أُحبّ طنجة. لم أفكر في أسباب هذا الحبّ. هل للحبّ أسباب يمكن الامساك بها؟ لقد أحبّها من قبلي كثيرون. أنا مثلهم لديَّ ذكريات، غير أنها ليست من النوع الفريد الذي لا يتكرر. كانت خطواتهم البليغة والمراهقة قادرة على أن تمحو كل خطوة تأتي من بعدها. نزولاً إلى الميناء حيث يأكل الشعب كله أطعمة بحرية، ومَن لا يأكل فإنه يمارس هوايته في الهرب الخيالي. جلوساً في "مقهى الحافة"، هناك حيث يجلس الحالمون بترف أوروبا ورخائها، يتداولون حكايات عن غرام فسد قبل الذهاب إلى الكنيسة. وقوفاً في انتظار أن يفرغ مكان في "مقهى فرنسا" بشارع باستور، بعد ثلاث كؤوس من الجعة في "حانة الضفادع".
يمكنني أن أرى رافع الناصري وهو يضحك بسعادة كلما مررتُ بذلك المقهى، من غير أن أحدثه عن تلك الحانة التي لم نزرها معاً. يمكنني أيضاً أن أتذكر أن عبد العزيز جدير كان قد دعاني لتناول المرطبات المثلجة في مقهى يقع قرب مكتبة أعمدة هرقل التي كان يرتادها جان جينيه. في سوق الداخل احتسينا الكثير من الشاي الأخضر ونحن نفكر في محمد شكري الذي كان يطيل الجلوس هناك. كان حسونة المصباحي، وهو روائي تونسي، يتذكره بطريقة ندية. لا يبقي الميت سوى لطفه وصنيع كرمه. يقول لي: "إنه ميت على الأقل". سيكون هناك الكثير من الثناء، في محاولة لنسيان الهفوات التي يعيننا الموت على القفز عليها. فطنجة مدينة كريمة وخفيفة بطريقة غامضة. تحتضنكَ كما لو أنكَ كنتَ دائماً إبناً بارّاً عاد إليها للتوّ. تفاجئكَ بالغفران بالرغم من أن حجم آثامك لا يُرى ولا يُسمع له هسيس. هذه المدينة التي دوِّلت يوماً ما، لا تزال تفكر في موقعها السائب من العاطفة الوطنية. يشفق التاريخ على الجغرافيا، غير أنه يشقّ طريقه إلى عادات سكان تلك المدينة التي ارتبطت بالعابرين الذين غالباً ما يكونون أثرياء من غير أن يجهر مظهرهم بذلك.
■■■
مدينة لعابرين عشقوها
طنجة بصخرتها، بسلالمها، بأسواقها التي تتسلق تلك السلالم، ببحرها، بباعتها القادمين من الأطلس، هي الأخرى مدينة عابرة. مدينة عابرين، غرق البعض في نشوة هباتها فصار يغار عليها كما لو أنه ولد فيها، كما لو أنه لم يعرف مدينة سواها. يطمئن المرء إلى ولادته فيها كما لو أنه يحتمي بليلها يعود إلى رحم أمه. أن يكون المرء القادم من بعيد مواطناً في طنجة، أمر لا غبار عليه. أبناء طنجة قادمون من كل مكان. مثلي يوم وجدتُ نفسي ضائعاً في مطارها الذي يحمل اسماً لطالما شغفتُ به: ابن بطوطة. المسافر العربي الذي عولم الكائنات قبل قرون. لم أسأل صديقي عبد العزيز جدير، وهو ابن طنجة، أين يقع قبر ابن بطوطة. لولا عبد العزيز كادت تلك المدينة أن تكون مدينة خيالية، مسرحاً للأشباح التي تأكل السمك في مطاعم الميناء المكتظة بالإنس والجان دائما. سيقول إن طنجة ليست سوى هفوة استشراق. خطأ أريد له أن يحل محل فراغ جغرافي لا محل له في إعراب المدن التي لا تكترث بمستقبلها: تطوان أو فاس أو مكناس مثلا. طنجة مدينة مغامرين، هي مثلهم. تعيش أو لا تعيش. فكرتها عن نفسها تشبه إلى حد كبير فكرتها عن الآخر الضائع بين أزقتها الضيقة.
"كنت هناك كما لم أكن يوما في حياتي"، تقول لك السائحة الألمانية وهي تعرف جيدا أنك لا تفهم ما تقول. ما تترجمه كريمة، موظفة الاستقبال في "فندق ايبيس"، لا ينتهي إلى شيء مؤكد، غير أنها تضيف: "نحن عالقون في حدودها"، بما يعني أن هنالك وجدا، يضع الصورة في اطارها الحقيقي ويفسر الشغف. لقد رسمت لك تلك السائحة الطريق. وهي طريق تقود إلى التيه. لكن هناك بشرا هم في انتظاري وإن لم يأتوا إلى المطار لإستقبالي. يقول لي سائق سيارة الأجرة: "الغائب حجته معه". تضحك السائحة الالمانية ولا تقول "إنه يخدعك". تكاد خبرتها تطيح واحدة من أهم فقرات جدول رحلتك التي بدأت مبهمة.
