مصادر الخماسية لـ"النهار": خريطة الطريق تتبلور بعد "التثبّت من استعداد القوى السياسيّة للانخراط في العملية السياسيّة"

"أخوانْ سنّه وشيعه... هذا الوطنْ ما نبيعه"!
Smaller Bigger

هذا شعارٌ وطنيٌّ رائعٌ على الصعيد النظريّ والإعلانيّ والدعائيّ الجماهيريّ، يرفعه العراقيون، الشعبيون، الدراويش، أصحاب القلوب الطيبة (سنّتهم وشيعتهم) هاتفين بوحدة العراق ومصيره ومستقبله حين يكون السنيّ أخاً للشيعيّ والشيعيّ أخاً للسنيّ. لا بأس بوجود السنّة والشيعة في بلد متنوّع مثل العراق، يضمّ العرب والكرد والتركمان والفيليين والشبك والصابئة المندائيين، المسلمين والمسيحيين (واليهود سابقاً) والإيزيديين وربما طوائف دينية وغير دينية أخرى لا أعرفها ولم اسمع بها، ويضمّ كلّ شيء تقريباً. ما الضير في ذلك إذا كان بلدٌ عظيمٌ في تسامحه وعدد نفوسه وتنوعه الهائل مثل الهند بأكثر من مليار وربع المليار إنسان (يا إلهي!؟) يضمّ طوائفَ وإثنيات وأدياناً وقوميات وأشكالاً وألواناً على نحو لا يمكن حصره ولا ضبطه، ومن دون مشكلات تُذكر؟


ما الضير في أنْ تكون سنيّاً وجارُك شيعيّ، أو أن تكون عربيّاً وجارُك كرديّ، أو أن تكون مسيحيّاً وجارُك مسلم، أو أن تكون مؤمناً متديناً وجارُك غير ذلك، إذا كانت كلّ أديان الكون وطوائفه وقومياته وشرائعه وأدبياته تضع الأخلاق قبل كلّ شيء، والأخلاقُ هي جوهر الدين (كل دين) وقيمته العليا. هل جارُك السنيُّ من طائفتك وهو لا يرعى حرمتَكَ أفضلُ أم جارُكَ الشيعيّ الذي يحفظها؟ وهل جارُك العربيّ من قوميتك ويؤذيك أفضلُ أم جارُك الكرديّ الذي يقف لكَ في السرّاء والضرّاء؟ وهل جارُكَ المسلم من دينك وهو يعتدي عليكَ أفضلُ أم جارُك المسيحيّ أو الإيزيديّ أو حتى من لا دين له وهو يقدّس جيرتَك؟
لا شكّ في أنّ الجوابَ عن سؤال بسيط (وربّما ساذَج) كهذا لا يحتاج إلى رؤيا فيلسوف ولا إلى تطلّع عالم نفس ولا إلى خبرة عالم اجتماع ولا إلى تأمّل مفكّر ولا إلى إبداع أديب ولا إلى تصوّر مثقّف، بل إلى روح حقيقية مُحبّة تقول فوراً جواباً عن هذا السؤال: لا ضير البتةَ؛ فالجارُ الذي يحفظ حرمة جاره بصرف النظر عن لونه وجنسه وانتمائه وشكله وطوله وقصره وفقره وغناه هو الإنسان الذي يستحق الاحترام والتقدير والمحبة وحسن الجيرة، وهو الأخ والصديق والحبيب بكلّ ما تنطوي عليه هذه المفردات من قيمة واعتبار وفهم وحياة ترتفع فوق المسميات التي لا قيمة لها ولا معنى حين لا ترتقي إلى مستوى إنسانيتها المنشودة.
