"النهار" تشرح بالخريطة والأرقام نطاق التوغل الإسرائيلي والتهجير في جنوب لبنان

في مرسين حيث يعيش مئتا ألف سوري
Smaller Bigger

المدن التركية متاحة للسوري، هكذا تقول عيون الأتراك الذين يسيرون في الشارع، وهكذا تقول نخبتهم السياسية والاجتماعية. يمكن السوري أن ينتقي أيَّ مدينة على كامل جغرافيا بلاد الأناضول، لكن الأمر لا يصل إلى مرحلة الترف. فالسوري "الهارب" إلى تركيا لا يرغب إلا بأربعة جدران وسقف وكفاف يومه. الرخاء الحقيقي عندما يحصل على ذلك، وفوقه وصلة تتيح له الوصول إلى صفحات ميديا المجتمع، الـ"فايسبوك" أو غيرها. عندها يتحول السوري إلى أوناسيس صغير يمارس ثورته كما يريد وبكامل بحبوحة الحرية الرقمية.


من دمشق إلى بيروت أولاً محطة صغيرة وموقتة. يتهم الفندق الصغير نفسه بأنه فندق خمس نجوم، لكن ما يظهر من تواضع الأروقة والغرف يؤكد أنه لا ينتمي إلى ذلك الصنف. يبدو أن لدى منطقة الأوزاعي فكرة خاطئة عن فنادق النجمات الخمس، لكنها كانت ليلة لطيفة أضفى عليها فرحاً موقتاً العرسُ الصغير الذي كان يقام على حافة نافذة غرفتي. اختلستُ نظرات قليلة من التجمع السعيد بالعروسين وهربتُ إلى السرير الصغير. لم ينس القائمون على الفندق أن يجهزوا الغرفة بكل ما يحتاجه نزيلهم من الصابون والمناشف والأغطية، وكذلك سجادة الصلاة وسهم كبير يشير إلى اتجاه القبلة، وعلى سبيل الزيادة في التقوى كان هناك قرص رملي صغير عليه طبعة التربة الحسينية.
موظف الجوازات اللبناني متجهم الوجه يختم على ورقة الجواز بعد أن ينظر في وجه المغادر. النظرة تتحول إلى سهم من الشك، إن كان المغادر سورياً، لتتذكر أن اللاجئ غير مرغوب حتى بمروره من هنا. تنبعث، عفوياً، في رأسك الإحصاءات الرقمية لمنظمات الأمم المتحدة التي تشير إلى وجود مئات الألوف من اللاجئين السوريين والفلسطينيين على أرض لبنان الصغير، لتعطي عذراً إلى نظرات الازدراء أن تمر من خلال قلبك من دون أن تترك حقداً على شعب هذا البلد، لكنها لا تستطيع إلاّ أن تثير في النفس حزناً يميز حياة اللاجئ عن غيره من الناس. المهم أن الجواز يُختم في النهاية، ولا تلبث الطائرة أن تلفظك في مطار اسطنبول حيث "جيوش السوريين" تقف على شكل صفوف طويلة متعرجة لتصل إلى عامل الجوازات الصارم والسريع. صالات المطار خالية تماماً من صور أردوغان. وحده العلم التركي الأحمر يسيطر بأحجام ضخمة على المشهد، يطل من السقوف والجدران ويخيم على رؤوس الجميع. يتسلى الواقفون بصبر نافد في الصف، بالنظر بعضهم إلى بعض نظرات "تطبيق" أو عتب أو حتى استغراب، تتبخر كلها بمجرد الدخول خلف الحاجز الزجاجي إلى "الجنة" التركية.
قبل الوصول إلى مرسين كان لا بد من ركوب طائرة ثانية، والنزول بمدينة أضنة كمحطة إجبارية. يقترن اسم أضنة باتفاق يلحّ على التاريخ، رفض بموجبه إينونو طلب تشرشل دخول تركيا في الحرب ضد ألمانيا. ترك إينونو اسطنبول وأزمير وأحضر تشرشل إلى أضنة ليقول له: "حبيبي لن نشارك في الحرب".
طائرة صغيرة وركاب محليون بعضهم ذوو مظاهر ريفية، يملأون الطائرة عن آخرها. يصعب قطع مسافة ألف كيلومتر في السيارة ويرغب الكثيرون تحمل "أخطار" الطائرات لاختصار زمن السفر. في مطار أضنة الصغير يجب أن تنتظر حقائبك الآتية من بيروت مباشرةً وليس من اسطنبول، كما هي حالك أنت "الانسان". في وسط ساحة المطار الخالية، يمكنك أن تتابع الإجراءات من خلال زجاج الصالات، فعربات نقل الحقائب تتقدم ببطء كعربات القطار، والسير المطاطي يتحرك مُصدراً جلبة عالية، والحقائب تتقلب فوقه منتظرةً من يحملها. تحركت كوكبة المسافرين سيراً على الأقدام إلى مبنى المسافرين. بحثتُ عن وجوه تنتظرني. ذهب الجميع. حتى مَن أضاع حقائبه، أسقط في يده ورحل. بقيت وحيدةً مع شرطي الحراسة. ابتسم وابتسمت. كلّمتُه بالعربية فهزّ رأسه. كلّمتُه بالإنكليزية، فهزّ رأسه بالطريقة نفسها. ثم تركني ليتابع العبث بسلسلة مفاتيحه.
كان قطار الحقائب يُصدر جلبة خفيفة بعدما أفرغ حمولته. قبضتُ بشدة على حامل حقيبتي وسحبتُها خلفي مستسلمة. الهواء في الخارج كان منعشاً وبارداً، كأنه خروج من حمّام بمياه ساخنة إلى الهواء الطلق.


