مر "ملحق النهار" الثقافي خلال خمسين عاماً وعام من حياته، في زمنين خصبين: زمن أنسي الحاج وزمن عقل العويط. نتفق أنا وصديقي الفنان حسن جوني اليوم، في بعض أحاديثنا في مرسمه في المنارة، المشرف على الأبيض المتوسط، على أن عقل العويط شاعر حقيقي وأن عصبه المسنون متوفز دائماً كالمخلب ليشق به حتى جلود التماسيح. وأضيف أنه في مقدماته الدورية التي يكتبها لـ"ملحق" نهار السبت في جريدة "النهار" الذي يشرف عليه، غالباً ما يبدو لي كمجنون أو ممسوس يمسك بالمهاميز وينخر بها الأماكن الرخوة في السياسة والثقافة والناس. على تباعد الأزمنة والأمكنة والأشخاص، كان جاك دريدا قد وصف أساليب نيتشه في تحطيم الأصنام بالمهاميز (EPERONS ). عقل العويط له مهاميزه اليوم.
يضيف صديقي أن عقل حين يتسلل إلى المرسم آناً بعد آن، ويراه في غرفة من غرفه الجانبية حيث تخزن اللوحات الخطيرة (وربما تحجب)، ساجداً أمام العري الخام لجسد الأنثى المرسوم في كامل أبهته وجذبه، فإنه يمارس عبادته المزدوجة للنساء والحرية. وأنه هكذا يقود هذا المركب "السكران " –في الجريدة – بطقوس حادة في الكتابة لا وجود من دونها لمثل ما هي عليه الحرية والاصابة، وذلك منذ ما تولى إدارة الدفة هناك. وأنا حين أعود إلى أرشيفي الشعري الخاص من خمسين عاماً مضت هي عمر "الملحق" الثقافي حتى اليوم، لا أجد نفسي إلا نادراً في زمن أنسي الحاج... مرة واحدة فقط، حصل ذلك العام 1973، نشرت فيه آنذاك قصيدة "آيات من كتاب الامام المنتظر" ثم لم أنشر بعدها أبداً، حتى تولى عقل العويط زمام "الملحق" فنشرت ثلاثة أو أربعة من نصوصي الشعرية الجوهرية فيه، من بينها قصيدة "يوم الأحد الواقع فيه صمتي" وهي القصيدة الأساسية في ديوان "النازلون على الريح" ومقالات كان عقل يحرّضني على كتابتها فأنشرها. لم أنشر في "الملحق" بنفس مطمئنة في زمن أنسي الحاج لأسباب، بعضها يتصل به وبعضها بذاتي. يتصل بي. في ما يخصني، أقول إن الأسباب التي منعتني من نشر قصائدي في "الملحق" تعود إلى اعتقادي بأنه كان يشكل ما يشبه الكهنوت الشعري بطقوس وكاهن هو أنسي الحاج وكان لديَّ إحساس مبكر وحاد بالخروج على الكهنوت وبالنرجسية الشعرية. وهي الأسباب ذاتها التي منعتني من النشر في مجلة "مواقف" لأدونيس. المرة الوحيدة نشرتُ فيها قصيدة في "مواقف" كانت في نهاية العام 1974، فقد اتصل بي يومذاك أدونيس وطلب مني قصيدة للمجلة فأعطيته "قصائد مهربة إلى حبيبتي اّسيا" فنشرها. ولم أكرر النشر في "مواقف" مرة ثانية. فأدونيس كان الكاهن الشعري لـ"مواقف" وأنسي الحاج كان الكاهن الشعري لـ"ملحق النهار" الثقافي، وكانت تمارس هنا وهناك الطقوس والعبادات ويكثر المريدون. لم يمنعني إذاً من النشر اختلاف الاتجاهات الشعرية في ما بيننا بل مركزية الهيمنة. نشرت قصيدتي الأولى "ارتعاشات اللحظة الأخيرة" في مجلة "الآداب"، وكذلك سائر قصائدي، وعن "دار الآداب" صدرت مجموعاتي الشعرية في معظمها (12 ديواناً من أصل 18).
