نتنياهو: بلينكن أكّد لي أنّ أميركا ستلغي القيود على إمدادات الأسلحة لإسرائيل

محرقة ابن عربي
Smaller Bigger

أفادت قناة "العالم"، أن أبا بكر البغدادي، "الخليفة الداعشي"، أمر عناصر تنظيمه بجمع كتب الفلسفة والتصوف التي تعود إلى محيي الدين بن عربي أحد اشهر شيوخ المتصوفين، وحرقها. وكان "الخليفة الداعشي" قد أمر في وقت سابق بمنع نشاطات الجماعات المتصوفة ومنع تدريس الفلسفة في المدراس. للوهلة الأولى، يبدو هذا الأمر في زمننا غريباً، غير أنه يستند في الواقع إلى تقليد سلفي متين، له دعاته وأئمته منذ قرون عديدة.


حصد ابن عربي شهرة واسعة في عالم التصوف، ولقّبه أتباعه بـ"الإمام الأكبر"، ونسبوا إليه الطريقة الأكبرية الصوفية. إلا أن هذه الطريقة أثارت منذ نشوئها حفيظة الكثيرين، وسعى الكثير منهم إلى تكفير مؤسسها، ووصفوه بالملحد. تكررت هذه الدعوة بشكل صريح في العصر الحديث، وبات ابن عربي عدوّ السلفيين الأكبر وخصمهم الأشدّ، فهو "الفيلسوف الصوفي الملحد" الذي خرج بـ"مذهب وحدة الوجود الإلحادي الخطير". فمَن يكون صاحب هذا المذهب "الإلحادي الخطير"؟
هو محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي، ولد في مرسية في الأندلس عام 1164، قبل عامين من وفاة "سلطان الأولياء" الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي تُنسب إليه الطريقة القادرية الصوفية. درس في اشبيلية ومكة وبغداد، وتوفي في دمشق عام 1240، ودُفن في سفح جبل قاسيون. في "الوافي بالوفيّات"، يصفه الصفدي بـ"صاحب المصنّفات في التصوّف وغيره"، وينقل آراء أهل العلم المتضاربة في التعريف به. بحسب ابن مسدي، كان ابن عربي "ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات، وكتب لبعض الولاة، ثم حجّ ولم يرجع إلى بلده، وروى عن السلفي بالإجازة العامة، وبرع في علم التصوف، وله فيه مصنّفات كثيرة، ولقي جماعة من العلماء والمتعبدين وأخذوا عنه". بحسب الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فإن ابن عربي "شيخ سوء كذّاب مقبوح يقول بقدم العالم ولا يرى تحريم الفرج".
يضيف الصفدي في هذا الصدد: "وقفت على كتابه الذي سمّاه الفتوحات المكية لأنه صنّفه بمكة وهو في عشرين مجلدة بخطّه، فرأيت أثناءه دقائق وغرائب وعجائب ليست توجد في كلام غيره، وكأن المنقول والمعقول ممثلان بين عينيه في صورة محصورة يشاهدها متى أراد. أتى بالحديث أو الأمر ونزله على ما يريده، وهذه قدرة ونهاية إطلاع وتوقد ذهن وغاية حفظ وذكر، ومن وقف على هذا الكتاب علم قدره وهو من أجلّ مصنفاته".
منذ القرن الرابع عشر، كان لابن عربي الكثير من الأعداء، كما كان له مريدون يتبنّون طريقته في التصوف، وظهر بين هذين الفريقين فريق وسطي يعبّر عنه قول الشيخ شمس الدين فيه: "له توسّع في الكلام، وذكاء وقوة خاطر وحافظة وتدقيق في التصوف وتواليف جمة في العرفان، ولولا شطحه في كلامه وشعره، لعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته، فيرجى له الخير". دعا البعض من أعداء فكر ابن عربي إلى تحريمه، فأحرقوا كتبه وأتلفوها، كما شهد الملك المؤيد إسماعيل بن أبي الفداء في تاريخه حيث يقول في عرضه لحوادث سنة أربع وأربعين وسبعمئة: "وفيها مزقنا كتاب فصوص الحكم بالمدرسة العصرونية بحلب عقب الدرس وغسلناه، وهو من تصانيف ابن عربي، تنبيهاً على تحريم قنيته ومطالعته، وقلت فيه: هذي فصوص لم تكن بنفيسة في نفسها أنا قد قرأت نقوشها فصوابها في عكسها".
