العقد السابع هو عقد تحرّر المرأة. خلاله، تشبهت نساء العالم بالرجال. كنّ ثائرات، خشنات، وصاحبات رأي. وكنّ مستعدّات للمنافسة. تجسّدت هذه الصفات على شاشة التلفزيون اللبناني في وجه سونيا بيروتي، مقدمة البرامج التي كسرت الصورة النمطية للمذيعة الجميلة، وصارت صوتاً لثورة بنات جيلها.
سونيا بيروتي
تخصّصت سونيا عون (من مواليد 1936) في العلوم الشرقية وآدابها بالجامعة اليسوعية، وعملت في التدريس لمدة وجيزة، قبل أن يدفعها شغفها بطرح الأسئلة إلى العمل الصحافي في "دار الصياد" في العام 1960. دخلت سونيا، بكنية زوجها بيروتي، عالم التلفزيون في بداية نشأته، معدّةً ومقدّمةً لبرامج ثقافية. ثمّ انتقلت في العام 1973 إلى مرحلة جديدة من حياتها المهنية بعدما اختارها المخرج سيمون أسمر لتقديم برنامج "ستوديو الفن" لاكتشاف المواهب.
في بداية ظهورها استفزت بيروتي الجمهور بصوتها وتسريحة شعرها وملابسها، حتى صارت تُعرف بالمذيعة التي تشبه الرجال. يقول أسمر عن تلك المرحلة إنّ إدارة "شركة التلفزيون اللبنانية" طلبت منه أن يستبدل بيروتي بمقدِّمة أخرى: "استمهلتُ الإدارة شهراً واحداً، وطلبتُ من بيروتي أن تكون أكثر حدَّة في طرح أسئلتها وكسبت الرهان". بانتقالها من المذيعة التي "تشبه الرجال" إلى المذيعة "أخت الرجال"، ساهم حضور بيروتي وتفاعلها مع المشتركين في نجاح البرنامج المدوّي بدورتيه في العامين 1973 و1974. بعد "ستوديو الفن" استمرت بيروتي تثير الجدال في عملها الصحافي، كما في إطلالاتها التلفزيونية المتفرقة؛ جدال يعبّر عن أفكار امرأة تقدمية في مجتمع قيد التحوّل. سونيا بيروتي ليست واحدة من أشهر شهيرات الشاشة في العقد السابع فحسب، بل هي الأيقونة التي اختزلت روح العقد وثورته أيضاً.
العصر الذهبي
بلغت محطتا "شركة التلفزيون اللبنانية" و"تلفزيون لبنان والمشرق" في العقد السابع مرحلة من النضج والاحتراف أثمرت اتفاقاً للتعاون والتنسيق بهدف ترشيد الإنفاق وزيادة الأرباح. بموجب هذا الاتفاق، أسّست المحطتان في العام 1972 شركة "تيليمانجمنت" التي تولّت، في رئاسة منير الطقشي، إدارة إعلاناتهما التجارية. ظهرت أولى نتائج هذا الاتفاق في قرار المحطتين توحيد نشراتهما الإخبارية (ما دام أنّهما تقدّمان المادة ذاتها) وإنتاج برامج مشتركة تُبَث في وقت واحد، أو في مواعيد غير متضاربة. سمح هذا التعاون في أن تركّز كلّ محطة على ما يميّزها عن الأخرى، فانصرفت تلّة الخيّاط إلى إنتاج برامج ذات طابع محلي، وتخصّصت الحازمية في البرامج القابلة للترويج في الدول العربية. بفضل هذه السياسة تمكنت المحطتان خلال عامين من تحقيق استقرار مالي مريح للمرة الأولى منذ تأسيسهما. وجاء في حصيلة العام 1974، بحسب تقرير نشرته صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، أنّ العائدات الإعلانية حققت 88 في المئة من مجمل دخل التلفزيون ذلك العام، فيما بلغت عائدات بيع البرامج (600 ساعة) إلى الشاشات العربية الناشئة 13 في المئة من مجمل الدخل، أي ما يقارب المليوني ليرة لبنانية (890 ألف دولار أميركي)، بحسب الصحيفة الفرنسية. ترافق هذا الإنجاز مع تحوّل المجتمع اللبناني إلى مجتمع تلفزيوني بامتياز مع امتلاك 87 في المئة من العائلات في بيروت، و75 في المئة في لبنان ككل، جهازاً تلفزيونياً واحداً على الأقل في منازلها. من حيث المضمون صنع التلفزيون في النصف الأول من العقد السابع رموزاً جديدة للبنان، في المجتمع والفن والسياسة، أعادت صوغ صورة لبنان، ووسّعت من هامش الحريات الشخصية، بما يتناسب والفورة الإقتصادية والعمرانية والثقافية التي كانت بلغت ذروتها في تلك المرحلة. هذه الصورة، وإن لم تكن أمينة للواقع مئة في المئة، إلا أنّها كانت صورة مغرية وعصرية أحبّها اللبنانيون، وعاشوها: هي صورة مجتمع شاب، يرتدي "الطربوش"، يقرأ الجريدة... ويشرب الـ"كولا".