أقسم بكلّ مقدسّات العالم ومدنّساته وبكلّ ما يمكن أنْ يُقسمَ به ولا يُقسَم، إنني لم أعرف أنني سنيّ إلّا وأنا أكاد أتخرّج في الجامعة عام 1979، حين طار الخميني بطائرة خاصة إلى طهران، قابلَهُ محمد رضا بهلوي (مع حفظ الألقاب والصفات والنياشين للجميع طبعاً!) بطائرة مشابهة ترك فيها طهران والشاهنشائية والعزّ والجاه والخلود إلى غير رجعة، حيث تردّد إلى الأذهان صوت الجمهورية الإسلامية الشيعية في إيران، ثمّ ما لبث أن ارتفع عالياً كي يكون الصوت الوحيد الذي لا بديل له في إيران، وتحمّسَ له زملاءُ لي في الكلية عرفتُ بعد حين أنّهم شيعةٌ ونحن سنّةٌ. وبعد حرب صدام حسين والخميني التي دامت ثمانية أعوام (كأنّها والله العظيم ثمانية دهور) ذهب ضحيتها مئات الألوف، وربما الملايين، لا أحد يعرف حسابها غيرهما، وقد ذهبا إلى ربّهما ليحكم بينهما بالعدل، صرنا نعرف نحن أنّ أمّة الإسلام تنقسم على سنّة وشيعة، غير أنّ أصدقاءنا وزملاءنا الشيعة يعرفون ذلك قبلنا بكثير بفعل طبيعة الثقافة المختلفة بيننا وبينهم على هذا الصعيد، فهم يتلقون شبكةً كبيرةً من المعلومات يسيرون على هديها في هذا الاتجاه منذ نعومة أظفارهم.
بعد هذه المعرفة الجديدة وقد تعلّمتُها من مناسبة قاتلة كهذه، رحتُ أعصر ذاكرتي لأتذّكر أمراً يتعلّق بالموضوع الطائفيّ وتجلياته وحيثياته على نحو من الأنحاء، كأنّه طيفٌ خفيّ ظلّ متشبثاً بمخيال ذاكرتي لسبب كنت أجهله جهلاً لذيذاً واكتشفتُهُ للأسف الآن. إذ وأنا طالبٌ في المرحلة الابتدائية كان يأتينا بائعو صور جميلة للإمام عليّ والإمام الحسين والحمزة وغيرهم من كربلاء والنجف وربّما محافظات جنوبية أخرى، يأتون إلى بلدتنا زمّار على بعد 100 كم شمال غرب مدينة الموصل (العراقية!)، وهي بلدة بحسب التقسيم الطائفيّ الحزبيّ الجديد سنيّة، ليبيعوا هذه الصور، وكانت أسرنا العفوية البسيطة وهي تبسط وجداناتها الضعيفة المتوسلّة بين يدي الغيب، تشتريها وتمنح بائعيها في الكثير من الأحيان أسعاراً مضاعفةً تبرّكاً، وكنّا نعلّق الصور في بيوتنا بمحبة وشغف وانبهار. كيف لا نفعل ذلك نحن البسطاء الريفيين وهم أهلُ بيت رسول الله محمّد العظيم، ولا أذكر أنّ بيتاً واحداً في زمّار كان يخلو من صورهم الزاهية البهيّة، فكيف يمكن لسنيّ من أهل زمّار مثلاً أن يكره الشيعة وصور الأئمة تملأ بيته وبيوت أهله وأعمامه وأخواله وجيرانه باعتزاز وبهجة ورفعة وأمل بالشفاعة ودخول الجنّة المنتظَرة؟
أصرّ الأميركان بعد زيارتهم العسكرية الكثيفة الخفيفية النظيفة لأراضينا أن يبتعد الشيعة عن السنّة، والسنّة عن الشيعة، مسافةً مناسبةً، مرسومةً بدقّة وأناة وتخطيط وقصدية وعنف، لتحقيق الأهداف والنيّات، فيها أكثر من فجوة مزروعة بالألغام والالتباس والريبة والعداء والدماء والعُقَد والشكوك والصراع، وسخّروا لذلك طبقةً سياسيةً من سياسيّي الغفلة وطلّاب المناصب والثراء السريع ومتعهّدي الفساد المتخصصين، يقودون جماهير الشيعة من جهة وجماهير السنّة من جهة أخرى، نحو تعميق الفجوات وتخصيبها بالأزمات والشحن الطائفيّ القذر من أجل أن يبقوا لامعين في صدر المشهد السياسيّ (وربّما عجزه أيضاً)، بكلّ ما ينطوي عليه ذلك من مناهب ومكاسب ورواتب (غير مشروعة غالباً)، ومن أجل تنفيذ الأجندة الأميركية الكولونيالية في تفتيت اللحمة العراقية وتمزيقها ثلاث دويلات، شيعية وسنية وكردية، والعراقُ الآنَ قابَ قوسين أو أدنى من تحقّق الحلم الأميركيّ الصهيونيّ، على نحو يبدو فيه الشعار الشعبيّ الجماهيريّ الجميل المسكين الأعزل "أخوان سنّة وشيعة... هذا الوطن ما نبيعه"، أشبه بنحيب شائخ ضئيل الصوت لا يكاد يُسمع، يترنّحُ على ألسنة ضعيفة من شدّة الجوع وشدّة الظمأ وشدّة العاطفة!