على رغم هذا التحريم الصريح، ظلّ لابن عربي أتباع يجلّونه ويكبرون فكره، فيما كان الآخرون يعمدون إلى تلف كتبه. في "مفاكهة الخلاّن في حوادث الزمان"، يتحدث ابن طولون عن متصوّف يُدعى ابن حبيب "اشتهر عنه اعتقاد عقيدة ابن عربي"، وقد جاء هذا المتصوّف من صفد إلى صالحية دمشق، "ثم أتى إلى تربة ابن عربي، وصحبته جماعة من معتقدي ذلك، وتلقّاه خلق من الرعاع وتبرّكوا به، فزار قبر ابن عربي وصرّح بالإنكار على من ينكر عليه، وذكر كلمات لا يليق ذكرها"، ثم قصد الجامع الأموي في يوم الجمعة وصلّى فيه في حضور جمع غفير، "ثم قام ورجع من حيث أتى". أحدثت هذه الزيارة بلبلة في صفوف العامة والخاصة، وصار لابن حبيب وجماعته أعداء يرون فيه داعياً من دعاة الفتنة والشقاق، وهؤلاء هم من "يعتقد مذهب ابن عربي". في الختام، يخبرنا ابن طولون أنه جيء "ببضعة كتب، منها كتاب الفصوص"، وتم إتلافها في "بركة الكلاسة"، والكلاسة زاوية في الجانب الشمالي من جامع دمشق كما هو معروف.
دخل ابن عربي في الظلّ، غير أنه ظلّ حياً في دائرة المتصوفين. في "النور السافر عن أخبار القرن العاشر"، يتحدث محيي الدين العيدروس عن فقيه شافعي صوفي من حضرموت جمع "بين علوم الشريعة وسلوك الطريقة وشهود الحقيقة"، وهو "صاحب أحوال سنية ومقامات علية وفراسات صادقة وكرامات خارقة". وكان هذا الشيخ "مولعاً بكتب الشاذلية وكان يميل إلى طريقتهم السنية حتى قيل فيه إنه شاذلي زمانه"، "وكان يعظّم الشيخ محيي الدين بن عربي، وكان له في اقتنائها أشد عناية، حتى أن كتاب الفتوحات المكية كان لا يوجد بحضرموت إلا عنده".
كان هذا الشيخ يحتفظ بنسخة "الفتوحات" لنفسه، "تعظيماً لشأنه، لأن الناس لا يفهمون معانيه، فيقعون في الغلط بسبب ذلك"، كما كان يقول. يعلّق محيي الدين العيدروس هنا، وينقل عن الشيخ الحافظ السيوطي: "والقول الفصل عندي في ابن عربي طريقة لا يرضاها فرق أهل العصر، لا من يعتقده ولا من يحطّ عليه". ثم ينقل عن الشيخ أبي بكر العيدروس: "لا أذكر أن والدي ضربني ولا انتهرني إلاّ مرة واحدة بسبب أنه رأى بيدي جزءاً من كتاب الفتوحات المكية لابن عربي، فغضب غضباً شديداً، فهجرتها من يومئذ". ثم يضيف: "كان والدي ينهي عن مطالعة كتابي الفتوح والفصوص لابن عربي ويأمر بحسن الظن فيه وباعتقاد أنه من أكابر الأولياء العلماء بالله العارفين، ويقول: إن كتبه اشتملت على حقائق لا يدركها إلا أرباب النهايات وتضرّ بأرباب البدايات".
