بالصور- أدرعي من كفركلا والعديسة: "ترقّبوا!"

من نمرود إلى تدمر يدثرنا الرمل بالعاطفة
Smaller Bigger

في العام 2003 اقتحمت دبابة أميركية البوابة الرئيسية للمتحف العراقي في بغداد. وسط تلك الفوضى سُرقت كنوز آثارية بعينها ثم سُمح للرعاع باقتحام المتحف وسرقة ما وقع بين أيديهم من آثار نفيسة تعود إلى مختلف عصور حضارة بلاد ما بين النهرين. كانت تلك فاتحة مشؤومة لفاجعة تدمير آثار مدينة نمرود، وهي درة الحضارة الآشورية. تحت أنظار المجتمع الدولي نفذ ارهابيو "داعش" جريمتهم بعدما كانوا قد مهدوا لها بتدمير أضرحة الأنبياء. لقد محيت المدينة التي ظلت تقاوم الزمن أربعة آلاف سنة. اما حين احتل تنظيم "داعش" مدينة تدمر السورية فإن مجانينه بدأوا حملتهم الشريرة بتحطيم عدد من التماثيل النادرة تمهيدا لإلحاق مدينة زنوبيا بنمرود. يقع هذا كله، في الوقت الذي يبدو العالم فيه غير مكترث بخسارة جزء مهم من تراثه الإنساني والجمالي. ألا يدرك العالم أن كل سنتيمتر مكعب من تلك الاثار سيحمل معه حين يغيب جزءا لا يعوض من ثرائنا الروحي؟ أيحق لنا أن نتساءل بعد ذلك عن أسباب فقرنا وغبائنا وتمكن القبح منا؟


لم نكن يوماً معنيين بآثارنا. صار علينا بعد أن نُكبنا بها، أن نقول "هي آثارهم". إنها آثارهم في النهاية. هل كان أهل الحلّة رعايا مخلصين لنبوخذ نصر يوم بنوا بيوتهم بطابوق سرقوه من بابل التاريخية؟ لم تكن هناك عاطفة حقيقية تصل بيننا وبين تلك المنازل والمعابد والقصور والحدائق والمقابر التي بنيت في لحظة زهو وعلوّ تاريخي. فهل كان بُناتها وساكنوها وحرّاسها أجدادنا حقاً؟ إذا كانوا كذلك وتلك منازلهم، فلِمَ اختفت أخبارهم من مزاجنا اليومي الذي صار شريراً وحاقداً؟ كيف يمكن لأهل الناصرية والعمارة أن يكونوا سومريين بعد أن قطعوا صلتهم بالمعدان من حولهم، وتركوهم أسرى لحرب عبثية، طرفاها النظام اليساري ومعارضوه اليساريون أيضا؟ تلك حكاية وقعت في لحظة عمى تاريخي كنا قد محوناها من ألسنتنا. يُقال إن المعدان سكّان المستنقعات المائية جنوب العراق هم سومريو الحاضر. كانت مملكة ميسان (القرن الثاني قبل الميلاد) مقطوعة الصلة بمزاج سومر، وكانت أور لا تمت بصلة إلى عقيدة النصراني - الشيوعي فهد (يوسف سلمان يوسف) القادم إليها من إحدى قرى نينوى التي هُجّر مسيحيوها منها بعد أكثر من ألف سنة من اقامتهم فيها. أما الناصرية فقد أيقظها ناصر السعدون من سباتها العميق، هي التي لم تكن مدينة من قبل، فاكتسبت اسمها من اسمه. كانت مجرد بستان يغفو على نهر الفرات. سيُقال إن عمر المدينة سبعة آلاف عام، وهو عمر افتراضي لا يستقيم مع حقائق التاريخ. المدينة بأهلها الذين لم يغادروها. هكذا، فإن أور التي بناها السومريون وغادروها، هي غير الناصرية التي بناها أحد ولاة بني عثمان. سيُقال بعد قرنين إن سنّياً بنى مدينة شيعية. يا لعارنا، كيف محونا عن أغطية الرأس علاماتها ورسمنا بالسخام بدلاً منها ابتسامات ماكرة؟! ألا تزال أسناننا لبنية ولم تضرب عيوننا الزرقة؟


