دأب اللبنانيون على متابعة الألعاب القتالية عبر السينما لا سيما في فترة السبعينات من القرن الماضي مع البطل الصيني بروس لي ثم جاكي شان في الثمانينات والتسعينات، وبعدها كان انتشار قوي لكل الفنون القتالية التي تنطلق من شرق القارة الآسيوية والتي بات أكثر مصطلحاتها متعارفاً عليه باسم الكاراتيه.
دخل فن الكاراتيه الى لبنان عبر الشاشة والأفلام الهوليوودية، ثم انتشر بشكل متحفظ في المجتمع اللبناني، الى حين انشاء اتحادات وجمعيات تعنى بهذه الفنون القتالية التي هدفها الأساس تلقين الناس فن الدفاع عن النفس.
جمعية "كوكوشوكورين" ISKF تنظم سنوياً دورة عن الفن القتالي الياباني "شوتوكان كاراتيه" عبر استقدام أهم الأساتذة العالميين في هذه الرياضة الروحية، وحضر هذا العام المعلم يوتاكا ياغوشي لتنظيم مخيم في ملعب مدرسة الشانفيل ديك المحدي لجميع الفئات العمرية وتعليمهم أساسيات هذه الرياضة.
ويعد ياغوشي (83 سنة) أهم أساتذة هذا الفن في العالم وأكثرهم خبرة في الوقت الحاضر اكستبها على امتداد 65 سنة في هذا المجال، كما له مؤلفات عدة تتناول أسس الكاراتيه واهميتها مثل "mind and body like bullet" وهو عاصر مؤسسي هذه الرياضة المعلم غيشين فوناكوشي وماساتوشي ناكاياما.
وكشف ياغوشي عن اسباب زيارته الى لبنان في حديثه مع "النهار" قائلاً: "جئت الى لبنان لأغني شعبه بهذا الفن وأقيم علاقة مع كل أطيافه عبر الكاراتيه، على ان تكون علاقة متينة ومد جسور قوية عن طريق رياضة روحية مهمة لكل الشعوب".
ورأى كبير المدربين في الاتحاد الدولي للكاراتيه شوتوكان انه يمكن الكاراتيه ان تنتشر في لبنان عبر الروحية اليابانية ولأن الشعب اللبناني يحب الثقافات البعيدة عنه ويتقنها لو تدرب عليها، واضاف: "أنا أؤمن بأن التدريب وهذه المخيمات التي تقام سنوياً يمكنها ان تشد عضد اللعبة في لبنان".
ينتمي ياغوشي الى جمعية ISKF العالمية والتي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، واتحاد كاراتيه الشوتوكان الدولي هو جهة ومنظمة غير ربحية معتمدة من حكومة اليابان وتقوم بتوسيع نشاطاتها وفعالياتها منذ تأسيسها لتضم في عضويتها أكثر من 120 دولة تمثل بضعة ملايين من الأعضاء على مستوى العالم بما فيه لبنان.
وتعتمد فلسفة الشوتوكان كاراتيه في الأصل على روح "بودو" التقليدية للكاراتيه والتي تبحث عن كمال الشخصية من خلال التدريب القاسي والالتزام بالمبادىء والأخلاق. واضافة الى الفلسفة التقليدية، والتي تؤيدها نظرية التحية والمبادىء والقواعد الأخلاقية، فان اتحاد الشوتوكان الدولي يهدف ايضا الى تحقيق مبدأ نمو الناشئة على أساس صحة العقل والجسد وتبادل العلاقات الدولية الانسانية وتعزيز الصداقة الدولية من خلال التدريبات والمنافسات.
هذه الفلسفة تتبناها الجمعية في لبنان، واعتبر ياغوشي ان الجمعية في لبنان نشيطة بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط وتعمل على نحو واسع لنشر اللعبة، كما أعرب عن أمله في ان يساهم بشكل كبير في هذه النشاطات عبر تقديم خبرته لكل محبي هذه الرياضة خصوصاً الشبان. وكانت الجمعية شاركت في بطولتين عالميتين في كندا (2008) والفيليبين (2013) وتحضر للمشاركة في جنوب أفريقيا بعد سنتين (2016).
وتحدث ياغوشي أيضاً عن تاريخ اللعبة، ملمحاً الى ان نشأة هذه الرياضة ليست مؤرخة بشكل دقيق، ولكنه عرض بشكل موجز مراحلها منذ تأسيسها في جزيرة أوكيناوا في أقصى جنوب اليابان عام 1922، ثم انتقل الفن الحديث تدريجاً الى باقي المدن اليابانية عبر المعلم غيشيتن فوناكوشي الذي علّم الرياضة الجديدة في جامعة كايو، وفي عام 1978 تأسس ISKF الذي اهتم بنشر هذه الرياضة عبر ارسال معلمين الى كل انحاء العالم ومنها الولايات المتحدة حيث المقر الرئيسي للاتحاد حالياً، وكان بين المعلمين الأستاذ تيريوكي أوكازاكي الذي ترأس الاتحاد ولا يزال الى الآن، وأضاف ان اتحاد شوتوكان هو امتداد للاتحاد الياباني للكاراتيه JKA.
وشرح المعلم ياغوشي ان الهدف الأساسي في الكاراتيه ليس القتال ونشر العنف، بل بناء شخصية الانسان حيث لا مجال لوجود اختلافات لا سيما الدينية والعرقية، والكاراتيه تعلم كيفية الدفاع عن النفس في الشخص الواحد، إذ ان كل انسان بداخله صراع بين الخير والشر، والكاراتيه أساسها تلقين هذا الشخص كيفية جعل منطق الخير هو السائد بداخله، عبر السيطرة على الذات وليس القتال مع الآخر. واضاف: "الربح والخسارة في الكاراتيه ليس لهما معنى بقدر التعليم الصحيح الذي هو أهم من الفوز والهزيمة". وشدد المعلم على ان الأمر الأساسي في هذا الفن هي القواعد الخمس "دوجو" وهي: السعي الى كمال الذات، المثابرة، الامتناع عن العنف، الإخلاص، واحترام الآخر، وهذه الأسس الخمسة متبعة بدقة في التمارين وليس القتال وعرض العضلات، وتابع: "انطلاقاً من كل ما تقدم يمكننا ان نجزم ان السياسة والدين والعرق وكل ما من شأنه ان يفرق الناس لا مكان لها في الكاراتيه".
وشدد ياغوشي على اهمية نشر هذا الفن، معتبراً ان الطريق الأفضل لتسويقه هو الشق الرياضي وعبر المحاضرات والعروض الشيقة، وهذا جزء بسيط من "بحر الفن".
ودعا الشعب اللبناني الى اتقان هذه الرياضة النبيلة لأنه بحاجة اليها، وهو فن يساعد كل الفئات على ابعاد ضغط الحياة عن كاهلهم ولأن الكاراتيه للجميع بدون استثناء من مرحلة الطفولة حتى سن الشيخوخة، مشيراً الى ان الالعاب القتالية اليابانية كلها انشئت لهدف واحد وانما تختلف بالتقنيات.
وعن الجمعية في لبنان أشارت مسؤولة العلاقات فيها هلا الزغبي الى ان "العمل فيها يتم على مبدأ التطوع، ودورها المحلي هو الانفتاح على مشاكل المجتمع وتقديم المساعدة بإسم الكاراتيه بغية الوصول الى انسان أفضل"، وأضافت: "نتطلع لأن يكون الانسان في لبنان أفضل ونحاول ان نجسد هذه المقولة اجتماعياً من خلال نشاطاتنا المتعددة حيث لدينا مناسبات عدة نعمل فيها مع الناس لا سيما اليافعين والشبان، وآخرها كان تنظيم الإفطار السنوي وقبلها أعياد الميلاد ورأس السنة، إضافة الى مهرجان ينبوع الطفولة ومخيم شبابي في مركز شاتيلا، فضلاً عن تنظيم مؤتمرات لشرح أهمية هذا الفن وتنظيم مخيمات خصوصاً المخيم السنوي الذي شرّفنا فيه هذا العام المعلم يوتاكا ياغوشي"، واشارت الى ان "عملهم في الجمعية يعاني بفعل الأوضاع الأمنية، لكنهم مصممون على تخطي الصعاب لإيصال اهدافهم الى أقصى الحدود" وذلك عبر فروعهم المنتشرة في لبنان وهي في مناطق الأشرفية، ساحل علما، جبيل، جعيتا، الفنار، ضبية، ملكارت وذوق مصبح. ودعت المهتمين الى الاتصال بالجمعية عبر الموقع الالكتروني www.iskflebanon.com، أو الاتصال على الرقم 03/695716 أو 09/641241.
نبض