رفض ابن تيمية أطروحات ابن عربي ورأى في مبدأ "وحدة الوجود" خروجاً عن الدين القويم والسنّة الشريفة، وتبعته في ذلك طائفة من الإئمة والعلماء. في المقابل، دافعت طائفة أخرى من العلماء عن ابن عربي وسعت إلى تبرئته من تهمة الإلحاد التي أُلصقت به. صنّف الفقيه برهان الدين البِقاعي الشافعي كتاباً سمّاه "تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي"، وردّ عليه الإمام جلال الدين السيوطي بكتاب "تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي". دخل الشيخ إبرهيم بن محمد الحلبي في هذه المعركة الفقهية، ووضع كتاباً عنوانه "تسفيه الغبي في تكفير ابن عربي".
اشتدّت هذه المعركة في الأزمنة الحديثة، وازدادت حدّتها بشكل كبير مع تبنّي المؤسسات السلفية موقفاً متصلباً لا يختلف عن الأمر التي أطلقه حديثاً أبو بكر البغدادي "الخليفة الداعشي". خرجت مؤلفات ابن عربي من العتمة إلى النور وبات لها جمهور من الدارسين المختصين. في المقابل، رأى السلفيون أن ابن عربي صاغ بلا مواربة عقيدة باطلة تمثّل كفراً لم يعرف البشر أعظم منه في تاريخهم الطويل، وهذه العقيدة لا تعبر في أيّ حال من الأحوال عن شطح ما، وإنما هي عقيدة فلسفية مقرّرة مشروحة في عشرات الكتب، وهنا تكمن خطورتها.
جمع أعداء ابن عربي أقوال من حارب فكره من كبار العلماء، فسارع أنصاره إلى الدفاع عنه، وحرصوا على إبراز أقوال كلّ من امتدحه وعظّم نتاجه الفكري. قال أبو حيان الأندلسي في تفسير "سورة المائدة": "ومن بعض اعتقاد النصارى، استنبط من أقرّ بالإسلام ظاهراً، وانتمى الى الصوفية، حلول الله في الصور الجميلة، ومن ذهب من ملاحدتهم الى القول بالإتحاد والوحدة، كالحلاّج والشعوذي وابن أحلى وابن عربي المقيم بدمشق". وقال ابن تيمية: "إن ابن عربي وأمثاله وإن ادّعوا أنّهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل الكلام، فضلا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنّة". في الجهة المعاكسة، قال ابن حجر الهيتمي: "إن الشيخ محيي الدين بن عربي من أولياء الله تعالى العارفين ومن العلماء العاملين، وقد اتفقوا على أنه كان أعلم أهل زمانه، بحيث أنه كان في كل فن متبوعاً لا تابعاً، وأنه في التحقيق والكشف والكلام على الفرق والجمع بحر لا يجارى، وإمام لا يغالَط ولا يُمارى، وأنه أورع أهل زمانه وألزمهم للسنّة وأعظمهم مجاهدة".
وقال العلاّمة ابن كمال باشا مفتي الدولة العثمانية: "أيّها الناس، اعلموا أن الشيخ الأعظم، المقتدى الأكرم، قطب العارفين، وإمام الموحدين، محمد بن علي بن العربي الطائي الأندلسي، مجتهد كامل، ومرشد فاضل، له مناقب عجيبة، وخوارق غريبة، وتلامذة كثيرة، مقبولة عند العلماء والفضلاء، فمن أنكره فقد أخطأ، وإن أصرَّ في إنكاره فقد ضلَّ، يجب على السلطان تأديبه، وعن هذا الاعتقاد تحويله، إذ السلطان مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وله مصنّفات كثيرة، منها: "فصوص حكمية" و"فتوحات مكيّة". وبعض مسائلها معلوم اللفظ والمعنى، وموافق للأمر الإلهيّ والشرع النبوي، وبعضها خفي عن إدراك أهل الظاهر دون أهل الكشف والباطن، فمَن لم يطلع على المعنى المرام يجب عليه السكوت في هذا المقام".
