لم يعد البحر وحده يضيق بجثث المهاجرين، فها هي الشاحنات تتحول مقابر جماعية، بعد عثور الشرطة النمسوية على جثث داخل شاحنة براد في شرق البلاد، بينما التقت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل قادة البلقان في فيينا للبحث في سبل مواجهة أزمة الهجرة الكبرى في اوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
صرح الناطق باسم الشرطة النمسوية هانس بيتر دوسكوزيل في مؤتمر صحافي مع وزيرة الداخلية يوانا ميكل - ليتنر بأن الشاحنة التي عثر فيها على ما بين 20 و50 جثة، كانت متوقفة في مكان مخصص للوقوف بجانب الطريق السريع في ولاية برغنلاند الحدودية شرق البلاد.
وعزا دوسكوزيل وفاة اللاجئين إلى الاختناق، مشيراً إلى أن العاملين في صيانة الطرق السريعة اكتشفوا الشاحنة البراد بعدما طال وقوفها على الطريق بين مدينتي نيوسيدل وبارندورف. ثم لاحظوا تسرب دماء منها، وفاحت رائحة جثث لدى اقترابهم منها.
ويبدو أن أصحاب الشاحنة تركوها الأربعاء، وكان بابها الخلفي مفتوحاً، على ما قال دوسكوزيل. وأوضح أن لوحة تسجيل الشاحنة مجرية، ولكن كانت هناك كتابة بالسلوفاكية على جانبيها وتبين أنها تعود الى شركة سلوفاكية للدجاج تحمل اسم "هيزا" وهي جزء من شركة "أغروفيرت هولدينغ" التي يملكها وزير المال التشيكي اندريه بابيس.
وأفادت "أغروفيرت هولدينغ" في بيان أنها باعت الشاحنة عام 2014، ولكن يبدو أن مالكيها الجدد لم يرفعوا شعار "هيزا" عنها.
وأظهر تحقيق أولي أن لوحة تسجيل الشاحنة مجرية لكنها مسجلة باسم مواطن روماني في مدينة بوسط البلاد.
وقالت وزيرة الداخلية إن "هذه المأساة أثرت فينا جميعاً تأثيرا عميقا. المتاجرون بالبشر مجرمون. كل من لا يزال يعتقد أنهم لطفاء يرغبون في المساعدة، يحتاج الى المساعدة".
وأبعدت الشرطة الصحافيين عن مكان الشاحنة. ومن شأن حال الجثث أن يجعل التعرف على الضحايا وحتى اعطاء عدد دقيق للوفيات صعباً. ويُعتقد أن المهاجرين قضوا قبل أيام.
وامتنعت الشرطة عن القول ما إذا كان ثمة أولاد بين المهاجرين.
وأعلن ناطق باسم رئيس الوزراء المجري فكتور اوربان أن بلاده ستشارك في التحقيق مع النمسا. وأشار الى أن السائق يحمل الجنسية الرومانية.
أزمة أوروبية
ومنذ مطلع عام 2015، سجل العدد الأكبر من المهاجرين الذين يتدفقون على اوروبا عبر البحر والبر هرباً من النزاعات في افريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
ويسلك عدد كبير من الهاجرين طريق البلقان، من تركيا إلى اليونان بحراً، شمالاً حتى مقدونيا بالباص أو سيراً، وبالقطار حتى صربيا ثم سيراً حتى المجر، وذلك لتفادي الطريق البحرية من شمال أفريقيا الى إيطاليا.
وداخل الاتحاد الأوروبي يسعى المهاجرون إلى اللجوء إلى الدول الأكثر ثراء مثل ألمانيا والمجر والنمسا وأسوج.
وتحدثت الشرطة المجرية عن توقيف 3241 مهاجراً الأربعاء، بينهم 700 ولد، جاء معظمهم من سوريا وأفغانستان وباكستان واجتازوا الحدود عند خط السكة الحديد قرب قرية روسكي، وهي من المناطق القليلة التي لم يكتمل فيها بناء السياج الحديد الذي تقيمه المجر.
