"اللمس"... كلمة باتت تشكّل اليوم قاعدة تنطلق منها أحدث اساليب العلاج في مراكز طبيّة عدة حول العالم. كذلك، أصبحت محوراً للعديد من الدراسات التي تكتشف يوماً بعد يوم فوائد صحيّة جديدة للمسات: بدءاً من ازالة الخوف والتوتر والقلق، مروراً بخفض ضغط الدم وبتحسين الجهاز المناعي وقدرة الجسم على الشفاء السريع من الجروح والأمراض، وصولاً إلى فوائد أخرى ما زالت قيد الدرس.
عندما نقول لمسة نعني بها عناقاً، قبلة، مسك اليد وأي حركة تشمل احتكاكاً جسدياً بين شخصين. أول من اهتم بموضوع اللمسات وأجرى دراسات حولها كان العالم الاميركي المتخصص في الاعصاب والدماغ الدكتور جيم كوان. فقد درس ردّة فعل الدماغ على لمسة الانسان في اوضاع معينة. وقد توصلت أولى الدراسات في هذا المجال، وكانت أجريت على نساء متزوجات يعانين حالات توتر وقلق وخوف، إلى أن اللواتي واظب أزواجهن على مسك ايديهن، أظهرن تراجعاً في نشاط اجزاء الدماغ التي تحفزها حالات القلق والتوتر.
معهد الدراسات في جامعة ميامي أجرى من جهته أكثر من 100 دراسة خاصة بينّت أن اللمس يحمل نتائج ايجابية جداً كنمو سريع عند الاطفال الخدّج، خفض الشعور بالألم، تحفيز جهاز المناعة وتنشيطه، خفض نسبة "الغلوكوز" في الدم، وخصوصاً عند الأطفال. هذا غيض من فيض ما يمكن أن تحمله اللمسة من فوائد صحية، تتوقف عند أبرزها في الأسطر الآتية.
خفض القلق والتوتر والخوف
مبدأ ربط الاحتكاك الجسدي واللمس بين شخصين بتقليل حدّة القلق والتوتر والخوف، هو المبدأ نفسه الذي ينطبق على جلسات التدليك، التي يخرج منها الشخص مرتاحاً، مسترخ وبمزاج جيد. لماذا؟ لأن اللمس ببساطة كفيل باطلاق كميات من هورمون الـMelatonin (ينظم الدورة الخاصة بنوم الإنسان واستيقاظه) وهورمون السعادة الـSerotonin. وهذا ما اثبتته دراسة اجراها باحثون من جامعة Duke الاميركية في ولاية كارولاينا الشمالية. على الخط نفسه، تؤكد المعالجة النفسية ومؤلفة كتابA Happy you: your ultimate prescription for happiness اليزابيث لومباردو أن العناق، اللمسات والاحتكاك بين شخصين، وخصوصاً إذا كانا مغرمين ببعضهما البعض...كلها خطوات قادرة على اطلاق كميات كبيرة من هورمون الـOxytocin، وهو هورمون "السعادة" أيضاً. وتشير الدكتور مديرة مركز الصحة الجنسيّة في ولاية ميشيغان الاميركية رينيه هوروويتز، الى انه خلال العناق تطلق المواد الكيميائية نفسها التي يطلقها الجسم بعد عادة التمارين الرياضية أو بعد تناول الشوكولا، والتي تساهم في الشعور بالسعادة والراحة.
تحفيز جهاز المناعة
العناق، القبلات، الملامسات وحتى الجنس في حد ذاته... كلها من المحفّزات لجهاز المناعة، ذلك أن الجسم البشري ينتج معدلات مرتفعة من الـImmunoglobulin (IGA)، وهو مضاد حيوي يمكن ان يمنع أعراض البرد والزكام وعدداً من أنواع البكتيريا المزعجة. هذا ما توصل اليه باحثون من ولاية بنسيلفانيا الأميركية، وقد أجروا اختبارات على اشخاص يقيمون علاقات جنسية بمعدل مرتين الى ثلاثة في الاسبوع، ووجدوا ان مناعة هؤلاء أعلى بـ33% من الاشخاص الذي انقطعوا عن الجنس منذ وقت طويل.
يشفي الجروح أسرع
وجد باحثون من جامعة اوهايو الاميركية ان التوتر والقلق مسؤولان عن ارتفاع مستوى الهورمونات في الدم، وبالتالي التأثير على عملية ايصال بروتين الـCytokine الذي يستخدمه الجسم في عمليات التواصل بين الخلايا، والذي يلعب دوراً في عمل الجهاز المناعي. واضاف فريق الباحثين أن هذا التأثير على عمل الـCytokine ينتج منه تأخير في عملية شفاء الجروحات ومعافاتها. وتوصلت الدراسة الى ان الجراح اخذت وقتاً اطول (بيومين) قبل الشفاء التام عند الاشخاص الذي اختبروا في الفترة نفسها خلافات مع شركائهم. أما عند اولئك الذين عاشوا لحظات ممتعة من اللمس والحنان والعناق مع الشريك، فطابت جروحهم في وقت اسرع بكثير.
يُخفض ضغط الدم
توصلت الدراسات العلمية الى ان لمس الفرد لشريكه يحفّز لدى الثاني مستقبلات حسيّة (Receptors) تحت الجلد مسؤولة عن خفض ضغط الدم ونسب مادة الـCortisol، وبالتالي خفض نسب التوتر في الوقت نفسه. هذا ما يؤكده الدكتور ماتيو هيرتيشتاين، مدير مختبر Touch and Emotion في جامعة De Paw الأميركية. أما دراسة جامعة شمال كارولاينا فتفيد، بعد اختبارات أجرتها، ان خفض مستوى ضغط الدم ناجم عن افراز مادة الـOxytocin في الدماغ. كما ان انخفاض ضغط الدم يقلل بدوره خطر الاصابة بأمراض القلب والازمات القلبية.
لامسي طفلك... إفهمي حاجاته!
لمسة الأم لطفلها – وخصوصاً في أشهره الأولى مهمة جداً، ليس للطفل فحسب بل لها هي أيضاً، لما يعود عليها من منافع صحيّة ونفسيّة. هذا ما تنصح به الدكتورة آن بيغلو، الاستاذة والباحثة في علم النفس في جامعة St. Francis Xavier في اسكوتلندا. وتضيف أن ملامسة الأم لطفلها في الأشهر الأولى مفيدة جداً لتهدئة الرضيع، فيبكي أقل وينام أفضل، وبالتالي ينمو بطريقة صحيّة، وذلك لكون فترة ونوعية النوم مهمين جداً لنمو الطفل العقلي والجسدي. هذا ما دارت حوله دراسة حديثة طلبت من عدد كبير من الامهات حمل اطفالهن لمدة ثلاث ساعات يومياً على الأقل، لتتوصل الى ان هؤلاء الاطفال بكوا أقل من غيرهم من الاطفال.
وتلفت بيغلو الى ان الاحتكاك بين الأم وطفلها يعود بالفائدة على الأم ايضاً، فيقلّل من نسبة التوتّر والقلق عندها. ويساعد، بحسب بعض الدراسات، على إبعاد خطر إصابتها بالاكتئاب. وايضاً، فان لمس الأم لطفلها اساسي لخلق رابط بينها وبينه، ذلك الرابط الذي يمكن تعريفه ببطاقة الهوية التي ستعرّف الطفل على والدته لمجرّد اقترابها منه. اما اللافت في هذا المجال، فهو نتيجة دراسة حديثة اظهرت ان الأمهات اللواتي انجبن حديثاً تشكلّت في منطقة صدورهنّ طبقة جلدية اكثر سماكة من سواهن من النساء، وذلك لتجهيز هذه المنطقة لحضن الطفل وتوفير درجة حرارة ودفء مناسبين له.
عندما تلامس بشرة الأم بشرة طفلها، يطلق جسمها هورمون الـOxytocine وهو الهورمون الذي تحدثنا عنه سابقاً، والمسؤول عن السعادة والراحة النفسيّة. اما بالنسبة إلى الطفل، فان ملامسة والدته له يعيد اليه ذكريات عاشها في رحمها، وبالتالي شعر بالراحة والأمان.
في بعض البلدان تعتبر العلاقة الحسيّة – الجسديّة بين الأم وطفلها اساس كل علاقة، على عكس بلدان اخرى. ولكن يبقى السؤال عن العمر الذي يجب التوقف فيه عن هذه اللمسات. ويأتي الجواب من يبغلو أن الطفل هو الذي يقرر الوقت الذي يجب ان تتوقف فيه والدته عن هذه الملامسات والحنان والعناق، فتتغيّر اهتماماته.
ولكن بعد كل ذلك، ستعلو الاصوات المعترضة والمدافعة عن فكرة أن حمل الطفل سيفسده، وانه يجب أن نتركه يبكي قليلاً كي يعتاد على الفكرة أنه بات مستقلاً وعليه المشي وحيداً. غير أن الدكتورة بيغلو تجد الحقيقة في مكان آخر. ذلك أن الأم – وفي كل مرة تتجه لحمل طفلها، عندما يبكي، تقول له بطريقة غير مباشرة وبلغة يفهمها هو فقط: "أتفهّم حاجتك واعرف ما تريد"، فلا تتردّدين... احمليه، ضمّيه الى صدرك، غني له اغنية، لامسي ظهره، اشعريه بالامان والحنان وهو بين يديه، ويشعر بك.
وماذا عن الأب؟
وأنت أيها الأب، دورك مهم جداً. تقول الدراسات ان لمسات الأم تختلف اختلافاً جذرياً عن لمسات الأب تجاه الطفل، ففي حين تكون لمسات الأم اقرب الى العناق، القبلات، يكون تعاطي الأب مع طفله أعنف، بوضعه على ركبتيه مثلاً، او رميه في الهواء... ولكن مهما اختلف الاسلوبان والطريقتان، يبقى الاثنان ضروريان لنمو وتطوّر الطفل الصحيّ.
في الختام، "اللمس" مهّم جداً في العلاقات العائلية، الصداقات وحتى العلاقات الاجتماعية، والحرمان من هذا "الحنان الجسدي" مضرّ للشخص على الصعيدين الصحي والنفسي. وحتى لو اختلفت العادات والتقاليد بين مجتمع وآخر، فسمحت بها في مجتمع ومنعتها في آخر، لكنها تبقى أساسية ولغة خاصة بالقلب والمشاعر، يمكن اعتمادها لايصال رسائل قد يصعب على الكلمات ايصالها.
نبض