في مطلع عام 2009، اعترض "الأخوان المسلمون" على صدور "الفتوحات المكية"، فردّت "دار الكتب" على هذا الاعتراض، وأكّدت تمسكها بنشر الكتاب. بدأت هذه المعركة حين نظمت دار الكتب المصرية بالتعاون مع السفارة الإسبانية في القاهرة مؤتمراً حمل اسم "ابن عربي". انتقد عضو كتلة "الأخوان المسلمين" في مجلس الشعب النائب علي لبن هذا المؤتمر، ورأى فيه محاولة لترويج فكر ابن عربي، "المتصوف المتطرف"، وقال إن انعقاد هذا المؤتمر يخالف قراراً لمجلس الشعب بحظر الترويج لفكر ابن عربي، صدر في نهاية السبعينات، وأضاف أن المؤتمر "أقيم بتمويل أجنبي مشبوه، الأمر الذي يحقق الأهداف الصهيونية الأميركية بتفريق كلمة الأمة بالترويج لفكر ابن عربي الذي يتعارض مع أصول الدين". رفض رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب المصرية الدكتور عبد الناصر حسن هذا الكلام، وقال: "أرى في هذا الكلام فرقعة إعلامية، فنحن غيورون على ديننا كل الغيرة، لكن هذا لا يعني أن نحجر على فكر الآخر، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه". تجدر الإشارة هنا إلى أن كتاب "فتوحات مكية" تعرض في نهاية السبعينات لحملة تطالب بمنع صدوره، وذلك حين حقّقه الدكتور يحيي عثمان ونشره. وانتهى المجلس آنذاك إلى حظر تداول فكر ابن عربي لتعارضه مع مضمون القرآن الكريم والسنّة.
سبق "الأخوان" "داعش" في المطالبة بمنع نشر "الفتوحات المكية". وكتب أحمد الشهاوي في هذه المناسبة مقالة نارية حملت عنوان "مع ابن عربى... داعش هُم الأخوان والسلفيون". قبل "الأخوان" و"داعش"، خرجت أصوات سلفية تطالب بحرق نتاج ابن عربي. على صفحة من صفحات المواقع السلفية التي لا تُحصى، نقع على سؤال فقهي يتناول "كتب ابن عربي وتداولها وموقف العلماء المتقدمين من ذلك". أحد المشاركين في هذا السجال يستعرض هنا آراء بعض من ذهب إلى وجوب حرق كتب ابن عربي وتلفها. في المقام الأول، يأتي "أبو المحاسن تغري برمش بن يوسف التركماني الحنفي، وكان يتعصب للحنفية مع محبته لأهل الحديث والتنويه بهم وتعصبه لأهل السنّة وإكثاره الحطّ على ابن العربي ونحوه من متصوّفي الفلاسفة ومبالغته في ذلك، بحيث صار يحرق ما يقدر عليه من كتبه، بل ربط مرة كتاب الفصوص في ذنب كلب وصارت له بذلك سوق نافقة عند كثيرين".
كذلك، سعى الفقيه المحدث القاضي عيسى بن مسعود المنكلاتي إلى تلف كل نسخ "فصوص الحكم"، وأمر بحرقها، و"أَدّب من اتهم بهذا المذهب أو نُسب إليه أو عُرف به". في المعنى نفسه، دعا القاضي العلاّمة عبد الرحمن بن محمد خلدون إلى محو كل أثر لـ"الفصوص" و"الفتوحات"، ورأى أن "الحكم في هذه الكتب كلها وأمثالها، إذهاب أعيانها متى وجدت بالتحريق بالنار والغسل بالماء، حتى ينمحي أثر الكتابة، لما في ذلك من المصلحة العامة في الدين، بمحو عقائد المضلة".

الأكثر قراءة

لبنان 6/16/2026 5:52:00 PM
خدم في جنوب لبنان وقاد عمليات في جنين.. من هو هشام إبراهيم؟
فن ومشاهير 6/15/2026 11:21:00 AM
في أجواء عائلية دافئة، شارك كريم محمود عبدالعزيز وروجينا وإلهام شاهين جمهورهم فرحة تخرج أبنائهم، مبرزين الجانب الإنساني والأسري بعيداً من أضواء الشهرة.