وفي النمسا، ارتفع عدد طالبي اللجوء الى أكثر من 28300 شخص بين كانون الثاني وحزيران، وهو ما يوازي العدد المسجل طوال عام 2014 كاملاً. ويتوقع المسؤولون ان يصل العدد الى 80 ألفاً في نهاية السنة.
واعتبرت منظمة العفو الأوروبية أن غياب الحزم الأوروبي يؤدي إلى مزيد من مآسي اللاجئين. وجاء في بيان أصدرته أن "العشرات يموتون، سواء مكتظين في شاحنات أو قوارب، في طريقهم للبحث عن حياة أفضل بينما تفشل أوروبا في توفير طرق بديلة. على أوروبا تحمل مسؤولياتها وتوفير مزيد من الحماية وإظهار التضامن مع بلدان أخرى".
ودعت الكنيسة الارثوذكسية في صربيا أبناءها الى تقديم المساعدة "بمحبة وتواضع" للوافدين الى البلاد من الشرق الاوسط، وذلك في ختام اجتماع للسينودس برئاسة البطريرك ايريناوس. وقالت في بيان أصدرته: "نصلي لعودة التعقل الى القوى الغربية التي تقف وراء الحروب الأهلية في الشرق الاوسط ولكي يتوقف العنف واعمال الاضطهاد التي تطاول الشعوب الفقيرة".
القمة
وقبل انعقاد مؤتمر القمة لزعماء دول البلقان في فيينا، حذر وزير الخارجية النمسوي سيباستيان كورز من أن بلاده ستفكر في اتخاذ تدابير أكثر قسوة لمكافحة الهجرة، بما فيها تشديد الرقابة على الحدود إذا لم يتوافق الاتحاد الاوروبي على سبل التحرك في مواجهة الأزمة.
ولفت إلى أن بلاده "تستقبل لاجئين أكثر من ايطاليا واليونان مجتمعتين، لهذا يجب ألا نزعم بأن ايطاليا واليونان هما الوحيدتان المتضررتان". وقال المستشار النمسوي فيرنر فايمان إن اللاجئين سخروا أرواحهم التي ظنوا أنهم ينقذونها بالهرب.
وأعربت ميركل عن صدمتها من "الأنباء المريعة لمقتل نحو 50 شخصاً في طريق بحثهم عن الأمان. وهذا يذكرنا أن علينا في أوروبا التعامل مع المشكلة بسرعة وإيجاد الحلول بروح التعاون".
وفي اتصال هاتفي، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي باراك أوباما أشاد بدور ميركل في التعامل مع أزمة المهاجرين في أوروبا.
وقال وزير الخارجية الصربي ايفيتشا داتشيتش: "نواجه مشكلة اللاجئين الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية. إنها هجرة حقيقية لشعوب، وصربيا بلد عبور. أعتقد ان على الاتحاد الاوروبي اقتراح خطة للتحرك، ثم دعوتنا للانضمام اليها". ورأى نظيره المقدوني نيكولا بوبوسكي أنه "يجب ألا تكون لدى أحد أوهام أن الأمر قد يحل ما لم يكن هناك تحرك اوروبي. علينا التحرك الآن، ويمكننا على الارجح تحقيق ذلك في هذا المؤتمر في فيينا وايجاد حل اوروبي".
وكان يفترض ان تتناول هذه القمة التي اعلن عنها العام الماضي، التعاون الاقليمي وآفاق توسيع الاتحاد الاوروبي ليشمل بعض دول منطقة البلقان.
واعتبر الرئيس البولوني اندريه دودا أن على بلاده الاستعداد لاستقبال "مئات الآلاف" من الأوكرانيين، مبرراً بذلك تحفظ بلاده عن استقبال مهاجرين سوريين.
وخصصت القمة 600 مليون أورو لتنفيذ مشاريع في مجالات بناء الطرق والسكك الحديد والطاقة في دول غرب البلقان الست، وكذلك تبنت إنشاء طريق سريع يربط صربيا وكوسوفو وألبانيا، وتحديث خط السكك الحديد الذي يربط مدينتي بلغراد وساراييفو.
نبض