الاتحاد الأوروبي يؤكد إطلاق مفاوضات انضمام أوكرانيا ومولدافيا الثلثاء

التخمة في نقابة المهندسين
Smaller Bigger

أثار نقيب المهندسين في بيروت المهندس خالد شهاب في مؤتمره الصحافي (31 تموز 2014) ما سمّاه "تُخمة في أعداد المهندسين المنتسبين الى نقابتي المهندسين في بيروت والشمال، وقد وصل عددهم الى 54 ألفاً، وهذا الرقم يُعتبر ضخماً جداً مقارنةً بمتطلبات أسواق العمل في لبنان والخارج".


قال شهاب إن هذه التخمة هي نتيجةً طبيعية لتكاثر الخريجين من الجامعات في لبنان والخارج ولغياب الدراسة التي تُظهِّر حاجات السوق السنوية والاختصاصات المطلوبة، وأعلن "أن المنتسبين هذا العام هم بغالبيتهم متخصصون في الكهرباء والكومبيوتر (42,5٪) وهذا توجه خطير جداً"، مضيفاً بأن النقابة ستقوم بخطوتين: الأولى وضع دراسة عن حاجات السوق تُرفع الى الحكومة، والثانية جعل إمتحان "الكولوكيوم" مُلزماً للمهندسين قبل الانتساب الى النقابة.
في ما يتعلق بالدراسة المقترحة، ثمة تجربة قامت بها نقابة المهندسين سنة 2002 قضت بإنجاز دراسة بعنوان: "واقع المهندسين وسوق العمل، دراسة ميدانية"، بالتعاون بين المؤسسة الوطنية للاستخدام ونقابة المهندسين والجامعة اللبنانية، أشرف عليها الدكتور كابي صليبا. كما خضعت هذه الدراسة لورشة عمل عُقدت في دار النقابة بتاريخ 2 تموز 2003، خرجت بتوجهات وتوصيات واضحة وحاسمة. وجاء في الصفحة 68 من الدراسة عينها ما حرفيته: "إن حوالى نصف طلاب الهندسة (49,1٪) يتجهون اليوم نحو الكهرباء وفروعها الجديدة، بينما تتراجع بشكل ملحوظ نسب الزراعة والهندسة المدنية والمعمارية. هذا الإنقلاب في التوجه سيؤدي حتماً الى تُخمة في اختصاص المعلوماتية والاتصالات وبالتالي الى ارتفاع نسبة البطالة في هذين القطاعين... فهل هناك من سياسة تعليمية واعية لتفادي الأزمات القادمة؟".
لقد أكدت هذه الدراسة بلغة الاطلاق، أننا متجهون الى أزمات عناوينها تخمة في قطاعات ونقصان في قطاعات أخرى وتضخم عام وتدنٍ في الأجور وارتفاع في البطالة واستمرار التركز في العاصمة والهجرة والتمييز في الأجر بين المهندس والمهندسة... لقد حصلت الكارثة وفق الدراسة وتوقعاتها بل تأكيداتها. لماذا؟ بكل صراحة لأن النقابة ومنذ تلك الدراسة 2002 لم تتابع هذا الملف ولم تسعَ الى السياسة التعليمية المطلوبة، ولم تعمل على التأثير على الجهات المعنية، ولم تستثمر استنتاجات هذه الدراسة لا على مستوى الجامعات ولا على مستوى الإدارة الحكومية ولا في الحقلين العام والخاص.
لن أشكك بجدوى الدراسة المقبلة المقترحة لكني حَذر حيال حُسن استخدامها لتحقيق الخلاصات والأهداف التي سوف تُطلقها تأسيساً على التجربة السابقة. هذه الواقعة التي يعرفها نقيب المهندسين والمتابعون تُعلّمنا الكثير وخصوصاً أن التخطيط والدراسات على أهميتها لا يمكن أن تُؤتي ثمارها إذا وضعت في الدرج، وإذا لم تخضع للمراجعة والمتابعة ولم تُحوَّل مشروعات قابلة للتنفيذ داخل النقابة وخارجها، سواء في القطاعات التي تُنتج المهندسين أو التي تُشغِّلهمم. أضف أن النقابة مهما امتلكت من معطيات وأرقام من داخلها وتجربتها وفي الدراسة الميدانية لواقعها، تبقى عاجزةً عن الإحاطة بكل المعطيات لسائر القطاعات والوزارات والبلديات والقطاعين العام والخاص... عدا عجزها المؤكد عن التحكم في مساراتها. وهذا العمل الإحصائي العام ينبغي أن تبادر الى القيام به جهة رسمية حكومية متخصصة بالتعاون مع نقابة المهندسين. وعلى النقابة في هذا الميدان وعند إتمام دراستها أن تقتحم الدوائر الحكومية ومراكز القرار وتناضل من أجل إستكمال الدراسة بالمعطيات الحكومية الرسمية، وإقناعها لإستخدام هذه الأرقام والمؤشرات كلها أساساً لترشيد سائر السياسات العامة ذات الصلة بمهن الهندسة.