لِمَ أيقظتها وقد كانت نائمة؟
كان مالوين يترك زوجته في الخيمة لتكتب روايتها البوليسية فيمشي وحيداً بين أعمدة نمرود التي كان قد أخرجها من خفائها. قبله لم يكن نمرود إلا ملكاً طائشاً قرر بخيلاء أن يصل السماء بالأرض. أخبرني جبرا ابرهيم جبرا فيما كنا نمشي بين آثار النمرود، أنه كان رأى السيدة مالوين ولم يتعرف إليها، لأنها، على ما اخبرني، "لم تكن مهتمة بالتعرف على زوار زوجها. كانت متعالية أو أنها كانت مشغولة بشيء أهم. ربما لأنها كانت تكتب"، ثم أضاف: "بعد ذلك عرفت أن تلك السيدة كانت أغاثا كريستي، الروائية البريطانية الشهيرة". هل كانت كريستي يومها مشغولة بكتابة روايتها "جريمة في بلاد ما بين النهرين" أم بكتابة روايتها "قطار الشرق السريع"؟ لكنه سؤال جانبي. سيكون علينا أن نسأل مالوين لماذا فعلت ذلك، وهو سؤال ينطوي على الكثير من العتب اللئيم.
كانت النمرود نائمة في خلودها، فلماذا أيقظتها وجعلتها عرضة للشماتة والحقد المبيت واللوم الجاهل؟ لقد أخطأت يا مالوين؟! شيء من مالوين كان قد أخطأ الطريق التي تقود إلى عقائدنا. كانت هناك حكاية شعبية تقول إن النمرود باعتباره ملكاً، كان قد تحدى الله في محاولته اختراق السماء بالأبنية العالية، فأغضبه، فكان الخراب قدر تلك المدينة. كان النمرود عدواً للإله االذي كان مقيماً في السماء. لقد ربطت الحكاية الدينية يين النمرود والنبي ابرهيم.
وهي علاقة تكذبها الجغرافيا، ذلك لأن ابرهيم كان سومرياً فيما كان نمرود آشورياً. الجغرافيا ليست وحدها تقع بين الاثنين، بل التاريخ أيضا. بسبب أفكار دينية، كانت كراهية النمرود قد أصبحت تراثاً شعبياً. يمكننا أن نصدّق أن يونس ابتلعه الحوت وخرج سالماً، ولا نصدّق أن ملكاً آشورياً عظيماً، هو نمرود، بنى مدينة من أجل أن يُسعد شعبه. لقد أوهمنا البدو أن كل بناء هو باطل، وهو مدعاة للخراب. "لدوا للموت وابنوا لخراب"، وفق القول المنسوب إلى الامام علي في "نهج البلاغة". أعلينا أن نبني أم نهدم؟ كنت أتبع خطى جبرا ابرهيم جبرا حين سمعته يقول: "المدينة ليست هنا. أخبرني مالوين أنه اكتشف قصر الحكم فقط، أما الشعب فيحتاج إلى حملات آثارية كبرى لكي يظهر. الآشوريون شعب آسر".


هل رأيت أندلسياً في طريقك؟
كنا شعباً آخر. الشعب الذي لا يشبه نفسه. كنا شعباً بمقاسات جمال مختلف. كانت النمرود أكبر منا؛ أكبر من خيالنا المشدود إلى النص الديني الذي هو مصدر تأنبينا. مالوين كان سعيداً باكتشافه الذي دمّرناه كما لو أننا ننتقم منه. ليته دثّره ثانيةً بالتراب واكتفى بروايتَي زوجته. لا يعرف الرجل أنه اهدى اكتشافه إلى الشعب الخطأ. ما لم يكن يعرفه مالوين، أننا جمهرة أصوات تكره النظر، وتحبّ عبث أن لا تُسمع. لسنا شعباً بصرياً، وقد لا نكون كذلك في مستقبل أيامنا. بالصوت نؤخذ، وبه نسحر، وبه نذهب إلى فنائنا. لقد أرهقنا مالوين بما لم نكن على استعداد لتحمل مشقة الصبر عليه. النمرود المدينة والملك، كلاهما على السواء كانا عدوّاً. سيكون لـ"داعش" اسم خالد في الجنة، كونه انتقم من عدوّ الله حين هدم ما ظهر من أثر لنمرود. أهذا ما حلمتَ به، يا مالوين؟ إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد. وفي الجانب الآخر كانت هناك تدمر. هي الأخرى صورة من إرم.
كانت مبنية وفق الروايات الدينية بلين الذهب والفضة، زيّنت قصورها ودورها وبساتينها باللآلئ والجواهر، وترابها بنادق المسك وأنهارها سارحة وثمارها ساقطة ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داعٍ ولا مجيب، وإنها تنتقل؛ فتارةً تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق. ما يقوله المفسرون يعبث به الصبيان. كان التفكير في ما يمكن أن يكون مرآة للجنة على الأرض، يقود إلى دمشق. قريباً من دمشق، على مبعدة منها، كانت تدمر بلداً للمقاومين باللغة العمورية، وهي البلد الذي لا يقهر باللغة الآرامية، غير أن الأمبراطور الروماني أدريان كان قد وهبها امتياز المدينة الحرة. أعلينا أن نكره أدريان اليوم؟ كان عليه أن يضمّها إلى مملكته من أجل أن لا تضيع.
فجأةً تمكن منا المتحاربون. أكان علينا أن نختار مَن ينضم من العمالقة إلى صفّنا ونحن قصار القامة؟ لن يكون في إمكاننا احتواء فكرة أن تكون زنوبيا ابنتنا، ملكتنا الطالعة مثل شقائق النعمان من عاطفتنا. أما كان علينا أن نضفي عليها شيئاً من سمات ولاّدة بنت المستكفي، لتكون صناعة أندلسية؟ لن تكون دمشق بني أمية بعيدة. "أنا والله أصلح للمعالي/ وأمشي مشيتي وأتيه تيها". يا لفكرتها عمّن تكون. يا لفكرتها عمّن سيكون أحفادها الذين هم نحن. ستتسع المسافة بيننا. لن تكون ملكة تدمر ابنتنا وقد جئنا غزاة. ستستقبلنا بالياسمين. الشام كلها بلد الياسمين والصعتر والزيتون والرمان. هل رأيتَ أندلسياً في طريقكَ؟


