يراجعني بعض الاصدقاء في سبب توقفي عن الكتابة، فأجيبهم أن الاحداث ما زالت تتكرر هي ذاتها والاصطفافات هي نفسها والشعارات لم تتغير واللاعبون الأساسيون لم يتقاعدوا، إلاّ ان هنالك بعض الاسماء سقطت من مرتبة الأب الى الإبن. فلم يستسغ البعض منهم هذه الاجابات التي اعتبروها اعذاراً للتهرب مما حداهم الى لفت انتباهي الى بعض التغير في المشهد الداخلي نظراً الى تأثره بالمشهد الخارجي البعيد عنا نسبياً، والمتلاصق حيناً والمتداخل أحياناً.
أصبحنا نعرف اسماء سياسيينا غيباً كـ"الأبانا والسلام" ولا يمكن ان نخطئ بها كونها اصبحت ملازمة مسامعنا، اذ تخاوت مع نغمة اذنينا في اتفاقهم، وتلاحمت مع طنّة اذنينا في خلافاتهم، لذلك تتردد اسماؤهم وألقابهم على شفاهنا وفاقاً او خلافاً.
ولكن ما طرأ على الساحة حديثاً هو عودة القديم المتجدد الذي اعتقدنا لسنوات خلت أننا لم نعد نتذكره جيداً وصولاً الى درجة النسيان، وهي عودة ألقاب محلية لاسماء حركية لها صبغة عسكرية، كنا سئمنا سماعها في الماضي لما حملت من مآس لهذا البلد، إلا أن الألقاب الحالية ما زالت محصورة بمجموعات صغيرة معروفة من الجميع يترأس كل منها مغمور من هنا او متفلت من هناك دغدغت مسامعه أو أدهشته بعض البطولات الوهمية التي تُنشر على شكل خبر او ما يُسمى تغريدات على صفحات التواصل الاجتماعي، والتي تتحول سريعاً من خلال تعليقات مؤيدة وتعليقات معارضة لها، الى أداة للتباعد الاجتماعي إن لم نقل منابر لتهديد السلم الاهلي، وكلها في النهاية تماشي الوضع المتداول حالياً من استعراضات عنفية على امتداد الساحة العربية بدون اي استثناء تقريباً، اللهم ان لم نخطئ باستثناء جزر القُمُر. فعند حدوث اي خبر، يسمعه ويراه العالم في اللحظة التي تليه مباشرة إن لم يكن في ذات اللحظة في حالة النقل المباشر...
فالعالم يتجاوب سريعاً كونه مفتوحاً فضائياً، فيتفاعل مع هذا الخبر او ذاك، خصوصاً مع الخبر الذي يتضمن تشويقاً معيناً من نوع "الأكشين" الذي اخذ يستهوي الشباب من كل انحاء العالم، ففيه مال وتدريب وسفر وحتى "نكاح الجهاد" شبه مؤمن محلياً أو يلتحق به الشريك الآخر الآتي من الخارج. وأخيراً تبدأ المواجهة، منه تحبيذاً لعقيدة دينية محددة، ولكن تعترض عليها أغلبية المراجع، ومنه ناتج من بطالة وجهل وفقر مدقع، وهذه الظاهرة الشبابية بدأت تنمو وتزدهر من أيام ظاهرة "رامبو" السينمائية مروراً بظواهر "سوبرمان وبات مان وغيرهما"، وصولاً الى قاعدة أيمن الظواهري وما تفرّع عنها حديثاً، حتى يكاد القول ان هذا الفرع اصبح هو الأصل فأدهش العالم بسرعة انتشاره، مما حتّم انعقاد عدة مؤتمرات دولية متلاحقة وجلسات أمنية أممية.
فرغم قولنا أننا اصبحنا نعرف اسماء سياسيينا غيباً رغم أن بعضهم لا يملك ذرّة من هضامة الراحل شوشو، يظل لوقع اسمائهم على مسامعنا رنة موسيقية ساحرة، ولو كان حينها الطبّال هو الضارب إلا أن الألقاب البلدية التي سئمنا سماعها سابقاً، والتي كانت موجودة لدى كل الاطراف اللبنانيين والفصائل الفلسطينية، مثال: "أبو الليل"، "ابو غضنفر"، "أبو الجماجم"، "أبو المراجل"، و"ابو وأبو اللي جابو"، و"ابو وأبو اللي بشد عم شدوا"، كانت في كثير من الاوقات خارج الدوام الرسمي للمعارك الحربية المحلية، شخصيات محببة ودودة تؤمن لك مواد المحروقات من البنزين والمازوت والكاز والخبز أحياناً، وحتى أنها كانت تؤمن لك الخدمات الضرورية عند اللزوم، اذ كانت تنتمي جميعها الى عائلات ومراجع سياسية محلية. أما الآن في هذه المعمعة المحلية والدولية التي أصبحت عابرة للحدود، فقد تخطت بكثير سياسة الاجواء المفتوحة التي نادينا بها في أيام السلم لتسهيل السياحة الى بلدنا وحتى أنها أصبحت تعبر الحدود البرية والصحراوية والمائية لغالبية البلدان ولا تعرف في النهاية من أين تصلك بعض المخلوقات نظراً لتشعب خطوط انطلاقها.
المحامي دياب عازوري
نبض