قصف غزة مستمر... الأونروا: الأوضاع تتدهور يومياً

25-02-2015 | 23:21

مسرح - "ألاقي زيّك فين يا علي" للينا أبيض أغنية دلع أم رثاء شهيد؟ رائدة طه ممثلة بارعة احتوت نساء ورجالاً في امرأة واحدة

مسرح - "ألاقي زيّك فين يا علي" للينا أبيض أغنية دلع أم رثاء شهيد؟ رائدة طه ممثلة بارعة احتوت نساء ورجالاً في امرأة واحدة
Smaller Bigger

عرض مثير على خشبة "مسرح بابل" لم يحتج لأكثر من امرأتين ليفعل فعله في النفوس الآتية، لمشاهدة نبذة من حياة فدائي فلسطيني، علي طه، مات قتلا العام 1972 مع رفاقه في مطار اللد إثر هجوم بطولي على طائرة "سابينا"، على رغم هذا الطقس العاصف الذي لم تسترح أمطاره لحظة واحدة.


امرأتان، الأولى رائدة طه، إبنة علي، كاتبة قصة هذا الوالد، وما كان حوله آنذاك من زوجة وأربع بنات وعمّة ومجتمع فلسطيني رثائي، يتغنى بفخر واعتزاز بكلمة شهيد، ترويها على نسق الحكواتي الوارث تقاليد الشرق، بالتعابير التي تشد المستمع وتمنعه من السهو لحظة. أما الثانية فلينا أبيض مخرجة هذا العمل القائم على الذاكرة، جالسة على بعد من رائدة تطعمها من أسلوبها الرائع في تقطيع الذكريات، حتى يظل الخيط بين الراوية- الممثلة والجمهور، عالقاً تستثيره هذه الفنانة بمواهبها التمثيلية، من دون أن تفقد السيدة الجميلة بفستانها الأزرق وشعرها الأشقر المنسدل كسنابل القمح، ذرة من أنوثة المرأة وكيانها.
في مستهل الأمسية شكرت لينا أبيض الحضور الكبير الذي تحدى الرعد والزمهرير آتياً إلى هذا الحدث الفني- التاريخي من عمّان ودبي وكامل المناطق اللبنانية. وقبل أن تضاء الخشبة لاح لنا طيف رائدة تتخذ مكانها على الكنبة، الديكور الوحيد لهذا العرض المكتمل بين الحين والآخر بمشاهد من صور وتصوير على الشاشة لا تطول حتى لا تنوص الانفعالات المحرّكة سيلاً من العمر مذ فقدت إبنة السابعة والدها. رحل علي وترك لزوجته أن تتدبر أمور العائلة، وصفة زوجة الشهيد ملتصقة بها. أدوار بطولية كان على البنت الكبرى أن تقوم بها، وليس في بالها سوى غياب الأب واليتم والحرمان بالرغم من إلأحاطة الأبوية التي غمر بها "أبو عمار محرّر فلسطين"، عائلة الشهيد: "كان يرفعنا أنا وشقيقاتي إلى ركبتيه ويقول لنا يللي يرشكن بالمي ارشه بالنار. كلام لم يدمل جراحا، فجوهر وجودنا وجدته محطّما فيّ".
الدراما العائلية كتبتها رائدة طه بفن روائي مطعّم بالفكاهة التي تبرع بحياكتها في مادة واحدة مع الأسى والحزن. لقد علّمتها هذه التجربة الأليمة، وما جاء بعدها من تبعات، وشعارات زائفة، ألا تضيع في الألقاب والنعوت، والبطولات البعيدة عنها. لعل الدرس الأول الذي حفظته من تلك المتاهات، كان في ما تعرّضت له "بنت الشهيد" من محاولة أحد الفاعلين مع أبو عمار، لاغتصابها: "كنت في الثانية والعشرين، سكرتيرة في مكتب ياسر عرفات، اغتنم هذا الرجل وجودي بمفردي في المكتب لينقض عليّ. صراخي، مهددة إياه بالفضيحة، جعل هذا الحقير يعي فعلته ويهرب. ابدى أبو عمّار اهتماما لما جرى ووعد تأديباً، لكن الجريمة لم تعاقب. وحتى اليوم أعاتب نفسي لأني لم أواجه هذا الدنيء وأنتقم بنفسي لما حدث لي".
رائدة طه، وإن أعادت إلى الخشبة سيرة علي طه بوقائع شائكة، تعود إلى سن الصغر حين كانت بنات الشهيد يتلقين الهدايا لمناسبة الأعياد من محرّر فلسطين، وبإشعار منه فتح المجال لأبناء الشهداء بالسفر، ما جعل سمسم، رفيقة رائدة، تتمنى أن يستشهد والدها حتى تشفى من الغيرة الأكولة وترحل مع اليتامى. ويوم قتل والدها في عمل فدائي، وهرعت الجماعات للعزاء، كانت سمسم في غاية السعادة. فوالدها الشهيد لبى أمنيتها.
بسخرية ذكية فتحت باب الذكريات، وحيدة على المسرح، في هذا الكم من الذكريات، من دون أن يتطفّل فراغ أو ملل. ممسكة هي بعافيتها الحكواتية، الظريفة، بقصةٍ دُعينا من كل مكان للمشاركة فيها بالدمعة والابتسامة. فالتمثيل موهبة تغذيها كلما جمعها العمل المسرحي مع لينا ابيض.
معا حققتا حتى اليوم ثلاثة عروض مسرحية: "ثمانون درجة" للكاتبة عليا الخالدي و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني واليوم "إزاي ألاقي متلك يا علي".
الواقع بإثاراته يبدو كالخيال، فكيف إذا كانت رائدة تروي مغامرة عمّتها سهيلة الأميّة الواصفة إياها بأنتيغون القدس، تقرع باب كيسنجر بهجومية جريئة، تطلب منه "اليوم قبل بكرا" أن يفك الحصار عن جثمان الفدائي علي طه القابع في الثلاجة منذ سنتين: "الأموات عندنا يدفنون يا كيسنجر". هذه المرأة كما ترويها رائدة، مقلّدة كلماتها وتعابير وجهها، نذرت ألا تنام وألا يهنأ لها عيش، ما دام أخوها في ثلاجة إسرائيلية.
"ألاقي زيّك فين يا علي"، من أغنية شعبية مصرية إلى رسالة حب من سهيلة العمّة إلى شقيقها، بعثت بها إليه في ختام المسرحية بغنائها الحدائي المؤثر.
فتحت رائدة دفاتر العائلة الحميمة وكسرت هالة الشهيد وعرّتها من أساطير البطولة، فيما البطولة الحقيقية هي لأمها وعمّتها، وإن لم يسمع أحد عن بطولاتهما شيء.


[email protected]

الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني