اللقب العالمي يقترب من نوفيل ويبتعد عن أوجييه

08-11-2014 | 21:25

مدينة حوّلت جدار العار جسراً الى الحرية

برلين مدينة حولت جدار العار جسرا الى الحرية
مدينة حوّلت جدار العار جسراً الى الحرية
Smaller Bigger

"هل يمكن أن تدلني على مكان الجدار" ، نسأل البرليني الذي يفكر قليلا قبل الاجابة، كأنه هو ايضا سائح في هذه المدينة الفسيحة. لم يعد الالمان يعيرون اهتماما ذلك السور الاسمنتي الذي قسم بلدهم شطرين على مدى 28 سنة. بات السؤال عنه يثير بعض الامتعاض لدى شعب مهتم بالمستقبل، وعرف كيف يعيد تدوير مآسيه ويحولها محطات للذكرى والتأمل، في عالم حر لا مكان فيه للجدار والقيود.



 


لا تشبه برلين اليوم تلك المدينة في مثل هذه الايام قبل 25 سنة. من الصعب اعادة رسم تلك الصور التي انطبعت في أذهاننا عن ليلة التاسع من تشرين الثاني 1989.مشاهد الشباب يتسلقون ذلك الجدار ويصبون عليه غضبهم لم يعد ممكنا استعادتها الا في المخيلة.فالسور الاسمنتي نفسه اندثر وما بقي منه صار أكبر معرض للرسم في اوروبا.وحدها الصورة التي التقطها رائد الفضاء الكندي كريس هادفيلد عام 2013 لليل برلين من مركبته الفضائية اعادت رسم مسار ذلك الجدار.ففي الصورة يبدو الشطر الغربي مضاء بالابيض ذلك أنه بعد الحرب العالمية الثالنية مدت فيه مصابيح الفلوريسنت التي لاتزال تعطي ضوءا أبيض ، بينما بدا الشطر الشرقي مضاء بالاصفر ، إذ أن مصابيح الصوديوم التي لا تزال مستخدمة تعطي ضوءا أصفر.



ليست 25 سنة فترة طويلة في عمر الشعوب والدول، غير أنها هنا في برلين كانت لتحقيق ما تعجز عنه دول أخرى في عقود.أمور كثيرة تبدلت في عقدين ونصف عقد. المدينة التي ذاع صيتها حول العالم واشتهرت بجدارها وتبعثرت عائلاتها قسرا طوال 28 سنة، هي الان مدينة موحدة. منذ سقوط الجدار قبل ربع قرن، انتعشت برلين.الاراضي المقفرة التي كانت تسمى "ممر الموت" حيث كان الحراس الالمان الشرقيون يطلقون النار على كل من يحاول العبور ، باتت تحتضن متنزهات وحدائق ومباني عصرية. الالمان والسواح على السواء يتنقلون بحرية ولامبالاة فوق خط الحصى حيث كان يقف يوما الجدار المنيع. ممر الموت ذاك صار اليوم مساحة تنبض بالحياة والالوان، فالجزء الاكبر المتبقي من جدار برلين تحول منذ 1990 معرضا للرسم مفتوحا للجميع، يسمى "معرض الجانب الشرقي" ويضم لوحات رسمها أكثر من مئة فنان تشكيلي من أكثر من عشرين دولة.


 



في العقدين الاولين لسقوط جدار برلين، يقول الكاتب الالمان بيتر شنايدر، مؤلف كتاب :"برلين الان، المدينة بعد الجدار" :" كل شيء جديد كان يحصل في شرق المدينة" .بين ليلة وضحاها ولدت أحياء مدينية جديدة على مساحات كانت طوال سنوات خالية .بات الناس يفضلونها على المسرح والمتاحف والاوبرا.


النوادي الليلية ايضاً اختارت ايضا ذلك الشطر الشرقي من المدينة.وفي المقابل، دخل الشطر الغربي في تلك السنوات في سبات، باستثناء بعض الساحات القليلة.


برودواي المانيا


في السنوات الخمس الاخيرة خصوصا، عادت برلين الغربية لتنبض مجددا، ولكن من دون أن تحجب برلين الشرقية.شارع كوفورستندامن، أو برودواي الالماني، يعج بالحياة.فيه يقف الناس صفوفا أمام المطاعم والنوادي .أرصفته تضيق بالسياح والمتنزهين. فندوق وولدورف أستوريا فتح ابوابه منذ 2013، ليصير أحد أطول مباني برلين ورمزاً مضيئا للملامح الغربية التي بدأت تغزو المدينة.
منذ خمس سنوات ، بدأت المدينة بكاملها تزدهر.البطالة تتراجع ، والاقتصاد ينمو بسرعة أكبر .حقا، لا يشعر زائر برلين بفروقات بين سكان المدينة.الطباع الحادة قاسم مشترك ،والدقة تلحظها حتى في وسائل النقل (التي تحدد بالدقائق موعد وصول الباص) في الكسندربلاتز (برلين الشرقية سابقا) كما في كوفورستندامن بلاتز (برلين الغربية سابقا).صراحتة الالمان موصوفة، ومن كان حساسا حيال وزنه من الافضل الا يسأل المضيفة في اي متجر ما اذا كان يبدو بدينا في الجينز.



لا فروقات مرئية ولكن


بالنسبة الى الزائر، يبدو البرلينيون متصالحين مع مدينتهم ومع مواطنيهم في الشطر الاخر. لا فروفات مرئية ولا اختلافات فاضحة.ففي السنوات التسع الاخيرة، تحكم البلاد امرأة "حديدا" متحدرة من الشرق.الرئيس متحدر من برلين الشرقية ايضاً ويعيش خارج اطار الزواج مع شريك له.وزير المال رجل محترم ومخضرم كان يستخدم كرسيا نقالاً.وزارة الدفاع ام لسبعة أولاد.



ولكن مهلا. على رغم كل هذه المساواة التي لم يكن احد يتخيل حصولها ابان الحرب الباردة، ثمة أرقام واحصاءات تدعي عكس ذلك.فمع كل مظاهر المدينة الموحدة، لا يزال بعض أبنائها يشعرون بالغربة .ففي احصاء لاذاعة "راندفانك برلين-براندنبورغ" أجري في اب الماضي، قال أربعة من عشرة برلينيين أنهم لا يشعرون بأنهم يعيشون في مدينة موحدة.
ثمة من يرد هذا الشعور الى الانقسام الطويل والمؤلم بين البرلينين.غير أن هناك ايضاً من يعزو السبب الى غياب المشاريع الكبيرة التي يمكن أن تجسد الوحدة بين الشطرين.


 



ليست برلين مدينة عادية . بعدما خاضت الحروب المدمرة ، وقصفت ودمرت وقطعت أوصالها وتوحدت مجددا، هي تحتفظ بآثار جروحها، الا أنها لا تسعى الى نكئها.هي مدينة لا تنام تعيد تدوير ماضيها لتصنع منه تحفا فنية.
عند نصب الهولوكوست، يلعب الاولاد الغميضة بين صفوف المسلات.نقطة تفتيش تشارلي تنتصب في مكانها وصورة الشرطي فيها تستقطب السياح بالالاف كما لو كانت صورة مارلين ديتريتش .بوابة براندنبورغ ، رمز الحرية والوحدة تجتذب الضيوف الكبار للمستشارة أنغيلا ميركل،آملين ربما في اقتفاء خطى رونالد ريغان الذي أطلق نداءه الشهير الى لآخر الزعماء السوفيات ميخائيل غورباتشيوف في 12 حزيران 1987:اهدموا هذا الجدار.



 


سنة بعد سنة، ينسب كتاب ومؤرخون أكثر الى الالمان الدور الاكبر في هدم ذلك الجدار الذي غير وجه برلين واوروبا والعالم. وتقول المؤرخة ماري اليز سالوت إن ما حصل كان نتيجة عمل جماعي ،وإن غير منسق لاولئك الشباب الذين انتظروا هذا اليوم طويلا. وفي كتابها "الانهيار" ترفض الرواية القائلة إن انهيار الجدار كان نتيجة حتمية لخطوات اتخذها لاعبون كبار أمثال غورباتشيوف وريغان.



ففي رأيها أن هارالد جاغر الذي خدم الشيوعية عقدين كحارس حدود ، فتح معبره في شارع بورنهولمر أمام الحشود في تلك الليلة بعدما عجز قادته عن اعطائه أوامر واضحة بكيفية التصرف مع البرلينيين الشرقيين الذين تهافتوا على المعبر.صحيح أنه كان يمكن جاغر فتح النار ، ولكن هل تصور أحد ما كان سيحصل في حينه بالنسبة الى برلين والمانيا كلها وأوروبا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة؟
تقول ساروت ان جاغر بفتحه الحدود للبرلينيين للمرور سلميا، زايد على اللاعبين الكبار الذين لم يكونون ينوون ولا يتوقعون نهاية للشيوعية.



[email protected]
twitter:@monalisaf

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.