بعد انتقادات وتنمّر... أسنان جوني ديب "بيضاء كاللؤلؤ" (صور)

جورج سعادة: أعدم قبل موته
Smaller Bigger

مات جورج سعادة مقهورا. حمل همّ لبنان والكتائب الى اللحظة التي لفظ فيها أنفاسه. حاول اعداؤه "إعدامه" قبل ان يحين أجله، فتوسلوا كل الاساليب لتحقيق ذلك، بدءا بمحاولة اغتيال جماعية فاشلة تمثلت بتفجير بيت الكتائب المركزي في كانون الاول 1993، مرورا بالسعي الى تنحيته عن رئاسة الحزب في معركة شرسة لم يشهد "الصيفي" مثيلا لها في تاريخه، والرفض المتعمد لطريقة تطبيق الطائف نصا وروحا، باختلاق أعراف ومعادلات جديدة تتنافى وفلسفته الميثاقية، وهو الاتفاق الذي تحمّل سعادة مشقته وأعباءه في مواجهة مزاج مسيحي عام رافض له. الى اسقاطه الموصوف والموثق في انتخابات عام 1996 بتدخل مباشر من رئاسة الجمهورية التي أقسمت على أنها تريد "مسح الارض بالكتائب وسعادة"، ردا على مقاطعته ونواب الكتائب جلسة انتخاب الياس الهراوي في تشرين الثاني 1989 في شتورة بعيد اغتيال الرئيس رينه معوض، وانتخابات عام 1992 ترشحا واقتراعا، وايثار التضامن المسيحي الشامل على حفنة من مقاعد نيابية وحكومية، ورفض تمديد ولاية الهراوي ثلاث سنوات عام 1995، واستمرار الشكوى من المخالفات التي كان يسجلها على الانتهاكات الفاضحة لـ"وثيقة الوفاق الوطني".
ومن دلائل حرب الالغاء التي شنها الحكم وقتذاك وقف بث النشرات الاخبارية والبرامج السياسية في اذاعة "صوت لبنان" التي شكلت مواقفها المعارضة مصدر ازعاج للهراوي، بذريعة أن طلب الترخيص الذي تقدمت به لم يكن قانونيا. لكن حقيقة الامر أنه اعلن جهارا امام مراجعيه انه يقطع يده ولا يوقّع الترخيص، إلا أنه وقّع في ما بعد من دون ان يقطع اليد التي ورطت لبنان في كوارث ميثاقية لعل أخطرها مرسوم التجنيس عام 1994. كذلك مصادرة مبنى "تعاونية بيار الجميل" الكائن عند كورنيش النهر والمستثمر قانونا بموجب عقد ايجار مع الدولة، عنوة ومن دون تعويض، وصولا الى اقتلاع كل المديرين العامين وسائر موظفي الفئتين الاولى والثانية، من الكتائبيين وتهميش من أبقي عليهم من دون العودة الى رأي سلطة الرقابة ومن دون الارتكاز الى أي مسوّغ منطقي، إلا الرغبة في الانتقام.
ومع ذلك لم ينهزم سعادة ولم يتراجع عن مواقفه. وهو وجّه عام 1993 رسالة مفصلة الى الرئيس السوري حافظ الاسد، يشكو فيها تصرفات المحسوبين على دمشق من ساسة ومسؤولين في حق من يخالفونهم الرأي والساعين الى تقويم الاعوجاج انقاذا للطائف، منبها الى النتائج السلبية التي قد تترتب على العلاقات اللبنانية – السورية مستقبلا نتيجة هذه التصرفات. وعندما أطلع الرئيس السوري نائبه عبد الحليم خدام على مضمون الرسالة طالبا الاجوبة عما تضمنته من معلومات وأمثلة كونه المولج بملف لبنان، صب هذا الاخير جام غضبه على سعادة، وعلى من اعتقد أنه تجاوزه، وأوصل الرسالة الى قصر الشعب من دون المرور بقناته. ولأن سعادة كان يشعر بأن استمرار الخلل الميثاقي قائما، يجر كوارث مدمرة على النسيج الوطني في لبنان، أجرى قبل أشهر من رحيله في السادس عشر من تشرين الثاني 1998 سلسلة اتصالات بمجموعة من قادة الرأي في الطوائف المسيحية، سمحت له باستخلاص عناصر شكلت أساسا لمذكرة رفعها الى المقدم بشار الأسد الذي كان يتهيأ لخلافة والده. اقترحت المذكرة معالجة الشعور المسيحي بالغبن بتأليف حكومة جديدة توفر تمثيلا صحيحا للمسيحيين ومشاركة حقيقية لهم في السلطة، ووضع قانون عادل للانتخابات يعتمد تقسيما جديدا ويحقق المناصفة الفعلية، واطلاق الموقوفين في السجون السورية، وعودة السياسيين في الخارج وضمان عدم التعرض لهم وحقهم في ممارسة نشاطهم السياسي والبحث الجاد في عفو عمن هم وراء القضبان، واعتماد التوازن والكفاية في التعيينات الادارية. والشروع في تطبيق البند المتعلق باعادة انتشار القوات السورية في لبنان الوارد في اتفاق الطائف. وأشار سعادة في هذه المذكرة غير المنشورة الى أن هذه الخطة تعيد فتح أقنية التواصل بين بكركي ودمشق، وتنزع فتيل التوتر الذي ينبغي تجاوزه. وقد قرأ المقدم الاسد المذكرة التي حملها اليه صديق مشترك باهتمام كبير، وحرص على التحري عن بعض النقاط الواردة فيها. لكنه لم يتسنّ له مناقشتها معه كما كان مقررا لتدهور حاله الصحية.
لم يقطع سعادة خطوط التواصل مع رفاقه الكتائبيين الذين خاصموه. بل ظل ساعيا الى وحدة الحزب مقترحا المبادرة تلو المبادرة. وعندما استقال من منصبه بعيد هزيمته المدبرة عام 1996، عاد عنها بإلحاح من معارضيه قبل مناصريه لمعرفتهم بأنه الاقدر على التعامل مع الظروف المعقدة. لكنه ربط العودة عن الاستقالة بوضع خطة نهوض وجمع شمل. وقد وضعت فعلا وشارك في صوغها منير الحاج وكريم بقرادوني وجوزف ابو خليل وجوزف قصيفي. ولا تزال هذه الخطة محفوظة بين أوراق أبو خليل. هذا غيض من فيض، أورده عن جورج سعادة في الذكرى السادسة عشرة لرحيله، ومرور ربع قرن على الطائف الذي كتب قصة معاناته معه. ما كان يرغب يوما في أداء دور "الشيطان الاخرس الساكت عن الحق". كانت خطيئته عظيمة، لأنه رفض المشاركة في قتل وطن، لكن خطيئة ظالميه كانت "خطيئة مميتة" لا تغتفر.


جوزف قصيفي

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل