الحضور والغياب

حَرْفان يُغيّران وجه رسالة الفنّ والسياسة
Smaller Bigger

كثيراً ما استمتع ويستمتع غيري عندما نُصغي الى أغنية المطرب المجيد جوزف عطية:
لبنان رَحْ يرجع والحقّ ما بيموت
والشمس رَحْ تطلع تزيّن سما بيروت
ولفتني أن كلماتها، التي أحيّي مؤلفها، لا تنبع من أصول اللغة العاميّة التي اختصرت الفصحى الى أدنى حروفها، وناب الحرف أحياناً عن كلمة كاملة من مثل: ما عنديش: ما عندي شيء، ما بدّيش: ما بدي شيئاً، ما شربتش: ما شربت شيئاً، الخ... ويبدو ان هذه اللغة قد دخلت في عمل الافعال وتخطّت مستوى هذه في الفصحى، وتوسعت في تحديد أزماتها.
"فمبادئ العربية" للمعلّم رشيد الشرتوني تحدّد زمن الافعال كما يأتي:
الفعل الماضي: هو ما دلّ على حالة أو حدث في زمان قبل الذي أنت فيه.
والفعل المضارع: ما دل على حالة أو حدث في زمان الحال أو الاستقبال.
والفعل الأمر: صيغة يُطلب بها إنشاء فعل في المستقبل. ولكل ذلك تفصيل وشرح من مثل: ان المضارع، اذا جُزم، يفيد الماضي: لم أكتبْ.
أما حديثنا فهو على كلمة "رَحْ" العامية التي يستعملها اللبنانيون على عمل في المستقبل: رَحْ سافر، رَحْ آكل، رَحْ إمشي.
أمّا الحرفان المهمان اللذان يفيدان في العامية الماضي والمستقبل في آن فهما كلمة "عَمْ". ماذ تفعل؟ عم آكل، عم امشي، بمعنى أن هذا الفعل بدأ في الماضي قبل سؤالي، ويستمر، بعد السؤال، في الحاضر والمستقبل.
وأقرب مثل على الكلمتين هو: يسأل مصلٍ، نهار الاحد، زميلاً له في ساحة الكنيسة، هل حلّ القداس؟ فيجيب: رَحْ يحلّ: يعني: في المستقبل، في أي دقيقة، أو موعد معين. أما الجواب الآخر فيمكن أن يكون: عم يحلّ: يعني انه قد بدأ ويسير سيره الطبيعي، وهو (القداس) في الثانية التي يُسأل فيها عن حلّه، يكون يتقدم ثانية فثانية، فكلمة "عم" تفيد البدء في الماضي والسير في الحاضر والهدف في المستقبل.
واذا عدنا الى كلمات الاغنية التي تتطلب، بحسب رأينا، شيئاً من التدقيق في التأليف فنفهم منها:
لبنان رَحْ يرجع: وهو لمّا يبدأ بعدُ بالرجوع، ولكن رجوعه مؤهّل في المستقبل، منذ الآن الى زمن...
والشمس رَحْ تطلع: ولكنها لما باشرت بعد الطلوع لتزين سما بيروت.
ولنعتمد الحرفين "عم" بدلاً من "رح" ولنرَ الفرق:
لبنان عم يرجع والحق ما بيموت
والشمس عم تطلع تزيّن سما بيروت
واذا عدنا الى مثل القداس الذي "عم" يحلّ، نفهم ان لبنان لم ينقطع يوماً عن الرجوع الى وضعه المزدهر، ولكن أحياناً بخجل وخفوت، فهو مرتبط بماض يعيه ويجب العودة اليه، ويقوى وينشط شيئاً فشيئاً، فقد بدأ العودة من زمان من ماضيه الذي لم يتوقف، وهو مستمر في الحاضر والمستقبل، وهو يعود ويتقدم في الثانية التي نتكلم فيها والتي يغنيها جوزف عطيه، اما الشمس التي "عم" تطلع كل يوم اثناء الحرب ومعها وبعدها، وان كنا لم نرها، او لم نشعر بها، فهي تزين دوماً سما بيروت وان لم نلحظها لأنها بدأت منذ الأزل وحجبتها الحرب نوعاً ما، ولكنها لم تخفيها، فعملها في الماضي والحاضر والمستقبل لا يزال سارياً. فالقداس قد بدأ قبل أن تسأل عنه، وهو يستمر في الحل "اي الانتهاء" في ثواني الساعة التي نسأل عنه فيها، فهو بعد السؤال أقصر منه قبل السؤال لأنه سائر في الزمن الحاضر والمستقبل. ولبنان والشمس لم يتوقفا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وهما لم يبدأا بالرجوع والطلوع بعد الحرب فحسب، وبخاصة، لم يبدأا بعد، بحسب الاغنية، لأن "رح" لا تفيد الماضي ولا الحاضر وانما المستقبل الموعود الذي لا نعرف بدايته.
قياساً بما تقدم في الفن، ما أشبهه بالسياسة وما أعجبه!! كل مسؤولي لبنان، ومنذ أربعة عقود، هم من جماعة "رح" أي السين وسوف، اي وعود عرقوب!، كلهم تكلموا في المستقبل غير المحدود بزمن للبدء بعمل ما: فهم "رح" يدرسوا الموازنات المتأخرة، و"رح" يحلوا مشكلة الكهرباء والنفايات، و"رح" يهتموا بالبيئة، و"رح" يصدروا القوانين الهامة النائمة في ادراج المجلس، و"رح" يقروا قانون انتخاب جديداً، و"رح" ينتخبوا رئيساً للبلاد الخ...
ولكن أين منهم جماعة "عم" مَنْ منهم "عم" يدرس الموازنات؟ و"عم" يحلّ مشكلة الكهرباء والنفايات؟ ومين "عم" يهتم بالبيئة؟ ومين "عم" يصدّروا القوانين الهامة النائمة في مجلس النواب؟ ومين "عم" يقروا قانوناً جديداً للانتخاب؟ ومين عم ينتخب رئيساً جديداً للبلاد؟...
نكتفي بكل ذلك لأن اللغة هي تعبير عن ثقافة أهل البلاد وتفكيرهم وطريقة تصرّفهم، فإن كانت لغتك منطقية سهلة الفهم حيّة بانية، كنت أنت منطقياً يسهل فهمه ويحب البناء والانماء.
هدفنا ان ننتقل من "رح" المستقبلية الى "عم" المنغرزة في الزمن، فمن أين لنا رجال من جماعة "عم" يكون لبنان وانماؤه وماضيه وحاضره ومستقبله نصب عيونهم وتفكيرهم؟
أرانا الله وجوههم!
لأننا نعيش عصر معظم سياسيي "رح" فهل يروحون ويستريحون ويريحون؟


جوزف ب. أبي راشد

الأكثر قراءة

سياسة 5/26/2026 12:00:00 AM
لعل المفارقة التي ارتسمت أمس، وسط التصعيد اللاهب الذي عرفه الجنوب وشمال إسرائيل، تمثلت في أن تداعيات الاتفاق المحتمل الذي لم يولد بعد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران
فن ومشاهير 5/21/2026 8:31:00 AM

اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.


فن ومشاهير 5/24/2026 1:31:00 PM
نشر المستشار تركي آل الشيخ مقطع فيديو ظهر فيه النجمان وهما يضحكان ويوجّهان التحية إلى الكاميرا.
فن ومشاهير 5/25/2026 9:09:00 PM

مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.