أزمة، افلاس، ديون، ترويكا، غريكسيت... لا هموم كهذه في ميكونوس ولا في سانتوريني ولا في كورفو. الجزر اليونانية الثلاث تضيق بالسياح من كل الالوان. البحر والشمس وحياة الليل والسهر لا توحي بأزمة، أو بافلاس ومفلسين.
في مرفأ ميكونوس، تنتظر القوارب دورها لإنزال السياح الواصلين من سفن أكبر رست بعيداً. المقاهي والمطاعم على طول الشاطئ تعجّ بالرواد والاسواق الداخلية المتعرجة تضيق أكثر بالوافدين.
سائق التاكسي الذي أخذنا في جولة الى دير في المدينة وشواطئها تحوّل مرشداً سياحياً لكثرة ما تمر عليه وجوه يومياً. "لا أزمة هنا.... الازمة هناك في أثينا"، يقول من غير أن نسأله. ولكن هل الوضع على حاله كما في السنوات السابقة؟ يجيب: "ربما أحسن... هنا في ميكونوس لم نشعر بالازمة... الجزر السياحية لم تتأثر، وخصوصاً ميكونوس" يكرر.
صاحب وكالة السياحة التي استأجرنا منها السيارة كان أكثر دقة: "هذه السنة هناك بعض التراجع في الوافدين الروس. السبب ليس الازمة اليونانية، وإنما المشاكل الاقتصادية والعقوبات التي تعانيها بلادهم".
الروس يعتبرون اليونان مقصدهم السياحي الاول لشواطئها الجميلة وحياتها الصاخبة، الا أن ارقام "أورومونيتور" تظهر أن عدد الروس الذين يمضون العطلات في أوروبا تراجع الى 35 مليوناً العام الماضي، ومن المتوقع أن يواصل التراجع الى 32 مليوناً هذه السنة، وذلك من 42 مليوناً عام 2013.
ومع ذلك، واضح أن ثمة روساً كثراً لم يتأثروا بالعقوبات على روسيا ولا بالمواجهة المفتوحة بين بلادهم والغرب. ويمكن سماع كثيرين يتحدثون الروسية على الشاطئ وفي المقاهي.
في سانتوريني، المدينة البيضاء المعلقة بين أزرقين، تمتد على مسافات طويلة صفوف السياح الذين ينتظرون لركوب العربة الكهربائية المعلقة التي تنقلهم من الشاطئ.
صحيح أن الزوار لا يتأثرون مباشرة بالديون اليونانية ولا بالتقشف ومعدل البطالة الذي تجاوز 26 في المئة ومراقبة الرساميل التي فرضت على المصارف، الا أن اصداء الازمة اليونانية وصلت الى العالم، ولا شك في أن كثيرين ممن يسيحون في اليونان أخذوا علما بها من غير أن تضطرهم الى تغيير اتجاههم.
سامية مرعي الآتية من عمان مع زوجها وعائلتها لم تتأثر بالاخبار عن الازمة اليونانية: "حجزنا الرحلة منذ آذار الماضي، ولم أفكر في تغيير مشاريعي لأن الازمة مالية وليست هناك مشاكل أمنية".
الكسندر الآتي من لندن مع والدته وأخوته لزيارة الجزر وأثينا صرح: "قالت الحكومة البريطانية إنه يمكن الذهاب الى اليونان، وإن لا مشكلة. حملنا معنا مزيداً من الاورو تحسباً لأزمة في بطاقات الائتمان".
ليست شواطئ سانتوريني وحدها تعج بالبشر. على "طريق الحمير" أيضاً عجقة. نصف ساعة يمضيها السياح إما على الحمير وإما بينها للعودة من المدينة الى الشاطئ. درب شاقّة وممتعة في آن واحد تزيد المغامرة تشويقاً في تلك الجزيرة.
أرقام
ظاهر أن الازمة المالية والاقتصادية التي أدت الى اقفال المصارف وأثارت شبح الافلاس فوق البلاد، لم تثن السياح عن زيارة الجزر اليونانية وربما أيضاً المعالم الاثرية في أثينا.
تمثل السياحة نحو خمسة في المئة من الناتج الاقتصادي اليوناني، وربما أكثر مع تسجيل الاقتصاد انكماشاً اضافياً.
وزيرة السياحة اليونانية ايلينا كونتورا أبلغت البرلمان الاسبوع الماضي أن "السياحة هي... صناعتنا الثقيلة. انها المصدر الاقتصادي الرئيس للدخل حاليا، والمصدر الرئيس للوظائف بالنسبة الى يونانيين كثر".
توفر السياحة 750 ألف وظيفة مباشرة، وهو عدد يرتفع الى 1،5 مليون وظيفة اذا احتسبت الوظائف المتصلة بالسياحة بطريقة غير مباشرة.
لا أرقام حتى الآن عن عدد السياح في اليونان هذه السنة، لأن الموسم لا يزال في ذروته، لكن ثمة مؤشرات تدعو الى التفاؤل. الخطوط الجوية "ايجه"، وهي كبرى شركات الطيران اليونانية، أفادت أن حركة المسافرين ازدادت بنسبة 19 في المئة في تموز مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
وتتوقع وزارة الاقتصاد اليونانية أن يتجاوز عدد السياح هذه السنة الرقم القياسي (21 مليوناً) الذي سجل العام الماضي. ويصل بعض التقديرات الى 25 مليوناً. ومن شأن تحسّن كهذا أن يمثل دفعاً يحتاج اليه الاقتصاد اليوناني بقوة، وإن يكن سيقابله تراجع متوقع في السياحة الداخلية مع بقاء اليونانيين الذين يعانون تبعات الازمة في منازلهم.
[email protected]
Twitter:@monalisaf
نبض