ضياع في بلاد مندريس
بعدما فقدتُ الأمل من حضور صديقتي، التي كان من المفترض أن تنتظرني في المطار، أخذتُ تاكسي وقصدتُ بيتها بحسب العنوان الذي كانت قد أرسلته إليَّ. السائق الهادئ الذي يحمل ملامح تتارية يتعامل مع الشوارع بمقود محترف. يبدو أنه يعرف كل تفاصيلها. يتبرم من دون أن يفقد أعصابه، ويصرح بكلمات غير مفهومة عن همومه. الغيمة التي ينفخها حديثه داخل السيارة أنبأتني بأن هذا الرجل مستاء على رغم التقاطيع التتارية البريئة التي تميزه. يحاول الحديث في السياسة فتخونه العبارات عبر حاجز اللغة الكتيم، فيفضل الصمت مع هزات رأس عنيفة يعبّر بها عن حنق كبير و"وعي سياسي" ليس له حدود.
كما في كل المدن الساحلية، الشارع الأهم في مرسين يحاذي البحر. كأن الاسفلت قد عقد معاهدة حسن جوار مع ملوحة البحر. يقول لي السائق وهو يرسم بيده في الهواء شكل طريق: هذا شارع عدنان مندريس. يلفظ الاسم بحيادية كأنه لا يعرف أن ذاكرة غوغل الالكترونية تحتفظ بصور الأبيض والأسود لهذا الرجل وهو يُساق إلى الإعدام شنقاً. تقول الصفحات إنه خرج من حزب أتاتورك ليؤسس حزباً جديداً يتغلب فيه على حزب إينونو، رفيق أتاتورك، وهو إينونو نفسه الذي رفض طلب تشرشل. تتفاخر صفحات كثيرة بأن مندريس أعاد الآذان باللغة العربية وفتح بعض المدارس الدينية التي أغلقها أتاتورك ومَن جاء بعده، وشقّ طريقاً من تركيا إلى أوروبا بانضمامه إلى حلف الناتو. صور مندريس تحت خشبة الإعدام أكثر شهرة من إنجازه التركي. يُعاد الاعتبار إليه بإطلاق اسمه على شارع مهم في مدينة جنوبية تدعى مرسين يحاول السائق أن يمر به لأتمكن من معاينة أهم ما في المدينة.