وفي موضوع التعليم الجامعي ونوعيته وهو الذي شكّل تاريخياً ثروة من ثروات لبنان النادرة، فلا يمكن النقابة أن تكتفي بالعمل على معالجة النتائج، بل بالتوجه نحو الأسباب والينابيع والعمل على الحد من الترخيص للجامعات والكليات التي لا تستوفي الشروط المتعلقة بالبرامج والنوعية. وتأتي مسألة إعطاء الإفادات بدلاً من الشهادات الرسمية لهذا العام الدراسي 2014 لتصب الزيت على النار وتؤمن جُرعة سامة سوف نقطف ثمارها بعد سنوات قليلة. وعلى النقابة أن ترفع الصوت عالياً للجم التوجهات التربوية التي تسيء الى مستويات التعليم الجامعي، بدءاً من المطالبة بأن يُخصص للنقابة مقعد في "المجلس الأعلى للتعليم العالي" المولج بالإشراف على السياسات الجامعية ومواكبة السياسة التربوية للتعليم العالي، إذ لا يجوز أن يقتصر دور النقابة على عضويتها في لجنة معادلة الشهادات الأجنبية، وانتهاءً الى المطالبة بسحب التراخيص من بعض الجامعات المتداعية.
كما نقترح على النقابة بما لها من سلطة معنوية وتواصل وشركة مع الجامعات، أن تُبادر الى عقد مؤتمر خاص استثنائي طارىء مُغلق يحضره رؤساء الجامعات وعُمداء كليات الهندسة والعمارة، تطرح فيه المسألة من جذورها التعليمية، وتوجيه الطلاب نحو الاختصاصات المطلوبة، وثنيهم عن القطاعات المأزومة، وذلك قبل إتمام الدراسة التي تتطلب وقتاً غير قليل، خصوصاً أن بعض الجامعات تستمر في سياساتها بما يُفاقم الأزمة. وهذا الإجراء يشكل إنذاراً للجامعات وترشيداً لها بالتزامن مع تطبيق إمتحان "الكولوكيوم".
وعلى النقابة أن تبادر بالتزامن مع اتمام هذه الدراسة الى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاصلاحية الذاتية تُساعد في ترشيق النقابة، أبرزها إعادة النظر بتقاعد المهندسين لجهة التحفيز على التقاعد، بخفض السن وسنوات الخدمة ورفع المعاش التقاعدي. وإذا كانت إمكانات النقابة المالية لا تسمح بهذا التوجه اليوم فما عليها سوى مراجعة دراسة المهندس عصام بكداش عن صناديق النقابة الموضوعة سنة 2005، ففيها من الإقتراحات ما يساعدها على مقاربة هذا الملف تعزيزاً لوارداتها.
أما الطريق الآخر الذي على النقابة أن تسلكه حالاً فيقضي بالتوجه ناحية الحكومة ومجلس النواب للضغط عليهما، لملء الشواغر الفنية في الوزارات والمصالح المستقلة، وإعطاء البلديات دوراً فعالاً في قضايا التنظيم المدني والأشغال من أجل تطوير البنيات العمرانية والبنى التحتية، وكذلك الإفراج عن المشاريع العمرانية المتوافر تمويلها والمتوقفة عن التنفيذ خصوصاً في قطاعات المياه والصرف الصحي والبيئة والنقل والأشغال العامة. وهذا السعي يوفر فرص عمل جديدة للمهندسين لا سيما منهم الشباب ويحد من البطالة والتركز في العاصمة وضواحيها.
أما في ما يتعلق بعمل المهندسين الأجانب ولا سيما منهم السوريون الذين لجأوا قسراً الى لبنان، فانه من المتوجب، رغم التكافل والتضامن الانساني- الاجتماعي معهم، العمل على الحد من هذه الظاهرة لأنها تشكل فعلاً تعدياً على حقوق اللبنانيين وتهجيراً لهم سعياً وراء فرصة عمل خارج لبنان.


مهندس