الردّ الإيراني مسرحه جبهة لبنان... نصر الله يتأهّب لـ"الرّدع" وإسرائيل تضغط بالحرب؟

تاريخ "دار صادر" بالوقائع والصور والمصادر
Smaller Bigger

لمناسبة مرور مئة وخمسين سنة على تأسيسها، أصدرت "دار صادر" مجلداً ضخماً يستعيد تاريخها الذاخر بالعطاء. نشأت نواة هذه الدار في العام 1863 على يد ابرهيم صادر، مؤسس "المكتبة العمومية" التي تُعَد من أقدم المكتبات العربية وأشهرها. تحوّل اسم هذه المكتبة إلى "مكتبة صادر" في العام 1907 على يد سليم صادر، ابن ابرهيم، ثم عُرفت باسم "دار صادر" في عهد حفيده أنطوان. كما شهد ميخائيل نعيمة في العام 1983، دفع سليم وابنه أنطوان "الأدب والأدباء في لبنان إلى مرتبة عالية جداً"، وكان لهما فضل كبير "على الأدب العربي في لبنان وفي سائر البلاد العربية".


لا ينفصل تاريخ بدايات "دار صادر" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عن تاريخ بيروت. لم تكن هذه المدينة ذات شأن كبير في العهود العباسية، ويبدو أن أحوالها لم تتغير كثيراً في زمن المماليك. مرّ بها ابن بطوطة في القرن الرابع عشر، وكتب في وصفها: "ثم سرنا إلى مدينة بيروت وهي صغيرة، حسنة الأسواق، وجامعها بديع الحسن ويجلب منها إلى ديار مصر الفواكه". شهدت بيروت تطوراً كبيراً بين 1832 و1841، وهي السنوات التي خضعت فيها بلاد الشام لحكم إبرهيم باشا المصري، ابن محمد علي باشا، باني مصر الحديثة. شمل هذا التطور سائر المرافق العمرانية والإدارية، وكان من نتيجته نموّ عدد السكان الذي بلغ خمسة عشر ألف نسمة. استمر هذا التطور بعدما تمكنت الدولة العثمانية من استعادة سلطتها على بلاد الشام، وعظم شأن بيروت إثر انتقال تجارة الإفرنج إليها، وازداد عدد سكانها حين لجأ الكثير من المسيحيين إليها هرباً من المذابح التي تعرضوا لها في جبل لبنان ودمشق خلال حوادث 1860. على اثر هذه الوقائع الدامية، أُعطي جبل لبنان وضعاً إداريًّا خاصاً من طريق إعلانه متصرفيّة ممتازة تُدار محليًّا بموجب بروتوكول وُضع موضع التنفيذ الفعلي في العام 1864. في المقابل، عمدت الدولة العثمانيّة إلى تعديل التقسيمات الإداريّة في بلاد الشام، وألحقت مدينة بيروت بلواء صيدا المؤلّف من هاتين المدينتين ومعهما صور وبلاد بشارة (جبل عامل). عاشت بيروت تحولاً كبيراً في عهد عبد الحميد الثاني الذي بويع بالخلافة في العام 1876. في العام 1888، عمدت السلطة العثمانية إلى اتباع تقسيم جديد لبلاد الشام، ففصلت بيروت عن ولاية سوريا وجعلت منها عاصمة للولاية حملت اسمها، ضمّت ألوية عكا والبلقاء وطرابلس الشام واللاذقيّة، وأُسند الحكم فيها إلى علي باشا. عاشت بيروت في تلك الحقبة العثمانية عصراً ذهبياً على رغم التقلبات السياسية التي عصفت بها، وعرفت حركة عمران واسعة أدّت إلى رسم أهمّ أقسامها.
في العام 1860، انتقل إبرهيم بن يوسف بن بطرس صادر من مسقطه درب السيم في الجنوب إلى بيروت، وفيها أنشأ في 1863 "المكتبة العمومية"، وهي من أوائل المكتبات التي تأسست في المدينة لشراء الكتب وبيعها. عن هذا المؤسس، كتب الأب اليسوعي لويس شيخو في كتابه "تاريخ الآداب العربية": "في 9 أيار 1915، توفّي في بيروت أول من عُني فيها بمهنة الكُتبيّين، ابرهيم صادر، الذي باشر هذه التجارة فخدمها نيّفاً وخمسين سنة وقرّب الى الأهل عموماً والى الناشئة خصوصاً درس المطبوعات العربية ومطالعة التآليف النادرة، وقام بعده ولداه الأديبان سليم ويوسف من متخرجي مدرستنا الكلّية". لا نملك للأسف رواية مكتوبة تقول كيف أسّس إبرهيم صادر مكتبته، وقد نقلت العائلة حكايتين متناقضتين لا تستندان إلى أي تاريخ موثّق. تقول الرواية الأولى إن إبرهيم نزح ذات يوم من العام 1860 من درب السـيم إلى بيروت، حيث فتح متجراً لتصليح الشماسي قرب التياترو الكبير، وكان من بين زبائنه كهنة من مطرانية بيروت للموارنة يقدّمون إليه الكتب بدل المال. بهذه الطريقة، ملأت الكتب المتجر، وصار المارة يقصدونه لشرائها، فتحوّل إلى مكتبة. في المقابل، تقول الرواية الثانية إن ابرهيم فتح دكّانا لبيع المسابح خلف كنيسة مار جرجس المارونية في سوق أبي النصر، ثم شرع ببيع كتيّبات الصلوات بعدما اشترى آلة طابعة صغيرة واستخدم عاملاً لطباعة هذه الكتيبات التي راح يبيعها مع المسابح. تبدو هذه القصة أقرب إلى الواقع، كما تؤكد الباحثة هالة البذري في تقصّيها لقصة تأسيس دار صادر للنشر. هكذا أضحى ابرهيم صادر "أول من عُني بمهنة الكُتبيّين" في بيروت، بحسب تعبير لويس شيخو، وقد نجح في فرض نفسه في هذا الميدان الجديد من دون أي دعم مالي حكومي، وانتقل خلال بضع سنوات من بيع الكتب الدينية إلى كتب أدبية متنوعة تلبّي حاجات القراء، وحملت هذه الكتب أحياناً عبارة "طُبع بنفقة ابرهيم صادر صاحب المكتبة العمومية".


مكتبة صادر
وفقا لما ذكره جوزف نصر الله في كتابه "المطبعة في لبنان"، اشترى ابرهيم صادر "مطبعة حنا نجار عام 1881"، وشرع بطباعة الكتب المتنوعة. وفي العام 1890، أنشأ "المطبعة العلمية" بإدارة ابنه يوسف، ودخلت "المكتبة العمومية" في طور جديد مع بروز هذه المؤسسة. في العام 1893، نقل ابرهيم صلاحيته إلى ولديه سليم ويوسف "بموجب عقد نصّ على أن المكتبة العمومية والمطبعة العلمية تشكلان معا شركة واحدة يملكها الوريثان"، "وبمقتضى هذه الوثيقة، كان سليم وحده مخولاً التوقيع باسم المكتبة ويوسف باسم المطبعة". دامت هذه الشراكة إلى أن قرر الشريكان وضع حد لها في العام 1907، و"أخذت كل من المكتبة والمطبعة العلمية تسلك مساراً مستقلاً خاصاً بها، مع مواصلة التعاون الوثيق بينهما كما تؤكد غلف كتبهما. هكذا تولدت عند تركة المشروع الفردي لإبرهيم مؤسستان متوازيتان: من جهة المكتبة التي يديرها سليم، ومن جهة ثانية مطبعة يوسف". تزوج يوسف من شقيقة الأديب ألبرت ريحاني، ونشر سلسلة من المؤلفات الأدبية بالتعاون مع عائلة قرينته، وشرع في إصدار "المجلة القضائية" في العام 1921، وتخصص بنشر الكتب القانونية، وكان "اول شخصية فكرت في نهضة القانون ورقيّه في لبنان"، و"أوّل من فتح التعاون بين الفقه والقضاء"، كما قال عنه المحامي زهدي يكن في الذكرى الخامسة والثلاثين لتكريمه في العام 1986. من جهته، غيّر سليم اسم المكتبة من "المكتبة العمومية" إلى "مكتبة صادر"، وأطلق في العام 1910 مجلة "الأنيس" المتخصصة بنشر قصص مترجمة من اللغات الأوروبية، وألّف نحو عشرين كتاباً، وتعاون مع كبار مؤلفي عصره، مثل كرم البستاني وجورج عطية والياس أبي شبكة، واستمر في إصدار الكتب على نفقته لبيعها في مكتبته، كما كان يفعل والده، وواصل هذه المسيرة إلى أن توفي في 22 أيار 1941 عن سبعة وأربعين عاما عقب صراع طويل مع المرض، ورثته يومها "المجلة القضائية" التي أسسها شقيقه يوسف، وأجمعت صحف ذلك الزمان على مدح الكاتب والناشر الذي "أغنى المكتبة العربية بمنتجات مكتبته".
أصيب سليم صادر بفالج شقّي في العام 1924، وبدأ ابنه الوحيد أنطون بالحلول محله تدريجياً من ذلك الحين، وتولّى المسؤولية رسمياً، اعتباراً من 1935. رحل الأب عن هذا العالم في زمن الحرب العالمية تاركاً الأمانة لابنه الذي واصل المسيرة بشغف قلّ مثيله. اشترى أنطون مطبعة جديدة في العام 1948، ثم أنشأ "مطبعة المناهل" في منطقة الصيفي. تحولت المكتبة إلى "دار صادر"، وتمّ دمج هذه الدار مع "دار بيروت" لصاحبها محمود صفي الدين في العام 1956، وفي ذلك الحين، بدأ العمل الفعلي على نشر التراث العربي. استمرت الشراكة بين "دار صادر" و"دار بيروت" حتى العام 1963، بعدها عاودت كلٌّ من الدارين مواصلة النشر بشكل مستقل. توفي أنطون في العام 1983، فانتقلت المسؤولية بعد رحيله، إلى أولاده الثلاثة، سليم وإبرهيم ونبيل. اتخذت المؤسسة مقراً جديداً في المنطقة الصناعية في قضاء المتن الشمالي حيث تتابع نشر أهمّ عناوين التراث الأدبي، اللبناني والعربي، وأعمال كبار مؤلّفي لبنان ودنيا الإغتراب، الى جانب ترجمات لروائع من الأدب الغربي.


الإحياء المسيحي للثقافة
في القرن التاسع عشر، واكب ابرهيم صادر صعود الكتّاب المسيحيين وتنامي دورهم في المجتمع المحلي منذ نهاية القرن الثامن عشر، ورافق "الإحياء المسيحي للثقافة" الذي تحدث عنه البرت حوراني في مقالة تناول فيها أحوال "الهلال الخصيب في القرن الثامن عشر" . كانت أبرز مظاهر هذا الإحياء "انتشار معرفة العربيّة بين المسيحيّين". "قرّر الكهنة المسيحيّون تعلُّم اللغة العربيّة من الرجال الوحيدين الذين يستطيعون تعليمهم إيّاها، وهم المختصّون المسلمون في علوم اللغة"، وبرز بين هؤلاء جرمانوس فرحات (1670 – 1732) "الذي درس اللغة العربيّة على يد إبرهيم النحويّ في حلب". مع هذا التحوّل، "وُلد الأدب العربيّ المسيحيّ الحديث" الذي عظم دوره في المرحلة اللاحقة. كان جرمانوس فرحات قواعديًّا، كما انه كان شاعراً استخدم علم العروض العربيّ لنظم قصائد في مدح المسيح ومريم العذراء والكنيسة الكاثوليكيّة. من حوله، نمت مجموعة من الشعراء في حلب، ومع هذه المجموعة بدأت حركة الكتّاب المسيحيّين الذين تركوا أثرًا بالغًا في الحياة الأدبية في تلك الحقبة. واكب ابرهيم صادر هذه النهضة، وأعاد طبع كتاب "بحث المطالب" الذي وضعه المطران جرمانوس فرحات في العام 1707، وهو من أوائل كتب الصرف والنحو المنهجية. يشير الأب أنطون ضو إلى هذا الكتاب، معلّقاً: "هكذا انطلقت دار صادر في أواخر القرن التاسع عشر، ثم اندفعت خلال مسيرتها طوال القرنين العشرين والحادي والعشرين في تأدية دور مميّز في مواكبة الإبداع الفكري والبحث العلمي من خلال فن الطباعة والنشر، مساهمة بذلك في تعزيز ثقافة الحرية والانفتاح والتعامل والتقدّم".
رافق سليم صادر وابنه أنطون صادر كبار الأدباء اللبنانيين وكان لهما الفضل الأكبر في التعريف بنتاجهم على أوسع وجه، على ما شهد ميخائيل نعيمة في رثاء الإبن: "كان من حسن حظي أن عرفت المرحوم أنطون صادر معرفة العين للعين والروح للروح . وإني لأشهد بأن لأنطون صادر وللمرحوم والده أيادي بيضاء على الحركة الأدبية في لبنان . كرّسا حياتهما لخدمة الأدب والأدباء . وإني لأستنزل الرحمة على الوالد والولد لما لهما من فضل على الأدب العربي في لبنان وفي سائر البلاد العربية . تغمّدهما الله برحمته ورضوانه . وأنا لو جئت أعدّد ما لأنطون ووالده من الفضل على الحركة الأدبية في لبنان لما انتهيت ، وحسبي القول بأنهما دفعا الأدب والأدباء في لبنان إلى مرتبة عالية جداً". من جهة أخرى، لعبت مؤسسة صادر دوراً فاعلاً في نشر ميراث الماضي بشكل علمي رصين، كما اشار إبرهيم شبّوح في مقالة عرض فيها المرتكزات الفكرية لـ"دار صادر" في إصدار التراث العربي والإسلامي. كانت أبرز إصدارات الدار في هذا الميدان "لسان العرب" الذي عُرف أولاً في طبعته الأولى المكتظّة المتراصَّة التي أخرجتها مطبعة بولاق الأميرية أيّام الخديوي توفيق، وقد اعادت "دار صادر" نشره في تحقيق جديد مع فهارس عدة، "وبذلك كان هذا اللّسان الصادر عن دار صادر معلمًا شامخًا للعربية، وأحد أمجادها". بعد "لسان العرب"، عمد أنطون صادر إلى نشر "معجم البلدان" لياقوت الحموي، وكان المستشرق الكبير فستنفلد في لبسيك أول من أصدره بين 1866 و1873. تنبّه أنطون صادر "بفكره الثاقب إلى ضرورة إعادة الحياة لهذا الأثر الفريد وتيسيره لخدمة التراث العربي، فبادر إلى إنجاز رؤيته، وأخرجه على ذلك النسق الأنيق الواضح مصحَّحًا معتمدًا يُطمئن إليه، وتعاملَ معه على أنّه امتداد للسان العرب لصفة المعجمية الشاملة". بعد "لسان العرب" و"معجم البلدان"، عمد أنطون صدر إلى إعادة نشر "طبقات ابن سعد" مرتكزاً "على نشرة العلماء الألمان الذين أشرف عليهم المستشرق الكبير سخاو". ورأى احسان عباس أن هذا الإصدار الجديد هو بمثابة "نبع لا ينضب لمن شاء أن يدرس سيرة الرسول وحياة القرنين الأول والثّاني من تاريخ الإسلام".