غربة اللغة
سلسلة طويلة من المطاعم والأبنية المتوسطة الارتفاع معظمها مطلي بالأبيض، يختار السائق أحدها ويشير إلى مطعم يعتبره أفضلها ويبتسم مزيلاً عن كاهله كل آثار الغضب السياسي الذي استبد به وهو يقول "غوزال تشوق غوزال". ربما يتملص بهذه الطريقة من إيصالي إلى العنوان غير الواضح الذي قلته له، فنزلتُ إلى المطعم متفهمةً حالته. فاللغة التركية صعبة والأتراك في مرسين لا يجيدون لا الإنكليزية ولا الفرنسية. لا بد لك كـ"لاجئ" من قبول مواقف كهذه. في داخل المطعم لا تكاد تميز الوجوه. سحنات من كل الأنواع. لغط بالتركية، وهمهمة بلغة عربية خافتة، والطعام سيد الموقف. ينتقل العمال بأوعية فخارية يتصاعد البخار منها أو يحملون صواني ذات قطر صغير متخمة بالصحون الممتلئة بمواد خضراء وحمراء ولحوم معدة بطرق مبتكرة وشهية. اكتفيتُ بكأس صغيرة من الشاي. كان الجو بارداً لكن انكماش الجسد والتكور ضمن الثياب، يجعل مهمة البرد صعبة بوجود الشاي الساخن وورقتين من أوراق النعناع المرافقة تضفي على كأس الشاي مظهراً سلطانياً فاخراً.
استطعت بعد جهد أن أتوصل إلى استعارة هاتف من أحد نزلاء المطعم. أخرجتُ من جيبي ورقة صفراء كنت قد سجلتُ عليها رقم صديقتي، فاتصلتُ بها وأعلمتُها بوصولي وذكرتُ لها اسم المطعم الذي أنا فيه، معاتبةً إياها على عدم حضورها إلى المطار. حدّثتني عن مشكلة جرت معها صباحاً حالت دون قدومها، وطلبت نصف ساعة إضافية لتحضر إلى المطعم وتصطحبني. نمتُ بعدها ليلة طويلة، استمرت إلى الساعة الثانية من بعد ظهر اليوم التالي، عندما أيقظتني يد صديقتي التي بدت مستعجلة لتأخذني إلى السوق وتريني بعض المشاهد المميزة في مدينة مرسين التركية.


سيتي سنتر أم فوروم؟
خابت آمالي عندما وجدت نفسي معها في مول كبير يدعى فوروم "forum". المولات هنا في هذه المدينة المهملة ظاهرة طبيعية جداً وهي أكبر حجماً وأكثر تخديماً عن "سيتي سنتر"، المول الوحيد الذي كان موجوداً في كفر سوسة بقلب العاصمة دمشق، والذي كان تقصده الطبقة المخملية في سوريا بسبب ارتفاع أسعاره. كان المول صرحاً ضخماً يضاهي في حجمه حجم أحزاني، لكنني توقعت أن أشاهد معالم أكثر تميزاً لمدينة ساحلية قديمة كمرسين. الإطلالة من الأعلى على جامع أثري كبير ورؤية كلمات عربية تزين واجهات المحلات في المول، استحضرتا من ذاكرتي صوراً لمحلات الصالحية، أو شارع الحمرا، وتذكرت على وجه الخصوص دكاكين سوق الحميدية في الشام الذي أنشئ في زمن العثمانيين. لكن تلك المقاربة كانت مجحفة للعقل. فالمكان هنا مختلف أفقياً وشاقولياً، إذ من الصعب أن تنسى أنك الآن هنا في مرسين التركية حيث يقيم أكثر من مئتي ألف سوري.