كانت مجلة "شعر" قد توقفت عن الصدور، وصار "ملحق النهار" الثقافي يلعب دور القطب الجاذب لأصوات شعرية كثيرة انتقلت من مجلة "شعر" إلى "الملحق"، ومعها أصوات جديدة تكونت في المجرى الإبداعي والنقدي الذي كان أقطابه يتمثلون في ثلاثة أساسيين: أنسي الحاج وأدونيس وشوقي أبي شقرا. أما يوسف الخال فكان محرّكاً وعرّاباً. كان ظلٌّ من شارل مالك السياسي خلفه، والتجربة الأميركية في الشعر هي المنارة والدليل (أزرا باوند). وكان لأدونيس مشاريعه الخاصة، ولكنه لم يغب عن "الملحق". وإذا كنا نتكلم على سيرة مجلات وملاحق وشعراء، فذلك لأن هذه السيرة هي جزء من السيرة الشعرية لنا، سواء أكنا في داخل الحلقات أم في حلقات أخرى تختلف عنها، أم كنا بعيدين عن الانتماء لأي حلقة. لا ننس أن الغلاف السياسي كان يخفي الكثير من التناقض في داخل كل كتلة. وكذلك الغلاف الإيديولوجي. مع تباعد الزمن، وتبدلات الأيام والمواقع، ربما حصل جلاء أكثر لمرايا النفوس والأحوال. فبعد خمسين عاماً من الزمن، كانت قد ارتسمت صور شعرية كثيرة وحقيقية لعدد من الشعراء الأساسيين خلال هذه المرحلة. بسبب ذلك تم التخلي عن كثير من المناورات القديمة التي كانت تجري خارج جوهر الشعر، سواء في المجلة أو المقهى أو الجماعة. إن صوت "النهار" (كجريدة) وغسان تويني في أساسه، وصوت ملحقها الثقافي (وصوت أنسي الحاج في أساسه) هو صوت طالما كان يخصّني على امتداد هذه المسيرة برغم التناقضات التي كنت أجدها بيننا (وهذا اعتراف). كان ثمة صوت يصدح به ديك "النهار" في كل صباح، وتصدح به ديوك "الملحق" في كل أسبوع، وكنت أنتظر هذا الصوت حتى لو ظهرت مساحات في داخلي ينسرح فيها الصوت واللعنة بشكل أكثر إيلاماً لأنه ينسرح بشكل صامت. أما صوت ديوك "الملحق" فكان صوتاً صادحاً وعلى رؤوس الكلمات، وفي عين الشمس. وقد تبيّن لنا بعد لأي، أن وعينا كان يتكون ونحن على مركب واحد، ومبحرون في موج واحد، وتهبّ علينا رياح واحدة، وهذه هي بلادنا: على الخريطة تصالب الجبل مع البحر، أما في القاع، قاع النفوس الحية، فصراخ شعراء وشطح مجانين أو صوفيين في حال من التوحش، كلّ من موقعه، ويبدو للوهلة الأولى أننا متعاركون، لكن صياح الديكة لم يكن إلا ليدل على الفجر. لا أنسى مقالة أنسي الحاج وهو يطلب من المسيح الحضور الاّن وفوراً لأن الأمر لا يحتمل لحظة من التأجيل. سيموت المريض إذا تأخرت لحظة. ولا أنسى نشيجه اللاهوتي المبحوح وهو يصرخ: يسوع. ديكك لا يصيح. يسوع... يسوع... ديكك لا يصيح... لأن الأكثر حاجة إلى الله هم الملحدون. المركب المثقوب الواحد الذي كنا نتعارك على إدارة دفته، هو المكان الواحد الذي نعيش عليه والوطن الذي كان يركلنا ونركله. وما زلت كذلك حتى اليوم. في مطلع كل سبت، أنتظر ركلات عقل العويط للرجل المريض (الوطن). فليمت هذا الرجل يا عقل فليمت حالاً هذا الرجل الذي لا يشبهنا في شيء... هذا الرجل الذي نصفه من قش ونصفه أخضر كالمستنقعات. ثم....
