بايدن يندد بالهجمات على مشجعي كرة قدم إسرائيليين في هولندا

أمين الفرقة الحزبية
Smaller Bigger

كان أمين الفرقة الحزبية في القرية، يفكر في أوضاع البلاد، وهو يجلس وحيداً في المضافة الحجرية الواسعة، ظهيرة الثالث من حزيران، بينما جلست أمه العجوز على الدرج الصاعد بجانب حائط المضافة السميك إلى السطح، ناظرة نحو الوعور التي بدت سادرة بتحدٍّ مكتوم ومتعجرف، وهي تراقب بعينين مزمومتين، ملامح الجحيم على امتداد الوعور، وانعكاس الظهيرة عن ظهر صخورها الجاثمة والعنيدة عن الحركة منذ ثلاثين ألفاً ومئتين وستين عاماً، وثلاثة أيام. حدث ذلك في الظهيرة أيضاً، حيث اندفعت سيالات المعادن والصخور من باطن الأرض، ثم هجعت في هذه الجبال والسهول مرة واحدة وإلى الأبد، بعدما التهمت كل ما يمت إلى الحياة بصلة، من الأشجار، والبيوت والكائنات. لا يزال جابر يتذكر أيام طفولته البعيدة حيث عثر مع بعض الصبية على صخرة جاثمة، وقد التحمت فيها عظام أسلافه.


كان جابر يجلس وحيداً متأملاً، هذا البياض المصفر للهواء المنعكس عن الصخور وقد احترق وتبخر، واستحال إلى لهب شفاف، يرقص صاعداً إلى هاوية الكون والقبة الزرقاء السماوية، وكانت الذكرى التي سترافقه بصفاء حتى موته، تعود إلى تلك اللحظة التي وجد فيها بين صخور الشطوب القريبة من البيوت، تلك البيوض الصغيرة، المشعة بصفاء في ظلمة كهوف الصخور الصغيرة. بدت الكرات المتناثرة، شفافة، تشعٌّ بلونٍ أزرق سماوي، فشعر في تلك اللحظة، في طفولته البعيدة، بأنه حرّ للمرة الأولى. يتذكر أيضاً الجرح العميق الذي أحدثته سخرية والده ورجال القرية من خيال الولد المعتوه، فقرر منذ ذلك الحين، أن الأشياء ستبدو دائماً كما نرسمها بالكلمات.
سيكون العار الذي سيتجنبه على الدوام، هو أن يفكر يوماً، بأن يرى الأشياء كما هي. صرخ بأعلى صوته: إنها بيوض حشرات قذرة وليست زرقاء سماوية مشعة!
لكنه يدرك في لحظات وحدته وصفاء وحشة ذاته، أن الصورة التي حفظتها الذاكرة تلك اللحظة لن يمحوها سوى الموت.
كان بيت أبو جابر، في القرية القديمة التي كانت بيوتها مهجورة تقريباً، خلا بعض المسنين، الذين نسوا عدَّ الأيام، وجلسوا على المصاطب، منتظرين برضا، قافلة الموتى وهي قادمة على الطريق الصخري الممتد عميقاً في الوعور، ليلتحقوا بها.
فمنذ ستينات القرن الماضي، بدأ الأهالي باستخدام الإسمنت بدل الحجر، في الأراضي المحيطة بالقرية القديمة المتراصة البيوت، ذات الطرق الترابية الضيقة، وقد ضاقت بهم وبمواشيهم وبحكاياتهم فطفروا خارجها.
تنهدت أم جابر، وهجست بصوت خافت وعريض:
- بعد سبعة أيام سنباشر الحصاد.
الندى سيعقب هذه الجحيم.
فكر جابر في المحصول، سيكون محصولاً ثميناً في هذه الظروف. كان يخشى اللصوص، أولئك الذين يتسللون ليلاً إلى الأراضي المزروعة في مساحات ترابية متفرقة بين الصخور، ليسرقوا العدس والحمص والقمح والشعير ثم يعودون إلى بيوتهم القذرة ليستخرجوا الحبوب وهم يطلقون أنفاساً لاهثة بمتعة وضيعة.
استوى في جلسته، وقد بدأ صوته الداخلي يردد المبادئ العظيمة للحزب، التي تؤكد أن الثورة قامت أولاً ضد اللصوص، لصوص الأوطان!
بعد خمسة أيام، هجست أم جابر في ظهيرة مكررة، بكلمات كان ينتظرها بصبر، قالت كمن يزف خبراً ثميناً:
- بكرا ندى...
الندى...، أيضاً يأخذ مخيلته إلى تلك البيوض الزرقاء السماوية، نهض من مكانه، وتوجه نحو الباحة الخلفية للدار، متفقداً في التبّان المعتم، ثياب الحصاد.
عند الفجر، كان يخبّ بنشاط، وحيداً نحو أرضه، وحال وصوله إليها، حدق طويلاً في أرجائها متفحصاً سنابل القمح وشتلات العدس والحمص، وما كان يشعره بالتواطؤ تلك اللحظة، هو غبطته العميقة والسرية من ذلك اللون النادر للفجر؛ أزرق سماوي غامق. ويبدو ذلك الضوء كأنه يشع عن بيوض زرقاء سماوية!
مسح الأرض بناظريه. لقد زرع هذه السنة، بذار عشرين مداً من الأرض، ولا بد أن اللصوص يفكرون في نهش ما يتيسر لهم منها، تحسس مسدسه جيداً في الحزام، ثم انحنى نحو الأرض وبدأ باقتلاع السنابل بهمة عالية.
تحوّل لون الفراغ إلى الأصفر. ضوء الصباح باهتٌ وكامد، يفكر في الحمقى الذين يغنون عن نور الصباح! خلال لحظة واحدة، تغيّر العالم. وقف أمام المواجهة التي أجّلها في أعماقه كثيراً.
كان يقف مصعوقاً أمامهم. إنهم اللصوص. كان يحدق مفجوعاً وهو يراهم يأخذون محصوله حبة حبة وبأعداد هائلة!
يسيرون أرتالاً في خط متعرج وطويل إلى مكان مجهول، وكل نملة تحمل في فكّها حبة من القمح. كان لا بد من التصرف السريع. المسدس لن ينفع. حمل معولاً ومشى خلف اللصوص متعقباً أثرهم بحرفية عالية، وحين وصل إلى وكر النمل الذي بدا مسرحاً لآلافٍ منها، الخارجون من الثقوب والداخلون إليها، محمّلين حبّات محصوله الثمين، وبكل ما تعلمه من ثورية ومبادئ عظيمة في حزبه العظيم، هوى على وكر النمل بمعوله، كان يحطم الوكر بوحشية، وحين أصبح الوكر حفرة تتشظى فيها أقنية الوكر ومحصول صغير من الحبوب، جلس جابر لاهثاً وهو يراقب كل هذا الخراب متشفياً. نظر في أسفل الوكر محدقاً بدهشة، كانت تبدو بين ذرات التراب في العمق، إنها هي مرة أخرى تلك البيوض الزرقاء السماوية! كانت حيرته عظيمة، لقد شعر بالخجل، لأنه أحس لوهلة، بأن شيئاً أشرق في صدره عندما رآها، كزَّ على أسنانه وصرخ بصوت حاسم، تماماً كما فعل قبل خمسين عاماً: هذه بيوض حشرات لعينة ولا بد من حرقها.
ذهب مسرعاً إلى الدار، حمل وعاء يحوي بترولاً، وخبّ لاهثاً إلى معركته الكبرى مع اللصوص، سكب الكاز في حفرة الوكر، فوق البيوض والممرات المحطمة، ونملاتٍ هائجة بأعداد هائلة، كانت تضرب التراب بأرجلها الدقيقة محاولة استجلاء مكانها.
أشعل جابر عود ثقاب، ورماه في الحفرة، وخلال دقائق، كانت النار تلتهم النمل والحبوب الصغيرة الصلبة بشكل عنيف، ولم ينتبه جابر إلى النار التي شبّت بين سنابل القمح الجافة، فقد كان منتشياً بنصره على اللصوص، أعداء الثورة والشعب. خلال دقائق نشوته المتعاظمة، كانت النار تنتقل إلى أراضٍ محيطة وتلتهم محاصيل الأهالي بسرعة مع هبوب ريح مواتية. في تلك اللحظة، كان يقف منتصباً وهو يسمع في أذنيه صوت مارش عسكري يتذكره جيداً، يتذكر الفخر والإعتزاز اللذين كانا يستبيحان جسده حين يسمع المارشات العسكرية ويسير وفقاً لإيقاعها.
نظر نحو الأفق كقائد عظيم: حتى لو أكلت النار قمح العالم برمته، لن أسمي بيوض الحشرات اللعينة تلك بيوضا زرقاء سماوية. لن أقع في الفخ مرة أخرى.


 كاتب ومسرحي سوري

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
"تبدو وكأنك تقول: يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بعد أربعة أمتار ونصف فقط من رأسي"
لبنان 4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان