بعض الكتب يحمل الناقد على اللجوء إلى الإلتواء، فتأتي لغته شبيهة بلغة الكاتب، إذا كان في كتابه قدر من الغموض. نقرأ كتب شعر يكتنفها جنوح غير مألوف، وتجسيم لأشياء يستحيل تجسيمها، فيأتي الناقد، ويضفي مزيداً من الظلال، مستخدماً كلاماَ عاماً، يصح قوله في أي كتاب مماثل، من غير سعي جدي رصين لجلاء شيء من الصور الخفية!
بين يديَّ كتاب عنوانه "فرس الكتاب" للشاعر نعيم تلحوق، اقتنيته في معرض بيروت للكتاب. وجدتُ الديوان غامضاً، ووجدتُ الشاعر غير آبه للإفصاح عن أفكاره وأسراره وخواص نفسه. هكذا بدا لي في البدء: صور ودلالات، لو أردت التزام التقليد وقواعده وموازينه لطرحتُ الكتاب جانباً، كما أطرح الكثير من كتب الشعر الحديث التي تعجّ بها المكتبات، وتمتلئ بها معارض الكتب. لكنني قلت في نفسي: لا تلتزم التقليد الذي اعتدت عليه، امضِ في قراءة "فرس الكتاب" واترك أمرك إلى "آلهة الشعر"، فقد تفتح ما قد يستغلق عليك فهمه، في رحلتك في فضاء هذا الشاعر وخياله المجنح.
قرأتُ الكتاب. قرأته غير مرة، ورافقت الشاعر في عالمه الأثيري حتى تعبت. صبرت وجالدت، ثم ظفرت بما لم أكن أتوقع، لا لأنني لم أكن أحسب نعيماً شاعراً، بل لأنني وجدت أنه أشعر مما ظننت. أعرف أنني أكسر موازين التقليد بهذا الكلام، وقد أغضب بعض من لا يرى في قصائد النثر إلا السخف والتجني الهجين على اللغة وتراكيبها ومعانيها، لكنني مضيت، وأقول، والقول إجمالاً، إن نعيم تلحوق شاعر قاسٍ وحميم في الوقت نفسه، في جملته موسيقى ورونق آسر.
لا أقول لنعيم تلحوق وللقارئ أين اجتزت في فهمي معانيه، وأين تعثرت (وأنا أعاني الكثير مع قصائد النثر)، فقد وجدت أن ذلك ما عاد بالأمر المهم على كل حال، وتذكرتُ يوماً كنت فيه في مكتبة في لندن أقرأ "الكوميديا الإلهية" لدانتي، بلغة الكتاب الأصلية. لم أفهم من "الكتاب" أكثر من عشرة في المئة، نسبة ما أعرف من كلمات لغات مشابهة، لكن ثلاثين عاماً أمضاها دانتي وهو يكتب ذلك السفر النفيس لملهمته بياتريشا التي رأها مرة واحدة في حياته، كانت كافية ليبث في كوميدياه تلك الموسيقى العذبة الرقيقة الرائعة. هكذا شعرتُ وأنا أقرأ دانتي بلغته التوسكانية، وهذا ما أشعر به ساعة أقرأ شاعراً مثل أدونيس، أو بدر شاكر السياب، أو يوسف الخال، وشعراء وشاعرات آخرين، وهذا ما شعرتُ به وأنا أقرأ نعيم تلحوق.
لست من الغلوّ بحيث أقرن نعيم تلحوق إلى شاعر فلورنسا الخالد العظيم، لكن الذي أريد قوله إني لم أفهم مقاصد الشاعر في بعض القصائد، مع ذلك أحببتُ فيها الانسياب الموسيقي الجزل، الذي نحسّه متى قرأنا شعراً آسراً، حتى لو لم نقف بالضرورة وقوفاً كاملاً على معاني الشاعر. ألم نحفظ ونحن صغار قصائد كثيرة حلوة لم نع معانيها كما يجب؟ ألم يقرأ كلنا، أو معظمنا، قول امرئ القيس "مكرٍّ مفرٍّ مدبرٍ مقبلٍ معاً/ كجلمود صخرٍ حطّه السيل من عل". أليس هذا بيتاً من آلاف أبيات شعر قديم نجد فيها تطرية فنية وأنغاماً، ولو لم نفهم معانيها كلها؟ مهما يكن، فإن الغموض الآسر، يبقى أجمل من الواضح الثقيل السقيم!
أقرأ في المقدمة قول الشاعر: "الكتاب ذكر لأنثى هي الأرض البهاء، فلا أظنها واجدة نفسها إلا بمقدار. هكذا هو العالم، صريع خوفه وانتهائه، والانتهاء كنز لا يعرفه إلا الأتقياء"، ثم أدرك السبب وراء اختيار الشاعر فرساً لكتابه، إنها الأنثى للكتاب الذكر. أفهمه يقول لنا إن الذكر لا يكتمل إلا بأنثاه، ولا تكتمل الأنثى إلا بذكرها. الأرض عنده لا معنى لها إذاً، من دون الكتاب الذكر، ولا معنى للكتاب الذكر، من دون الأرض أنثاه.
يسير قطار المعاني عند نعيم تلحوق، ولا يتوقف إلا على محطات "الفواصل". ينفث دخانه من جديد ويتابع السير على سكة لا "نقطة" نهائية عليها، او كما في الأغنية "جدول لا ماء فيه". أسمعه يكتب: "حين تصيحين بي: "حبيبي"، أدرك أن الكوكب خسر وزنه، والمدى ضاعف جاذبيته". كل شيء عند الشاعر لخدمة المعنى. هنا مملكة الجمال اللامحسوس أيها الناس، حيث تتخلص الأرواح من أدران الأرض وتعتلي البراق في رحلة أبدية سرمدية نحو هدف لامرئي، ولا وجود له في مسافات الزمان والمكان، لكنه ساكن في خيال الشعراء، وفي خيال الشعراء وحدهم. لا ضير بعدها لو طالت الرحلة وشح السمع والبصر، وتراخت البشرة وتجعدت، وطفح الخد الأسيل بالندوب والبثور، ما دام الذي في الداخل هو الأساس. هكذا أفهم تلحوق الشاعر حين يكتب:
أشهد أن وجهاً قامر بي،/ وأنا أركض خلف الملامح،/ أتسقط ما تبقى من كهولتي،/ لأسدل عفونة صباي،/ لم أكن أنا،/ حين لم يكن ركض سواي،/ سرقت من العمر ملحفة الوقت،/ فكبر في الطريق أناي...".
قلت في البداية إني لن ألتزم التقليد، وسأطرح قواعده وموازينه جانباً، وعليه، لن أشير إلى ما في الكتاب من سقطات مطبعية ولغوية، وأين وفّق الشاعر، وأين غالى في التجسيم، وهذه إن كانت تبعة، لا يتحملها الشاعر وحده، بل يتحملها معه الناشر أيضاَ. مهما يكن من شيء، في الكتاب جزالة تشفع للمؤلف هفواته القليلة، وخصوصاً أنه يخبرنا في التصدير "إن لغة الشعراء ليست إلا الصمت الذي يستولد الكلام، ويوجز قضية المعنى".
فلتسقط القواعد والموازين كلها إذاً، ففي النهاية لا شيء يبقى إلا الصمت!
نبض