أكان لا بد أن يمر عمر بكامله حتى تنكشف المرايا الداخلية لنا عن بعض أسرارها الخفية؟ قلت حين أذكر "الملحق" الثقافي لجريدة "النهار" في زمنه الأول فإنني أذكر أنسي الحاج أساساً وليس سواه. خمسون عاماً مرت من عمر الرجل وما كان بيني بينه كلمة واحدة. وهو كان يجلس على سدة "الملحق" مهاباً وشديد السطوة، كنت أنظر إليه من أبعد النقاط له وأقرب النقاط إلى نفسي، ثم فجأة، وهو على قاب شهرين من الموت، والسرطان في الفم، وكان أنسي يتربع على مكان آخر على خواتمه في "الأخبار" يمد يده الرجل إلى قصيدتي "النازلون على الربح" ويعلقها أيقونة شعرية في صفحته تلك. موقعه ذاك، في يومه ذاك. يقول: "ضيوف محسودون هم أولئك النازلون على هذه المائدة". لقد اثار أنسي الحاج حسد الآخرين بكلامه على هذه القصيدة. واعتبر كلامه انقلابياً. وهو صادق لأنه على شفا يومين من الموت. والكلام المهم هو الذي يثير الحسد ويعمل الانقلابات. ولا أكتمك يا عقل، وهذا اعتراف مني أيضاً، انني أحتفظ بين أوراقي الشديدة الخصوصية، التي لا أتخلى عنها مهما نثرت من أوراق في مياه الأيام الجارفة، بتلك الرسالة التي لم أقرأ مثلها قط في حياتي، في العصف والجنون والحرية، تلك الرسالة، في التجديف المقدس، التي كتبتها بعصبك المشدود، إلى الله. وما زلت أحفظ تاريخها حتى اليوم: 11 اّذار 2003. وكنت أتأهب لأكتب رسالة جوابية إليك ما زالت مقدمتها بين يدي: ماذا فعل بك يومذاك حتى كتبت ما كتبت؟ أية يد قادرة حرّكت يدك وألهمتك ساعتئذ بمثل هذا النزف الذي: لو اجتمع جميع الساخطين في الارض في غرفة واحدة (في العراق) وكتبوا رسالة إلى الله حول ما يجري، من انتهاك وهدر للإنسان وللمعنى وللألوهة لما كتبوا أفضل مما كتبت؟ أهذه هي معجزة اليأس؟ ألهذا الحد تعصف فيك رياح هؤلاء يا عقل؟ المجانين بالحرية؟ وها إني أؤجل رسالتي إثني عشر عاماً لكي أبوح بمطلعها لك الآن حين تصفّي حسابك على هذه الطريقة اللاهوتية المعكوسة، في كل تاريخ الهزائم العربية، فمن أنت وما أنت لكي تكون إلى هذا الحد المذهل هاجسا، وبطرف المهماز، تنغز بطن اللاهوت العربي الخامل، المهزوم، والضعيف، لينهض مكانه مجد اللاهوت المقاوم (مجد الله) ...؟ تقول في إنجيلك الشخصي: "أعترف بأنني صوت الموت وجثمانه... أضرب العدم بالشعر الذي يضربني به/ وأقول ما يأتي لأني أنا الإله. وأنا العدم وأنا الموت/ أومئ إلى الأفق كي يطرّي بالدموع وجع الألوهة".
أليس هذا على وجه الدقة يا عقل، أو ليس هذا على وجه الغموض والألم أيضاً، ما كان يخصنا نحن عيال الله المنسيين، وخرافه المبجلين، وشعراءه المرتجفين لكي نكتب بالأظفار دائماً أو بالمشرط. مثل هذا الكتابات المسننة... ولكن أين؟ على جلد التمساح العربي الأكبر.
نبض