البحث عن نصّ بمكرٍ مفتعل
قبل أن يتقدّم الظلّ في ذروة القيلولة، يقدح أرقه بحجر الصمت. من الجائز أن يمضي هذا اليوم، في قراءة ما تبقّى من حياته الشخصية. أغلقتُ الباب، غسلتُ الساعات الجاثمة على صدري، وقرّرتُ التحليق إلى أعلى، نحو سقوفٍ مكرّسة للغيم. عادةً، لا أكون سعيداً في مثل هذه الحروب الصغيرة. ليس خطئي، لو كنت متهوّراً إلى هذا الحدّ، متهوّراً في سرد الحكايات بقليل من الاحتشام، في نصْب شراك الوحشة أمام المارّة، في البحث عن نصٍّ جديد بمكرٍ مفتعل، في جلب الشتاء بحركاتٍ رذيلة. كنت أداعب الأمل معصوب العينين، ثم أنظر من ثقب في الغرفة إليه، من دون أن يكسو الاحمرار وجهي. ذلك ما يمكن تسميته مغامرةً، في ما أظنّ. بالتأكيد، كان ذلك مشهداً من نعاس الظهيرة.
حسْبُ الهزيمة أن تتشبّه بي، أن تغطّي الدنيا بزبدها، بلجّةٍ لا تضاهى، باعتناق مفارقةٍ تاريخية من دون دعم خارجي. تصوّرتُ العالم على شفير النعاس: حياة، مقابل الكتابة، الذهاب للتسوّق وأنت على عتبة الدار، الطيران، من دون قيد خفيّ. هذا، ربما ما غفوتُ لأجله الساعة الثانية بعيد الظهر.
* * *
القُبَل الكاسدة في القصائد
وسواء، غسلتها بالطهور من الماء، أم عفّرتها بالتراب، سوف تبقى الغواية تنتحل الورع بوقاحة. لن تقبض أبداً على ظلّك المستاء من شغفه الجحيمي، الشغف العاكف على المصادفات الإباحية، الحافل باليأس المهذب. في آخر الأمر يسيء العاشق إلى أصابعه، ويسقط ضجراً في عثراته.
حسبك من ذلك، أثر الخذلان عقب تفرّق سعاة البريد. حسبك الألم عذْباً صائغاً يتدحرج في جوفك. حسبك الذكرى الخادشة للحياء، الذكرى التي تتقمّص ثياب المجاز. إنها في انتظارك كالمعتاد، ضيّقٌ بابها، ومقعدُها شاغر لم يُمَس، ينذر بفحشٍ وشيك، يتقرّب إليك كلما عفوت له عن ذنب، كلما كنت به أرحم من عطش المتاهة، من فتنة الإطراء، ولهاث المكيدة.
لكلّ امرئ مقام يهرّب البرق إليه، نزق يحرّض الإثم الأجاج، يقين تنزع الهداية أظلافه. لليقين أفكار شاذة؛ يضرب بعصاه الحكاية، فتنفجر اثنتي عشرة غربة. لن أشفق عليه، على الرغم من نبرته التي تشي بسعادة منتظرة. طالما كان اليقين يستعرض مهارته المستفزّة، ما يجعلني أتوسّل للعدم، أن يشتّت شمله، ويفسد عليه البهجة في استعادة فخامته الهزلية. هو ذا، يستدرجه ليتذوّق طعم المجازفة، طعم المصائد الأكثر حموضة من فراش المعنى، طعم القبل المتهدّجة الأنفاس، القبل الكاسدة في القصائد والأرصفة.
* * *
ما يكفي من المروءة
بأيادٍ صدئة، يفتّشون عن فوانيس، كانت تنزع الغشاوة عن قوتهم، عن نساء تحت الهدم، عن نهايات غامضة يمكن أن تنطلق من أيّ قصيدة، عن ريح مجهولة تتصاعد أسرارها في السماء.
كان ذلك عندما طاردوا مصائرهم، المصائر التي لا تعدل رائحة الرغيف، ولا تساوي أغنية شعبية. عليَّ أن أرقص مرةً واحدة على الأقلّ، أن أتتبّع الهاوية، والذكريات أيضاً، الذكريات الماهرة في اغتصاب العزلة، في فتح الشبابيك المحرّمة، في التبرّج بثيابها العاهرة، في جرح الحنين بعد منتصف الليل.
لم يتربّص أحدٌ بي. سأفتح باب الفجر بيدي اليسرى. لا يزال الفجر نشيداً منسيّاً. أيتها الضوضاء المأجورة، أيتها المياه الملعونة: أيّ مرتزق اقتادكِ نحو هذا السرداب الفردوسي، أيّ مصائد أفضتْ بك إلى مجزرته الناعمة؟!
حسناً، لديك ما يكفي من المروءة، لإعادة ترتيب المشهد. هناك، آخر هذا الحافل بالزرقة، صيّاد يتلوّن بالحمرة القانية.
نبض