إضافات كاشفة
تابع نبيل وإبرهيم وسليم مسيرة والدهم، و"واصلوا ما بدأه سلفهم في خطّة محكمة لنشر دواوين العرب منذ الجاهليّة، حتّى بلغ مجموع ما أصدروه منها أكثر من مئة وخمسين ديوانًا، بعضها ممّا صنعه القدماء، وبعضها مما استخرجه وصنّفه وشرحه علماء معاصرون. ونشروا المجموع الذي حفظ تراثًا من الشعر وفيرًا كان مجهولاً، هو كتاب منتهى الطلب. وزكّوا هذا الجهد بإعداد نشرة محقَّقة للكتاب العتيد في أدبنا العربي: أغاني أبي الفرج الأصفهاني". "وتابَعوا ذلك بنشر النصوص المتميزة التي أضافت لثقافتنا إضافات مهمّة كاشفة، اتّسعت معها آفاق مؤرخّي الأدب ومؤرخّي الحضارة العربية والإسلامية بوجه خاص".

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/17/2026 5:20:00 AM
لا نيّة حالياً للتراجع عن الضريبة البالغة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، باعتبار أن التراجع عنها سيؤدّي إلى صعوبة في تأمين الإيرادات اللازمة لرواتب القطاع العام
اسرائيليات 3/17/2026 6:57:00 PM
بعد فيديو عن تعرّضها لاعتداء جنسي من قبل والديها… العثور على ابنة وزيرة الاستيطان الإسرائيلية جثة في منزلها