ماذا فعلت إديث بياف بالملاكم مارسيل سيردان؟
يختار الكاتب الفرنسي أدريان بوسك أن يروي لحظة محوريّة دَخَلت سجلاّت التاريخ حين تقاطَعت مصادفات مأسوية مختلفة أدت إلى سقوط إحدى مركبات شركة "إير فرانس" للنقل الجوّي، في ليل 27 إلى 28 تشرين الأول من العام 1949. يستعيد الساعات التي أودت بثمان وعشرين ضحية، من ضمنهم الملاكم مارسيل سيردان، عشيق أسطورة الغناء الفرنسي إديت بياف، إلى عازفة الكمان الإستثنائية جينيت نوفو. آنذاك لم تتطرّق الصحافة سوى إلى هذين الشخصين، بينما أهملت جميع الآخرين الواردين في قائمة المسافرين. تنجح الرواية التي نالت للتو "جائزة الأكاديمية الفرنسية الكبرى" 2014 في إخراج الركّاب الباقين وعددهم خمسة وثلاثون، إضافة إلى أحد عشر شخصا آخرين من الطاقم، من قسوة الغفلية. والحال ان "كوكبة"، وهو عنوان النص، محاولة جدّية متألقة تنجز استعادة تخييلية لحادثة خُلدت ذكراها على خلفية ثلة من الأسباب المقلقة. يستعيد بوسك في أولى رواياته (الصادرة لدى دار "ستوك") حيثيات الرحلة وتفاصيل السقوط، أما الأهم فالحكايات عن الناس خصوصا. نقرأ في نص تمهّل عنده النقاد في الموسم الأدبي الفرنسي نثراً سريع الإيقاع: "كان جو لونغمان منهكا بسبب الأيام السيئة. كان عليه أن يستعجل وأن يلغي الرحلة البحريّة، وأن يستخدم إمتياز الأولويّة على متن رحلة تربط بين مدينتي باريس ونيويورك. أما هذا العذاب برمّته فمن أجل أن يلحق بإديت بياف عند الصباح. "عدْ وفي حوزتك الأغنية!"، يقول له أحد عمّال شركة "إير فرانس". "انه تماما هدف رحلتي الوحيد!" يجيب مارسيل. "مواه ه ه ه" يتمتم جو، قبل أن يضيف: "لو وافقتني الرأي، لكنّا انتظرنا بعض الأيام. صدّقني، إن ذهابنا اليوم يجعلنا نتراءى كأننا سارقون. علِمنا الثلثاء فقط بتوقيع عقد المباراة لتجري في الثاني من كانون الأول، وفي الأمس كنا لا نزال خارج العاصمة، أما اليوم فالبكاد تسنّى لنا الوقت لتوضيب حقائبنا. كنتُ اقترحت عليك المكوث هنا طوال الأسبوع".
كيف بدأتُ الكتابة؟
في نص عنوانه "كيف بدأتُ الكتابة" ورد في مؤلّف "لست هنا لألقي خطابا" الصادر أخيرا، نقرأ الكاتب الكولومبي الراحل غبريال غارثيا ماركيز، منصرفا في إحدى المداخلات العلنية إلى ممارسة واحدة من الألاعيب الفكرية الأحب إلى قلبه، تلك التي بين الجدّية الخالصة والتهكم الفطن. نصادفه منهمكا في محادثة قبالة حشد من الناس ليحاول التملّص من سبب وجوده في هذا المكان، فيعلن: "اعذروني بداية، لأني جالس، ذلك اني إذا وقفتُ، فسأتعرّضُ لخطر السقوط خوفا. أجل هذا صحيح.
لطالما اعتقدتُ اني سأمضي الدقائق الخمس الأكثر إثارة للخوف في حياتي، على متن إحدى الطائرات وأمام عشرين أو ثلاثين شخصاً، وليس قبالة مئتي صديق كما هي الحال الآن. لحسن الحظ، سيسمح لي ما يحصل لي الآن، بالشروع في الحديث عن تجربتي الأدبيّة، كنت أفكر للتو أني بدأت الكتابة بالطريقة عينها التي صعدتُ فيها إلى هذه المنصة: أي غصباً عنيّ.
أُقرّ بأني قمتُ بالممكن لأتفادى المشاركة في هذا المؤتمر: حاولتُ أن أمرض، حاولتُ أن أُصاب بداء رئوي، قصدتُ الحلاّق آملا بأن يقطع رأسي، وفي المحصلة راودتني فكرة القدوم من دون حقيبة أو ربطة عنق بغية أن يمنعوني من الدخول الى هذا الاجتماع الذي يحترم اللياقات، غير اني نسيت أنني في فنزويلا، حيث يمكن الجميع الذهاب إلى أي مكان مرتدين القمصان فحسب. النتيجة: ها أنا هنا، ولا أعلم من أين أبدأ. لكن في وسعي أن أروي، على سبيل المثال كيف بدأتُ بالكتابة".
يرِدُ هذا المقتطف المثير للانتباه في الكتاب الصادر أخيرا بالإنكليزية لدى دار "بنغوين" والمنهمك بمجموعة من مداخلات غارثيا ماركيز العلنية، في كولومبيا وفنزويلا وكوبا وسويسرا أيضا.
ها هنا تنقل للمرة الأولى من القشتالية إلى الإنكليزية، ليجري توثيق جزء كبير من مصادر شغفه، أي الأدب والصحافة والسياسة. تستعيد هذه القطع السردية حياة برمتها، ستة وستين عاما، بدءا من مداخلة ألقاها الكاتب مراهقاً، وصولاً إلى نص قبوله جائزة نوبل الآداب.
نبض