بالاهتمام الواسع الذي تستحقه. الجواب ثلاثي الأبعاد: 1) إنها تقنية جديدة نسبياً، 2) الكلفة الأولية للمنشآت والبنى التحتية، و3) المقاومة النشطة من لوبي الصناعة التقليدية لمعالجة النفايات في بعض البلدان، والتي تتسبّب بالتعتيم على تفوّق التكنولوجيات المنافسة، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث لم يدخل التغويز بأسلوب البلازما بعد إلى القطاع العام. يُظهر القرار الذي اتّخذته جامعة برنستون في نيو جرسي بإنشاء مصنع للتغويز بأسلوب البلازما داخل الحرم الجامعي (ليس بداعي الأبحاث إنما من أجل استخدامه في معالجة النفايات) أن هذه التكنولوجيا أصبحت ناضجة بما فيه الكفاية، وأنها تستحق عناء الاستثمار الأولي في تشغيلها، وتشكّل الخيار الأفضل عندما يتم إبعاد السياسة ومجموعات اللوبي. وجرى أخيرا تشييد مصانع في تايوان واليابان وكندا والمملكة المتحدة والهند والصين.
لست أقصد أن التغويز بأسلوب البلازما سيقود إلى حل فوري لأزمة النفايات الراهنة في لبنان. لكنه خيار واعد يجب النظر فيه جدّياً وتقويمه الآن من أجل استخدامه في المستقبل القريب. لا تستطيع أي تكنولوجيا، حتى لو كانت بغاية الفاعلية مثل التغويز بواسطة البلازما، أن تحلّ أزمةً تتحكّم بها بشدّة آفات الجشع والفساد والسياسة الطائفية، أو أن تُعفي المواطنين والسياسيين من مسؤولياتهم في التعامل مع هذه المشكلات الجوهرية. يمكنني أن أجزم، بوصفي عالِماً، أن التطبيق الصحيح لتكنولوجيا التغويز بأسلوب البلازما يملك كل المقوّمات اللازمة لجعل المطامر شيئاً من الماضي في لبنان.
البروفسور ادغار شويري
أستاذ الفيزياء التطبيقية وهندسة الملاحة الفضائية في جامعة برنستون، ويتولّى أيضاً منصب مدير برنامج الفيزياء الهندسية في الجامعة.
نبض