أكان عليها أن تكشف عن ساقيها؟
لقد خُرق العهد بيننا. أما كان يمكننا أن نكون أرقى حالاً، سيدي نمرود، سيدتي زنوبيا؟ أنا أشفق عليكما وليس على ما يتركه التاريخ من نفايات. لقد كُتب علينا أن نكون تلك النفايات؛ التفاحة المتعفنة التي تركت على صحن متسخ. يمكنكما أن تتركا المسرح بسلام. هنالك حرب لا يمكنكما أن تلتحقا بها، وهي حرب لا تتسم بالنبل الذي عرفتماه. إنها حرب قذرة ورخيصة، لن يرى فيها المتحاربون صورهم في مرآة أعدائهم. حرب عمياء تمجّد الماضي من أجل أن تمحوه. وهي لا ترى مستقبلاً. الحروب عادة تكون من غير مستقبل.
كانت المسافة بين النمرود وتدمر، تُقاس بالسنوات. الآن صارت تُقاس بالكيلومترات. النمرود ليست موجودة اليوم. لن يهتدي مالوين إلى الطريق التي تقود إليها. ماذا يعني ذلك؟ هل كانت موجودة في الأمس؟ إذا كان الزمن لم يمر بها، فكيف يمكنها أن تكون موجودة؟ لقد اخترعها مالوين. لقد أشفق أدريان على نفسه، وهو لم يكن يرى تدمر إلا من خلال خيال يديه. كانت المدينة - المرأة تسخر منه، كما لو أن مياهاً تكتب اسمه على الرمل لتكذب عليه. غير أن تدمر لم تلحق بأحد من محبّيها ولا بأحد من أعدائها. لا بأس من أن يكون هناك عدوّ لإمرأة من الشرق كانت عنواناً لمعجزة اختلاف جمالي. مثلما أضرّت بلقيس اليمنية بسليمان فأرهق بصرَها بملكه. أكان عليها أن تكشف عن ساقيها لولا أنها كانت قد شعرت بالهيام؟


مثل زهرتين اندسّ عطرهما في الرمل
حين نبتتا في الصحراء مثل زهرتين، كانت النمرود وتدمر قد أحدثتا تحولا في علاقة الإنسان بالرمل. تحدى نمرود السماء عمودياً، فيما انفتحت تدمر أفقياً على العالم، وكانت خطى الإنسان الراقي تجوب المسافة التي تقع بين القوة والعقل. أن تكون قوياً في مواجهة الرمل؛ هذا معناه أن يكون عقلك قادراً على استدراج إرادتكَ إلى الموقع الذي تكون فيه تلك الإرادة صانعة لحلول فذة. ربما كانت تلك الإرادة هي سبب كل الكراهية التي أحيطت بها النمرود في المرويات الدينية، وهي ذريعة أدريان حين أطلق على تدمر لقب المدينة الحرة. لكن الرمل وهو يزحف بأقدام أمم من المتوحشين، كان يدرك أن الله في لحظة حنان بسط على المدينتين يده الناعمة. ألهذا كان العقاب مؤجلاً؟
المدينتان كانتا دائما بعيدتين. خيالهما وحده كان حاضراً في المخطوطات، كما في الغزل الصوفي، كما في الهواء الذي ينقل أخبار الرمل. كانت الطرق قد نسيتهما. طرق الشعراء والتجار والأمراء والمحاربين والصعاليك والرعاة والباحثين عن ظمأ الحقيقة. كانتا لؤلؤتين تشعان عطراً في صحراء ستروي عطشها يوم الساعة بمياه من أنهار الجنة.
هل نلوم أدريان على هبته الإلهية حين قرن تدمر بالحرية؟
هل نغضب على مالوين لأنه أغضب السماء حين نظر إليها بانتشاء نمرودي؟
سيكون علينا أن نبحث بعد كارثة "داعش" عن تفسير لما لا يُفسَّر. أمن أجل أن ننجو؟ سيضحك نمرود من مالوين لأنه اخترع مدينته التي عادت إلى خفائها، وستبكي زنوبيا من أجل أن تسقي بدموعها شجراً، كل ورقة من أوراقه هي صفحة في كتاب الخلود.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 5/30/2026 8:38:00 AM
وجاء ذلك بعد تقدّم مادوكس بطلب قانوني لإزالة اسم "بيت" من اسمه، ليصبح رسمياً "مادوكس شيفان جولي" في حال الموافقة على الطلب.