الدراما
أدخلت تجارب التلفزيون التمثيلية في العقد السابع مصطلح "الدراما" إلى القاموس اللبناني، وطوّعت اللغة العربية لتتناسب ولغة التلفزيون البصرية. حصل ذلك على يد جيل جديد من الكتّاب، من مثل أحمد العشي ووجيه رضوان ومروان العبد، فصارت الدراما اللبنانية تمثّل "هويّة وطنيّة، تماماً كما الجوخ الإنكليزي والسباغيتي الإيطالية والسينما الأميركية"، وفق كلمات وجيه رضوان. تمثلت نقطة التحول في تاريخ الدراما اللبنانية في الرواج المحلي غير المتوقع للمسلسلات الطويلة (13 حلقة) المعدّة للتصدير، التي نجحت ولاقت رواجاً شعبياً على رغم تشكيك كبار النقاد ورهانهم على فشلها، لأنّها، كما كتبوا في نهاية الستينات، "لا تتناسب مع روحية العصر السريعة وطبيعة الجمهور اللبناني".
غيّر نجاح هذه المسلسلات في مقاييس صناعة الدراما اللبنانية من حيث اللغة والمضمون، وأدى إلى انتقالها من اللهجة البدويّة إلى اللهجة اللبنانية البيضاء، ومن الفصحى المفخّمة إلى الفصحى الملطّفة، ومن "سوالف" التراث العربي إلى الأدب العالمي الكلاسيكي والمعاصر. وفيما بقيت مصر وحدها عصيَّة على شراء الأعمال اللبنانية لاكتفائها بإنتاجها المحلي، قسّمت دوائر التسويق في التلفزيون اللبناني العالم العربي ثلاثة أقاليم: سوريا والأردن والعراق: أذواق مشاهديها متقاربة من ذوق المشاهد اللبناني؛ دول الخليج العربي: اهتمّت بالمسلسلات التاريخية الفصحى أو العاطفية الناطقة باللهجة البدويّة؛ دول المغرب العربي: اهتمت بالميلودراما العاطفية الناطقة باللغة الفصحى المبسّطة، وذلك في إطار سعي حكوماتها إلى الحدّ من انتشار اللغة الفرنسيّة في مجتمعاتها.
الثلاثي الذهبي
اصطدمت الزيادة في إنتاج المسلسلات بتكرار أسماء ممثليها، ولا سيما في الأدوار النسائيّة الأولى، فبرزت حاجة البحث عن وجوه جديدة تُدخل روحيّة السبعينات إلى الشاشة. لم تذهب إدارة "تلفزيون لبنان والمشرق" بعيداً في بحثها عن هذه الوجوه، فلجأت إلى ثلاث من موظفاتها غير الممثلات، وأسندت إليهن أدوار البطولة النسائية، هن ّالمذيعتان نهى الخطيب وإلسي فرنيني ومساعدة المخرج هند أبي اللمع. لفتت الممثلات الثلاث اهتمام الصحافة والمشاهدين، بما كنّ يتمتعن به من حضور آسر وموهبة فطريّة وجمال كلاسيكي. وقد شكّلن بذلك رافعة الدراما اللبنانية حتى منتصف الثمانينات، وكنّ العنوان الجاذب لنجاح أيّ مسلسل على الصعيد الجماهيري والإعلاني. أفادت الممثلات الثلاث من حاجة الشاشة إلى روح جديدة ومن وجود أزواجهن إلى جانبهن في العمل (أبي اللمع هي زوجة مخرج جميع أعمالها أنطوان ريمي، الخطيب هي زوجة المخرج إيلي سعادة، وفرنيني هي زوجة زميلها الممثل جورج شلهوب).
