أقام الجورجي غيورغي أوفاشفيلي على "جزيرة الذرة" (الذي ورد على القائمة القصيرة للأفلام الأجنبية المرشحة لـ"الأوسكار")، على صغر مساحتها، عالماً سينمائياً مدهشاً يحاكي العلاقة الشديدة التعقيد بين الطبيعة والإنسان.
باقتصاد شديد على مستوى الحوار، الى درجة يبدو فيها منجزه الروائي الثاني أقرب الى الأفلام الصامتة، قابل الصمت غنى لافت على مستوى الصورة وجمالياتها بما وفّر لفيلمه المناخ الملائم الذي سعى من داخله الى عرض التفاعل الناشئ بين العلاقات الآدمية على تلك البقعة الضيقة من خلال رجل عجوز وحفيدته جاءا اليها من مكان ما! في أرضها، زرعا الذرة في الموسم الذي يسبق فيضان نهر إنغوري الجارف. حولها وعلى ضفاف النهر، باعتباره المنطقة الطبيعية الفاصلة بين إقليم أبخازيا وجمهورية جورجيا، كان يجري حراك غامض لدوريات نهرية وجنود، يشي بوجود صراع سياسي وعسكري بين الضفتين، تعمّد أوفاشفيلي إبقاءه ثانوياً، وترك بحثه والسؤال عنه لمشاهده. فحدود الجزيرة الصغيرة أُريد لها على يد مخرج بارع أن تمتد الى أبعد من مساحة الشاشة المعروضة فوقها، وأن تظل الأسئلة حول ما يجري فوقها وفي جوارها عالقة في ذهن الجمهور حتى بعد نهاية شريطه. أرادها أن تكون أسئلة مكملة لما اعتبره رئيسيّاً: العلاقة الوجودية بين الإنسان والوسط الذي يريد إخضاعه لشروطه، على رغم عناد الطرف الثاني وشدة عزيمته! يضم "جزيرة الذرة" في طياته عناصر متفردة تجعله فيلماً متميزاً، أهمها توظيف الصمت كقوة تعبيرية سينمائية شديدة التأثير، قادرة على إيصال هواجس الكائن البشري ومخاوفه من كل ما يحيط به من طبيعة قاسية وأطماع بشرية، من بين تجلياتها صراعات عرقية وسياسية. على المستوى التقني، تضافرت عناصر كثيرة، من بينها: المصور إليمير راغاليي وطريقة شغله المنتمي الى مدرسة التصوير الروسية العريقة وقوة تمثيل الياس سامان ومريام بوتورشفيلي، لتضعه بين أحد أهم أفلام هذه السنة.
منذ عرض فيلمه القصير "عين الشيطان" في العام 2005، لفت غيورغي أوفاشفيلي الانتباه اليه كمخرج سينمائي واعد، وبعد إكمال فيلمه الروائي الأول، "الضفّة الأخرى"، في العام 2009، ترسخ ذلك الانطباع. درس أوفاشفيلي المولود في العام 1963 العلوم التقنية ثم انتقل منها الى دراسة السينما في معهد الدولة للسينما والمسرح في جورجيا وأكملها لاحقاً في أكاديمية نيويورك للسينما. في بداية شبابه اشتغل في المسرح وكتب للتلفزيون برامج للأطفال، وأنجز في الوقت عينه مجموعة أفلام قصيرة شاركت في مهرجانات دولية ونالت جوائز كثيرة.
نبض