■■■
مطار فارغ ومسافر وحيد
كان مطار ابن بطوطة قد فرغ من المسافرين ولم يكن هناك شرطي لأسأله. لم يكن هناك سوى السائق الذي بعثت به شركته لاستقبال ضيف لم يحضر. قلت لذلك السائق: "اعتبرني ضيفك الذي لم يحضر وخذني إلى أقرب فندق". لم أكن أرغب في الذهاب إلى قلب المدينة الذي أعرفه جيدا، ذلك لأني أعرف أن الجغرافيا هي شيء سائل بالنسبة للمغاربة. قررت أن أبقى في محيط المطار في انتظار السائق الذي ستبعث به مضيفتي أحلام المسفر ليقلني إلى اصيلة. هناك حيث يقام على ساحل بريش الملتقى الذي ترعاه الرسامة المغربية بكرم شغفها الفني. لم يكن السائق محبطا لأن ضيف الشركة لم يأت. قلت له جملته: "الغائب حجته معه". قال: "يا أستاذ حجته تنفعه. سيخسر طنجة". كان مثلي محبا لطنجة ولم يكن في إمكانه أن يسوّقني بضاعة، ذلك لأن "إيبيس" فندق عالمي وأسعاره معروفة. بعد رحلة كان الأسوأ فيها الانتظار أربع ساعات في مطار الدار البيضاء، وصلت أخيرا إلى غرفة نظيفة متقشفة. غير أنها كانت غرفة في طنجة، المدينة التي أحب والتي لطالما خططتُ للاستقرار فيها. لكن هل كان ضروريا البقاء في مكان يشبه المحجر الصحي أربع ساعات من أجل الوصول إلى طنجة؟ كنت في ذلك المحجر الذي يقع أسفل مطار الدار البيضاء لكنه على الأرض، وقد حرصت على أن أغير مكان جلوسي كل عشر دقائق تفاديا للشعور بالملل. لكن الوقت كان ثقيلا في مشيته. لم يكن هناك مقهى ولا مطعم ولا سوق حرة ولا مخزن لبيع الكتب وليست هناك زاوية مخصصة للتدخين. لم يكن ذلك المكان سوى كاراج محلي.
■■■
أربع ساعات من الضجر
قلت إني سأتأمل النسوة المختلفات أما الرجال فإنهم يتشابهون، وقد وطنت النفس لأربع ساعات مقبلة في حال من التأمل. سيكون عليّ أن أتذكر كل واحدة منهن حين الكتابة لأتأكد أنني كنت موجودا في لحظة كاد الضجر يقتلني فيها. سيكون عليَّ أن أتأمل المرأة المغربية في كل أوضاعها وجمالياتها وهي المسافرة من مكان إلى آخر. بنت البلد المقيمة فيه، هي غير ابنته القادمة من هولندا أو بلجيكا. قالت لي الفتاة الجميلة التي جلست إلى جانبي في الطائرة والتي أصرّ طفلها الظريف على أن يشبك يده بيدي، إنها قادمة من لوزان. كانت نضارة بشرتها الناعمة التي لا يزال الحليب يجري تحتها أنهاراً، قد أدهشتني، غير أنها كانت متمكنة من سلوكها المترفع من غير غرور أو تباهٍ. لقد منحتُ نفسي فرصة تأمل مغربيات، هن فريسة أحلام مختلفة. أن تكوني في المطار، حتى لو كان ذلك المكان عبارة عن محجر صحي، فإنه يعد انجازا عظيما في حياتك. "نحن في انتظار أن نصعد إلى الطائرة"، سمعت أحداهن وهي تتحدث بالهاتف. انت تلك المرأة ترتدي الملابس المغربية التقليدية وتغطي رأسها. أما كنت أقيم في شارع النميمة؟ ومع ذلك لقد فشلت في ارسال رسالة من هاتفي المتخلف. لن يكون التلصص على الأجساد اقل أهمية من التلصص على الأصوات. أجلس إلى جانب فتاتين بثياب عصرية تتهامسان، مفكرا في تلك القطط الملونة التي كانت تدور من حولنا مطمئنة في "مقهى ازريرق" بأصيله. ما إن تنهي دورانها حتى تختار مكانا تحت الشمس لتقف فيه جامدة، في انتظار مَن يصوّرها. "إنها قطط المقهى"، يقول لي النادل بعد أن يضع كاسات الشاي في ثقوب حُفرت في سطح المنضدة الصغيرة التي كنا نتحلق حولها.
إنها قطط محظوظة. يبتسم النادل قائلاً: ليست أفضل حظا من قطط الميناء. أديب: لكن أحدا هنا يُطعمها. يقول: رزقها كما هو رزقنا يأتي من السماء. الزبائن لا يبخلون عليها.
■■■
بلدة القطط الهادئة
مع إنها عصية على النسيان، فإن المرء لا يمكن أن يقع أسير حبها. أصيلة ليست طنجة. هي بلدة صغيرة تقيم منذ الفجر في سوقها الشعبية التي تملأ شارعها الرئيسي روائح برتقال ومشمش وتين ومزاح. هي بلدة القطط الهادئة التي تقف في انتظار لحظة تصوير. أما طنجة فأشبه بالجزر الصغيرة التي تتقافز بينها الضفادع مستمتعة، صخبها لا يخدش هدوءها، فهو الآخر يصنع موسيقاه الخاصة. طنجة تعاش ولا تُستذكر. ذكرياتها صعبة لأنها جزء من فكرة العيش العادي فيها.
عاش بول بولز حياته كلها في طنجة. كان ابنها الذي لم تلده. اكتشف رواتها الشفاهيين وقدّمهم إلى العالم مثلما التقط محمد شكري بـ"خبزه الحافي" وحقق له مجدا، يختلف الكثيرون في ما إذا شكري يستحقه أم لا. غير أن بولز كتب أجمل مقطوعاته الموسيقية مستلهما روح طنجة. كان وزوجته جان بمثابة ضفدعين، عرفا بمهارة كيف يقفزان من جزيرة إلى أخرى من غير أن يقعا في بحر طنجة.
نبض