بين الريف والمدينة
مع دراما السبعينات ونجومها، انتقل التلفزيون اللبناني في بداية العقد السابع من الريف إلى المدينة، ومن قيم الماضي إلى قيم الحاضر، ومن حكايا أهل القرى والجبل إلى قصص سكان المدن والساحل. قادت "شركة التلفزيون اللبنانية"، بإدارة رئيس مجلس إدارتها بول طنّوس، هذا التحوّل من خلال مقاربتها المواضيع والقضايا الجريئة التي عكست الحراك الإجتماعي والشعبي داخل المجتمع اللبناني، وأكسبت أعمال تلّة الخيّاط صفة المحطة الريادية، مقابل مسلسلات "تلفزيون لبنان والمشرق" (الأكثر جماهيرية) التي بدت، مقارنةً بأعمال "شركة التلفزيون اللبنانية"، أشبه بروايات الـ"رومان فوتو". نجح طنّوس مع كتّاب من أمثال أنطوان غندور في تحقيق المعادلة المستحيلة، وهي التوفيق بين المشاهدين والنقاد والمثقفين. ولبلوغ هذه المعادلة فتح طنّوس أبواب تلّة الخيّاط أمام روّاد الحركة المسرحية (ريمون جبارة، نضال الأشقر، أنطوان ملتقى)، وعمد إلى إشراك النقاد الصحافيين في قرارات البرمجة الخاصة بمحطته عبر دعوتهم إلى عروض خاصة ببرامج المحطة قبل بثّها على الهواء. حقّقت سياسة طنّوس أهدافها المرجوّة، فحسّنت من المستوى الفني والثقافي للبرامج، وخفَّفت من لهجة النقاد اللاذعة في تناولهم برامج التلفزيون، بعدما باتوا أكثر معرفة بكواليس التلفزيون وظروف الإنتاج.
الدراما المستقلة
أدت زيادة الطلب العربي على الإنتاجات اللبنانية، التي لم يكن باستطاعة التلفزيون اللبناني تلبيتها كلها، إلى نشوء شركات خاصة، مستقلة عن شركتي التلفزيون، أنتجت مسلسلات لبنانية، ولبنانية عربية مشتركة، بقصد تسويقها في الدول العربية. بعض هذه الأعمال كانت تصوَّر في لبنان، وبعضها الآخر في ستوديوات أثينا والأردن وعجمان في الإمارات، بعضها كان يُعرَض في لبنان، أما البعض الآخر فلا. أدّت هذه الظاهرة إلى تطوّر نوعية جديدة من الدراما اللبنانية، وصعود نجومية كتّاب وممثلين لبنانيين على المستوى العربي لم يكن لهم حضور قوي في الضرورة محلياً.
ثوابت الشاشة
لم يحُل جديد السبعينات دون استمرار نجاح أديب حداد (أبو ملحم) وصلاح تيزاني (أبو سليم) وحسن علاء الدين (شوشو) في المحافظة على حضورهم القوي على الشاشة. نجح هؤلاء في نقل تجربتهم إلى جيل جديد من المشاهدين، فيما فشل الكثير من رفاق الدرب الأوائل ممّن كانت لهم فرقهم التمثيلية الخاصة خلال العقد السادس. إلى لائحة الأيقونات التلفزيونية هذه، انضمّت في العقد السابع شخصيات جديدة صنعت أساطير حية من لحم ودم، كالممثل نبيه أبو الحسن في شخصية "أخوت شاناي" وعبد الله الحمصي في شخصية "دويك" وأنطوان كرباج في "بربر آغا".
المنوّعات
في المنوّعات بقي نجوم الصف الأول كفيروز وصباح وسميرة توفيق ووديع الصافي ضيوف برامج الأعياد والمناسبات الخاصة، وانضمت إلى هذه المجموعة سلوى القطريب الآتية إلى التلفزيون من مسرح روميو لحود. من جهة ثانية، فقد فنّانو العلب الليلية بريقهم، وتراجع ظهورهم على الشاشة، أمام سطوة الشبّان والشابات في برنامج "ستوديو الفن" للمخرج سيمون أسمر، الذي قلب في العام 1973 معادلة صناعة نجوم الغناء، وقدّم جيلاً جديداً من المغنين والفنّانين الشباب. من أبرز هؤلاء: وليد توفيق، عبد الكريم الشعّار، منى مرعشلي من متخرجي دورة 1973، وماجدة الرومي، نهاد فتّوح، عبدو ياغي، غسان صليبا، مهى يمّين، هدى روحانا، عايدة وأمل طنب وآخرون من متخرجي دورة العام 1974.
على صعيد الحوارات الفنية والمسابقات، برز نجم رياض شرارة ليطبع الشاشة بنكهته الخاصة، مستبدلًا أجواء نجيب حنكش ونكاته "الزحلاوية" بطرائف "الحماه والكنّة" العائلية. قدم شرارة نفسه رجلاً عصامياً مثقفاً وطريفاً، خلطة أكسبته شعبيةً واسعة وجعلته يسيطر على برامج المسابقات والحوارات المنوّعة في النصف الأول من العقد.
الأخبار والبرامج الحوارية
عاش التلفزيون اللبناني هامشاً أوسع من الحرية مع الرئيس سليمان فرنجية الذي تسلم مقاليد الرئاسة الأولى في العام 1970، واعداً برفع قيود الرقابة الشهابية وإعطاء التلفزيون هامشاً أوسع من الحرية الإعلامية والسياسية. لم تستفد نشرة الأخبار المتلفزة كثيراً من هذه الوعود، واستمر إيقاعها مضبوطا ًعلى النشاط الرسمي لكبار المسؤولين. أمّا البرامج الحوارية فحققت قفزة إلى الأمام باستضافتها شخصيات كانت ممنوعة من الظهور على الشاشة خلال العقد السادس. لم يستمر مناخ "الحرية" طويلا، واكتشف التلفزيون في حدود العام 1971 أنّ الرقابة لم تتغيّر، وإنّما المراقبون هم الذين تغيّروا.
التلفزيون والحرب
في بداية العام 1975 اتخذت "شركة التلفزيون اللبنانية" و"تلفزيون لبنان والمشرق" قراراً بالتوقف عن تصوير برامجهما بالأبيض والأسود، والتحول كلياً إلى التصوير بالألوان. في العام نفسه اسودّت الصورة، ودخل لبنان حقبة تاريخيّة جديدة هي حقبة الحرب الأهلية. تعاطت نشرة أخبار التلفزيون المشتركة بحذر مع أجواء الحرب المستجدّة، وبقيت تحت سقف البيانات الرسمية الصادرة عن المراجع الأمنية. فحادثة بوسطة عين الرمانة، مثلا، التي أطلقت شرارة الحرب في 13 نيسان من العام 1975، وردت خبراً أمنيّاً سريعاً من جملتين في نشرة الاخبار. أمّا حوادث القتل على الهويّة والمجازر وانقسام بيروت فمرّت مجرّد "حوادث أمنيّة مؤسفة" تعقب التقارير عن استقبالات المسؤولين الرسميين وتصريحاتهم المطمئنة. باعتماده هذه السياسة خيّب التلفزيون آمال اللبنانيين الذين تحوّلوا إلى الراديو لمعرفة ماذا يجري من حولهم. وفي تعبير عن حنق القيّمين على أخبار التلفزيون وعجزهم عن مواكبة الحوادث، لم يجد عادل مالك ما يقوله لمشاهديه في ليلة من ليالي القصف العنيف بداية الحرب سوى أنّ "الوضع كما تسمعون وكما تشاهدون"، جملة اختصرت عجز التلفزيون عن القيام بدوره الإعلامي والوقوف إلى جانب مشاهديه في وقت المحنة.
في آذار 1976 فرّقت السياسة ما وحّده الاقتصاد في العام 1972، وولدت نشرتان إخباريتان تعبّران عن الشرخ السياسي والطائفي الذي ضرب المجتمع اللبناني. أخذت النشرتان من محطتي الحازمية وتلّة الخيّاط متراساً لهما، واستمرتا تتقاذفان التهم باسم "شرعية الرئيس فرنجية" و"الحركة الوطنية" المعارضة له حتى انتخاب الياس سركيس رئيساً للجمهوريّة في نيسان 1976.
تلفزيون لبنان
راهن الرئيس سركيس على التلفزيون منطلقاً لوقف الحرب وإطلاق مسيرة السلام، ومنه بدأ مسيرته الرئاسية التوافقية. في بداية العهد انخرطت الدولة ومحطتا التلفزيون في مفاوضات مباشرة تحت وطأة حاجة كلّ طرف إلى الآخر. فالدولة كانت تبحث عن منبر إعلامي ينطق باسمها، إثر تراجع حضور الإذاعة اللبنانية الرسمية أمام فورة الإذاعات الحزبية غير المرخص لها، ومحطتا التلفزيون كانتا تبحثان عن حلّ ينقذهما من الإفلاس المحتّم، بسبب توقف الإعلانات وتعطّل عجلة الإنتاج. أثمرت هذه المفاوضات، بقيادة المدير العام لوزارة الإعلام شارل رزق، اتفاقاً على دمج الشركتين في شركة واحدة، تساهم الدولة بنسبة خمسين في المئة من أسهمها، وحمل المشروع اسم "تلفزيون لبنان". من دون احتفالات وحفلات تدشين ولدت محطة "تلفزيون لبنان" رسمياً في 30 حزيران 1977، ومعها دخلت الدولة شريكاً في الإعلام المرئي اللبناني للمرّة الأولى منذ نشأته في العام 1959. سلّحت الدولة المحطة الجديدة بحقٍّ حصري في البث لمدة 25 عاماً (حتى العام 2012) في محاولةٍ لقطع الطريق أمام قيام تلفزيونات تابعة للميليشيات المتقاتلة. حدّدت المراسيم التأسيسية رأسمال شركة "تلفزيون لبنان" بثلاثين مليون ليرة لبنانيّة (ما يعادل ستة ملايين دولار)، ونصّت على أن يتألّف مجلس الإدارة من 12 عضواً، ستة يعيّنهم مجلس الوزراء، وستة يمثّلون بالتساوي "شركة التلفزيون اللبنانية" و"تلفزيون لبنان والمشرق".
ارتبطت انطلاقة "تلفزيون لبنان" بوجهي رياض شرارة وكابي لطيف اللذين جهدا في زراعة البسمة والطمأنينة في نفوس اللبنانيين عبر إطلالات وبرامج، حاولت كذلك أن تعيد الروح الى الشاشة بعدما أصبحت مرفقاً عاماً وجزءاً من صورة "الدولة" وحضورها. في تلك المرحلة تحوّل هذا الثنائي الى رمز يذكّر بـ"الماضي الجميل" ويوحي بـ"المستقبل الأجمل". وقد استمرّ في ذلك حتى منتصف الثمانينات، حين هاجرت لطيف إلى فرنسا وغادر شرارة إلى "المؤسسة اللبنانية للإرسال" مطلقاً تجربة مهنية جديدة له، صنعت له أكثر من لحظة تلفزيونية لا تُنسى.
لم يكن النهوض بشاشة "تلفزيون لبنان" أمراً سهلاً. فقد ورثت المحطة الوليدة معدّات قديمة، ومبنيين متضرّرين نتيجة القصف المتبادل، ومصاريف سنوية ثابتة تقارب العشرة ملايين ليرة، بين رواتب الموظفين ومصاريف تشغيل البثّ. غير أنّ المشكلة الكبرى كانت سياسية في الدرجة الأولى، في ظل تراجع نفوذ الدولة واستحالة قدرة التلفزيون على إرضاء القوى السياسية وميليشياتها المتقاتلة، وقد أدّى فشل "تلفزيون لبنان" في التقريب بين هذه القوى إلى تهميش دوره الوطني وتحّوله إلى بوقٍ رسمي لسلطة عاجزة.
على صعيد البرامج الدرامية بدت الأمور أكثر سهولة على رغم الصعوبات الأمنية والإدارية، بفضل عقد وقّعته محطة "تلفزيون لبنان والمشرق" مع "تلفزيون أبو ظبي". نصّ العقد على أن تشتري المحطة الإماراتية سنويا 200 ساعة بثٍّ من المحطة اللبنانية (ما يعادل 16 مسلسلا طويلا)، على أن تدفع تكاليف إنتاج هذه الأعمال فور الموافقة على نصوصها، وتحصل في المقابل على حق عرضها الأول خارج لبنان. حرّك هذا الاتفاق عجلة الإنتاج وحقّق للتلفزيون مردوداً مالياً مكّنه من الإستمرار بأقلّ قدر ممكن من الخسائر. لكنّ هذه الأعمال المعدّة لتتناسب وذوق الجمهور الخليجي، أشعرت مجمل اللبنانيين بالغربة وهم يشاهدونها في الملاجئ وعلى "بطاريات السيارات" نتيجة عدم انتظام التغذية بالتيار الكهربائي. كان على "تلفزيون لبنان" أن ينتظر خمسة عشر عاماً ليعرف عصره الذهبي الأول!
من كتاب، عنوانه
"أسعد الله مساءكم"، لزافين قيومجيان، يصدر قريباً لدى "هاشيت أنطوان".
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
نبض