سعيد مرزوق رحل محطّماً، مستضعفاً، مهاناً. السبت الفائت، نال منه مرض عضال. قطع أوصاله مع العالم، وشطره شطرين. أكل ساقه. إلا أن هذا الذي صنع الأفلام بدمه وأعصابه واستفزّ البشر من أجل التغيير، لم يكن مكسور الخاطر، كما بدا عندما قابله صحافي من "اليوم السابع". لهذا الأخير اعترف بأن المرض نعمة وليس نقمة، لأنه جمعه بمَن يحبهم: "(...) ربما يتعجب البعض من كلامي، ولكن هذه الحقيقة، لأنه [المرض] يجمعني بمَن أحبّ، حيث يلتفّ حولي أصدقائي طوال الوقت، في صورة تدلّ على قيمة الوفاء والإخلاص تجاهي. ولا يمكن أن أحصي عدد الأصدقاء الذين يتوافدون لزيارتي بصفة شبه يومية، ويهتمّون بي، ويحرصون على مداعبتي ويذكّرونني بكواليس الأعمال التي جمعت بيننا، وهذا ما يضيف إلى حياتي جوّاً من البهجة".
شغب سياسي
في 74 عاماً أمضى ثلثيها خلف الكاميرا، قدّم مرزوق 14 فيلماً سينمائياً. كان نشيطاً في البداية ومُقِلاً بدءاً من مطلع سنوات الألفين. الى أن انقطع عن السينما كلياً منذ عشر سنين. كان مرزوق من المجددين، سبق جماعة الواقعية ببضع سنوات. سبق محمد خان وعاطف الطيب وداود عبد السيد بأكثر من عقد. وعلى الرغم من كل الصفات التي نُسبت اليه، من "الشغب السياسي" الى "فيلسوف الصورة" (عنوان كتاب لمجدي الطيب عن مرزوق)، كان عصامياً لم يدرس السينما أكاديمياً. تعلّمها من خلال احتكاكه بالحرفة. صنع نفسه بنفسه. كان متطعشاً للمعرفة، يميل الى الاطلاع والقراءة. الشاشة وكلّ ما يرتبط بها أبهرته منذ الصغر. حقيقة أن منزل العائلة التي كان يرعى شؤونها بعد وفاة والده، كان ملاصقاً لـ"ستوديو مصر"، جعلت شغف السينما ينمو فيه بشكل تصاعدي. كان فتى صغيراً، عندما شاهد سيسيل ب. دوميل يصوّر "الوصايا العشر" في صحراء الهرم. هذا في منتصف الخمسينات، وقد احتاج مرزوق عقداً من الزمن كي يدخل مجال الصورة، بدايةً من خلال عمله كمساعد للمخرج ابرهيم الشقنقيري، ثم التحاقه بمحطات تلفزيونية، حيث أخرج فيلماً عام 1970 عن عبد الناصر نال جائزة في مهرجان لايبزيغ. "دموع السلام" عنوان الفيلم الناصري.
النظرة الى المرأة
1971 هو عام انطلاقه المدوّي مع فيلم "زوجتي والكلب"، باكورة أعماله الروائية الطويلة. فيلم أصبح اليوم من كلاسيكيات السينما العربية. لم يكن مرزوق إلا في الحادية والثلاثين عندما أنجز هذه الجوهرة السينمائية. حمل الفيلم نبرة مستحدثة. اعتبر وارث تيارات الواقعية التي كانت نشأت في أوروبا في السنوات السابقة. الفيلم عن رجل يشكّك في زوجته وتتصاعد وتيرة الشك كلما تقدم الفيلم الى الأمام. في الماضي كان زير نساء، وها إن ماضيه يلاحقه. هذا الشريط الذي استلهمه مرزوق من "عطيل" لشكسبير، يتيح مواجهة جميلة بين سعاد حسني ومحمود مرسي. أمّا "أريد حلاً"، عام 1975، فجمع بين فاتن حمامة ورشدي اباظة. ديبلوماسي يرفض أن تطلّقه زوجته، فيحملهما هذا الرفض الى المحكمة الشرعية التي سيكون اللجوء اليه قاسياً على الطرفين. في غضون ذلك، تقع الزوجة في غرام صديق شقيقها. "أريد حلاً"، أحد هذه الأفلام التي طوّر مرزوق من خلالها لغته السينمائية، معمّقاً الاشتغال على المضمون، وإن حافظ الهيكل الدرامي على شيء من التقليدية. الفيلم ساهم أيضاً في تطوير النظرة الى المرأة في المجتمع المصري العربي المسلم المحافظ، وكان من الأعمال التي شاركت في إلغاء بند "بيت الطاعة" من قانون الأحوال الشخصية.
من السادات الى ثورة يناير
طوال مسيرته، أنجز مرزوق سينما سجالية لم تلقَ دائماً الترحيب المستحق. وكان من الطبيعي ان تُهاجَم وتُنتقَد، وخصوصاً أن بعض هذه الأعمال رفعت سقف النقد ورصدت تحولات مجتمعية خطرة. ففي "المذنبون" (1976) مثلاً، انتقد مرزوق فساد الطبقة الحاكمة أيام السادات من خلال كشفه مساوئ الخطة الاقتصادية التي وضعها الرئيس المغتال. الفيلم من بطولة سهير رمزي وعادل أدهم واقتباس لقصة لنجيب محفوظ، وقد تعرض لحملة أعادت الرقابة على إثرها اقتطاع بعض المشاهد التي كانت وافقت عليها سابقاً. من أفلامه: "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" (1985)، "أيام الرعب" (1988)، "المغتصبون" (1989)، "السلاحف" (1996)، "المرأة والساطور" (1997).
كان مرزوق قريباً من الهموم الاجتماعية وعالجها بجرأة ما. من خلال كمشة أسئلة، استطاع تحريك الرأي العام. لم يكن يستسيغ ابتعاد السينما المعاصرة عن هذه القضايا. في أكثر من مناسبة، اعتبر ما يُنجز حالياً في مصر تهريجاً بتهريج لا يمت الى واقع الحال بصلة. من فراش المرض الذي أذلّه فاضطرّت زوجته الى بيع أثاث البيت لتسديد فواتير المستشفى، كان يقول إنه يتمنى لو كان أفضل حالاً وصحة للنزول الى ميدان التحرير، كي يضطلع بدور في ثورة يناير من خلف الكاميرا، إذ كان يرى أنه الى الآن لم تؤرّخ السينما المصرية للربيع المسلوب.
سعيد مرزوق اختار "أيام الرعب" العربي كي يرحل، من دون أن ينقذ ما يمكن إنقاذه...
نبض