ثلاث سنوات وهو غائب وحاضر في آن معاً. لا أقوى على الشعور انه غاب، وأحاول التصديق انه لا يزال حياً، فأجد نفسي حائرة وضائعة بين الإيمان باستمراره، والشك في غيابه. بعد اغتياله صار جبران تويني أكبر بكثير من والدي. صار رمز لبنان وملك جميع اللبنانيين، فيما انا افتقد فيه اولاً واخيراً والدي.
ليس صحيحاً ان الزمن يشفي من المصيبة. ثمة مصاعب تكبر كلما تقدم الزمن حين يكون المفقود كجبران تويني. هو مفقود وليس فقيداً. لان كل ما فعله، وكل ما استشهد من أجله، لا يزال قائماً وحاضراً بقوة، اكثر من ايام حياته. ترك إرثاً ثقيلاً، إلى درجة يمنع معها على كل المؤمنين به، أي تخاذل، وأي تراجع، وأي ضعف، لأن كلّ ما قتل واغتيل من اجله لا يزال كما تركه. من السيادة والاستقلال والحرية، إلى اصغر تفصيل، واصغر قطبة، واصغر شأن عادي.
لم تعد الكلمات تكفي لاستذكار جبران تويني، وأشعر ان كلمة استذكار هي خطأ كبير، فكيف تتذكر من يملأ عليك حياتك، ويومك، وساعاتك، ويحركك ليل نهار بلا انقطاع ويدفعك في حيويته وايمانه بقضاياه، قضايا كل الوطن، وكل المواطنين، وكل الاحرار في لبنان والعالم، وكل الشباب بنبض الحياة والحرية، لأن تكون صورة عنه.
ولكن من يمكنه ان يكون صورة عن جبران تويني غير جبران تويني؟
انه أصعب بكثير من ان يُقلّد.
وأصعب بكثير من ان يكون امثاله مثله.
هو جبران في ذاته، في حياته واغتياله، ويستحيل ان يكون هناك من يملأ فراغ جبران، في السياسة وفي الصحافة وفي الإعلام، لأن جبران كان ظاهرة خاصة به كشخصيته تماماً وكأسلوبه تماماً. وأودع كل ما تركه في عنق كل لبناني آمن بخطه ومسيرته حين رفع صوته مجدداً بالقسم التاريخي في ساحة الحرية، ساحة الشهداء. ثم ذهب ولم يعد.
جبران رمز هذا القسم، وقد جسّده في كل حياته وفي رهانه على شباب لبنان، نتطلع إليه في السنة الثالثة لغيابه، ونحن أحوج ما نكون إلى الكثير من الصفات والمميزات التي كانت لديه، والتي نعترف بأننا لا نملكها. نحتاج إلى صلابته وإيمانه الذي لا يتزعزع بالقضية التي استشهد من أجلها، ونحتاج إلى جرأته التي تجاوزت كل الخطوط الحمر وقهرت الترهيب وهزمت التخويف، ونحتاج الى شجاعته التي هزمت حتى قتلته - المجرمين الذين عجزوا عن إسكاته فعمدوا إلى تصفيته بأبشع الصور.
ونحن في الذكرى الثالثة، ندرك تماماً ان جبران انتصر، وان دماءه لم ولن تذهب إهداراً، وان كل ما فعله وكتبه وقاله شكّل القَسَم الحقيقي لوطن لن يقوى عليه الجحيم.
في 12 كانون الأول هذه السنة، نرى لبنان ماضياً نحو قيامته الحقيقية، وكل جحافل الإرهاب والترهيب إلى الانهزام. هذا هو معنى شهادة جبران تويني الذي صار حضوره على مدى لبنان من الشمال إلى الجنوب ومن البحر إلى الجبل. كان جبران مؤمناً وعلّمنا ألا نكون اقل إيماناً، منه وهذا هو المعنى الذي نحتفل به في كل 12 كانون الأول وإلى ابد الآبدين.
في هذه الذكرى تتقدم أسرة "النهار" من روح جبران تويني بهذا العدد الخاص من "نهار الشباب" الذي ساهم فيه زملاء في كل أقسام الجريدة عربون وفاء والتزام وقسم مماثل لقسم جبران على أن "النهار" على طريقه سائرة ومستمرة، ولن يردعنا رادع عن المضي في رفع رايته والقضية التي استشهد من اجلها.
نايلة تويني
نبض