المتسولون إلى المخيمات
بعد مرور ثلاث سنوات على لجوء السوريين، اختفت من مرسين مظاهر المتسولين الذين يملأون الشوارع، أو أصبحت نادرة، بعدما نُقلوا جميعاً وبالقوة إلى المخيمات المقامة لهم على الحدود السورية التركية، حيث انتظار الخبز والمعونات وكاميرات الفضائيات. لكن المشهد لا يخلو من بضعة أطفال استطاعوا الإفلات من يد البوليس التركي و"زيّنوا" بعض مفارق المدينة بثيابهم الملوّنة وأيديهم الصغيرة التي فعلت فيها شمس التشرد فعلها، لكنها لا تزال تحمل وروداً أو قطع بسكويت قليلة يمدّها الطفل أمام المارة ليستجدي. على الجانب الآخر يتعاطى التجار وأصحاب البيوت الأتراك بإيجابية أكبر مع المستأجر السوري. الابتسامة والمزاح باستجماع شتات ما يعرفونه باللغة العربية أو الانكليزية، ومحاولة تقديم المساعدات، ظاهرة موجودة بكثرة هنا في مرسين، يعامَل بها السوريون أصحاب رؤوس الأموال، الصغيرة منها والكبيرة.
بعض تجار حلب والشام واللاذقية استقروا هنا وقصدوا "المولات" والأسواق الكبيرة والصغيرة واستأجروا بيوتاً بعقود سنوية كأنهم قد فقدوا أيّ أمل، أو رغبة، بالعودة إلى الوطن. لا يخلو الأمر من شعورهم بالغبن الدائم وبأنهم لا يستوفون حقهم من الباعة وأصحاب المنازل. شارع كبير في سوق "تشارشيه" يدعى حارة "اللوادْءَة"، تسمية قديمة أطلقت عليه لكثرة ساكنيه من أصول لاذقانية لا يعرف الجيل الحديث منهم من اللغة العربية إلا كلمتين أو ثلاثا. في مرسين أيضاً شارع يدعى "كرد علي" معظم سكانه من الأكراد يتكلمون بلغتهم الكردية ويقيمون أفراحهم ونشاطاتهم هناك. في القرب منه بلدية يترأسها أكراد أيضاً لهم نشاطات غير مرضي عنها من حكومة البلاد لكنهم منتخبون وسلطتهم قائمة ويمارسون أعمالهم على أكمل وجه.
استطاع بعضُ السوريين من أصحاب المهن اليدوية (نجارة، حدادة، طهي)، الحصول على عمل، كل في مهنته، حتى لو بأجر قليل نسبياً. أما الجامعيون وأصحاب الشهادات العليا، فحزموا حقائبهم وغادروا، قاصدين أماكن أخرى، بعدما أصابهم اليأس من الحصول على عمل لهم في مرسين.


شمال سوريا جنوب تركيا
على رغم كل الصعوبات، فالعيش في الجنوب التركي على ضفاف المتوسط، على مقربة من الحدود السورية، له شيء من الحنين، وربما هو تمسك ضمني بالجغرافيا التي لفظت أبناءها. لكن الحنين يخفت مع وطأة الضغوط على السوري الذي تزداد لديه الرغبة بعبور هذا المتوسط في اتجاه الشمال الأوروبي. أخبار غرق القوارب البدائية وفظاظة التعامل مع حرس الحدود وكثافة الجثث الممددة على الشواطئ، لا تنقص من حدة الرغبة لدى السوري بالوصول إلى أوروبا، فيعتقد أن هذه المشاهد هي استثناء يثبت قاعدة، مفادها أن معظم من يركب البحر نحو الشمال سيصل، والله هو الموفق.
تتكاثر الأحاديث هنا في مرسين عن قصص وصول طريفة وغرائبية وتنعقد الحلقات الواسعة في المقاهي، حيث يتم تبادل أرقام هواتف المهربين وطرقهم وأوصافهم، ولا يخلو الأمر من تحذير من النصابين مع التذكير دائماً بالاستقرار السعيد (يعني قد ما تعذبت، بالأخير تكسب نفسك وعائلتك).


وأخيراً...
ينتظر السوري المرهق ويوغل في الانتظار بعد أن يقع ضحية نصّاب يدّعي أنه مهرّب، ويملّ زوايا مكاتب الحوالة في انتظار نقود، غالباً لن تأتي، ويزيد في صعوبة وصولها قانون غير رسمي يمنع السوري الذي لا يملك تذكرة إقامة من استلام أي تحويل مالي من طريق "الويسترن يونيون"، هنا في مرسين حيث يقاطعك موظف البنك أو البريد عندما يسمع لهجتك فيقول "سيستيم يوك". يعني أن نظام التحويل متوقف، فتحتاج إلى كفيل تركي أو وسيط سوري لديه الكثير من العلاقات حتى تحصل على نقودك فتلعن كل شيء، ثم تستغفر الله وأنت تستجدي نهاية حرب قال عنها رئيس أكبر دولة في العالم: إنها طويلة وشاقة.

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
"تبدو وكأنك تقول: يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بعد أربعة أمتار ونصف فقط من رأسي"
لبنان 4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان