يحاضر بعض اللبنانيين وبعض السياسيين الذين كان لهم، منذ أربعة عقود وبخاصة منذ عام على خلوّ الرئاسة من رئيس، "الفضل الأكبر" في ما وصلنا اليه، وفي معالجة مشاكل الوطن والحالة المستنقعية التي وقعنا فيها، ويصفون بعض الدواء الذي يصيب المرض، في بعض أنحائه، فلا يكون قاضياً عليه شاملاً وسريعاً، لسبب بسيط هو: ان معظم مشخصي أمراضنا والناصحين "الوطنيين" بمداواتها يُغرقون المعالجة الوطنية العملية القانونية في بحر من النظريات التي يتقنونها ولا يعملون بها أصلاً، وفي أهداف شخصية لا أخلاقية وطموح تكسّبي وأجندات خارجية يتبعونها. لذلك لا يزال الشرخ يتنامى واسعاً وكبيراً بين: مَنْ مدّدوا لأنفسهم لتولي أمرنا، منذ آخر ثقة منحناهم إياها، ولا يزالون يتفرجون على الدولة والوطن، ينازعان، وبين المواطنين الأبرياء المخلصين الطامحين الى دولة شبه مثالية يؤمنون بتحققها ترفع عنهم نير الاسترهان لسياسيين شوّهوا التمثيل والقوانين الانتخابية وجعلوا المواطن خادماً لهم في ديموقراطية مزيفة فقدت جوهرها، وخصوصاً ان المواطنين قد تعرفوا الى نموذج من الحكم قابل للتحسن منذ خمسين سنة، مع الراحل الرئيس فؤاد شهاب، وهم يحاولون المستحيل، كل أربع سنوات، لاسترجاع ما عرفوه في نضالهم ضد قوانين جائرة، لاحياء الحياة السياسية وتجدّدها، قبل ان تُنحر ديموقراطيتهم بتعديلات الدستور وكسر التقليد وطعن الميثاق واختراع التمديد ومصادرة ارادة اللبناني الحرّة. كل ذلك، لينسوا اللبناني حقوقه ولينشئوا دولة على حجمهم "الاخلاقي": الاقطاعي والمحدلي والطائفي والمذهبي والصفقات. ويصادروا حقاً مقدساً كان سيره الطبيعي والزمني، لو تمّ، لقضى على تأبدهم في مراكزهم، ليعيد الى لبنان: تنوعه ووحدته واخلاقيته وجوهر سيره الحر الديموقراطي وتداول السلطة في هذا الشرق: الجاهل الممذهب الشرس الذي اغتالته، في ساعة تخل وتخلّف دولة ذكية جنّدت عدداً من دول العالم، وفرضت عليه خلال سنوات خمس، معركة وجود وغريزة بقاء، في حرب استباقية، ملغومة التبرير، وفرّت على هذا العدو حروباً وخسائر وكوارث منفردة مع كل دولة وفي أزمنة متباعدة، إذ لو وقعت هذه الحروب في المستقبل لكانت، ربما، على العرب، أقلّ مرارة ويأساً وجاهلية وفقراً وحقداً واستنزافاً وخراباً، واجراماً بحق الحضارة والانسانية والاخلاقية.
منذ مدة حاضر "روب ريمان" مؤسس معهد ناكسيس الدولي، في "بيت المستقبل" في بكفيا – ذاكراً ان ثقافات اليوم تنكر طبيعة الانسان وحريته وقواعد الحياة، والامتياز الذي يسعى اليه. وهذه القواعد أو القيم هي: الحب والصداقة والحرية والحقيقة والجمال والعدالة، وزاد ان كل عمل ممتاز صعب وفريد. هذه الثقافات همها: القضاء على حرية الانسان وحب التفوّق، وتنمية روح الطاعة لديه. وشدّد على الكرامة الانسانية التي هي بمثابة الروح لدى الناس داعياً الى تمرين الذات على الحوار المنفتح والتلاقي مع جماعات من خلفيات مختلفة، وان الوضع الراهن يعمل على إقصاء النخبة الفكرية والثقافية في المجتمع، وتمكين نخبة بديلة هي: جماعة المال والسلطة والاعلام، والأقوى فيها هو مَنْ يملك أكثر.
ما أصدق ما ورد أعلاه في وصف حالتنا، ويجدر بنا التأمل فيه والاعتبار به لأن الحل لن يكون إلاّ في: آخر الدواء الكيّ.
إن الوضع الراهن الذي نعرف تفاصيله منذ سنوات: في التشريع المتباطئ، التمثيل الزائف والتمادي في عدم إقرار الموازنات، وتأخير دراسة قانون جديد للانتخابات واقراره، وعدم انتخاب رئيس للجمهورية، يحتّم اللجوء الى ايمان كبير بان هذه الايام السوداء تستحق ثورة مليونية جديدة لا تقل أهمية وتأثيراً عن "ثورة الأرز". أهدافها الجديدة: تجديد الهيئتين التشريعية والتنفيذية والتعجيل في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ومعالجة جذرية لتحقيق طموحنا الوطني في السياسة بوجوه جديدة ومرشحين جدد والتخطيط للمستقبل "فمن جرّب المجرّب كان عقلو مخرّب".
- على كل مواطن يهمه مستقبل الوطن ان يتداعى الى الانخراط في الجمعيات والروابط والحركات الديموقراطية راعية الحريات وثقافة القانون والتجديد، التي تناضل منفردة ومتفرقة بتأثير ضعيف، على أن تنتظم في أقرب وقت، وفي زمن واحد بحركة أرز جديدة مستمرة حول البرلمان معلنة أهدافها ولا تتوقف إلا عند إقرارها انطلاقاً من أن الشعب مصدر السلطات، وهي: إقرار قانون انتخابي جديد قبل انتخاب رئيس للجمهورية، وذلك بمعاونة اللجنة التي كلفت برئاسة الوزير بطرس حرب وكل مَنْ له باع في دراسة قانون منصف يراعي حقوق الفرد المواطن وما اتفق عليه.
- بعد الاقرار وفك التجمع يصار الى انتخابات عامة تتجدد فيها الهيئة التشريعية التي يناط بها انتخاب رئيس للجمهورية، بوجوه جديدة تسمح بالاختيار والمفاضلة وتحقيق عصر جديد. ثم يصار الى تأليف حكومة وحدة وطنية تتولى أمور البلاد.
- ان هذا الاصلاح وهذه الشجاعة في التضحية والاجتماع والوحدة وفرض الحلول تأتي من ارادة اللبناني في التغيير، بعد هذه السنوات من الشكوى النظرية والتذمر بدون قرار حاسم، بعد ان يقدر عملياً قوته ورجوعه الى منابع الديموقراطية لأنه أساس الحكم، وهو المثقف الحرّ الوحيد في قلم الاقتراع يختار المرشح: الأعلم والأشرف والأجرأ، ليستطيع تأمين وطن له ولابنائه، وإلا: على الدنيا السلام، وسيطول ما نحن فيه اليوم وغداً.
نبض