فصلوا الشيعةَ عن السنّة، والسنّةَ عن الشيعة، فصلاً قسرياً كارثياً ظالماً من الصعب تداركُهُ، أو التقليل من خطورته حتى لدى أكثر المتشائمين تفاؤلاً؛ في حين أن أولي الأمر، القادة الميامين، لا ينفكّون يتّهمون بعضُهم البعضَ بالطائفية ويرمونهم بالعمالة لأجندات دول الجوار (إيران والسعودية)، وهم الذين كرّسوها على نحو يمكن القول فيه إنّ الإسلام صار دينين مختلفين متصارعين، بعيدين أحدهما عن الآخر، أكثر من بُعد أحدهما عن أيّ دين آخر؛ دينٌ جاءَ من الشرق وآخر من الغرب، يكفُّ أحدُهما الآخرَ، ويمعن في قتله وتشريده والانتقام منه شرّ انتقام. ولا أحسب أنّ هذا الباب الطائفيّ الدمويّ وقد فُتِح على مصراعيه في وسعه أن يُغلقَ بسهولة أو بنيّة طيّبة أو دعوة صادقة للمصالحة والتفاهم والألفة والمحبّة.
الساسةُ الطائفيون العراقيون العرقيّون بصوتهم الوحشيّ الخشن هم أكثر بكثير من المعتدلين، ورجال الدين "المتمصلحون" من هذه النزعة المقيتة أكثر بكثير من رجال الدين الصالحين، والكثيرُ من المشوّهين الأفّاقين ممّن يُحسبون على فئات الأدباء والمثقفين والإعلاميين والكتّاب والمحللين السياسيين والعاطلين عن العمل والأخلاق والأدب والثقافة والإنسانية وقد ركبوا الموجة كما يركبون حمارةً عرجاء عمياء (وهم غير متديّنين أصلاً!)، راحوا يؤججون نار الفتنة ويضخّون فيها من زيت الحقد ما وسعهم ذلك؛ تافهون، منحطّون، أغبياء، مرضى، حشّاشون، يتكلّمون بأفواه مكتظّة بالقيء، وضمائر سوداء تنفتح على أقبية مظلمة نتنة لا أثر فيها لضوء أو نسمة أو نكهة أو ابتسامة.
ماذا نفعلُ يا إلهي؟ يا أيّها الملكُ القدّوس السلامُ المؤمنُ الميهمنُ العزيزُ الحكيمُ؛ والشيعةُ المساكينُ في المناطق السنيّة يعيشون في خوف وقلق، والسنّةُ المساكينُ في المناطق الشيعية يتناهبهم الرعب، ولا يوجد من يحمي هؤلاء ولا هؤلاء؛ حركةُ النزوح والهجرة والتهجير العراقية من أكبر وأوسع حركات النزوح والهجرة والتهجير في العالم الحديث؛ هجرةٌ داخليةٌ وهجرةٌ خارجيةٌ؛ هجرةٌ ذاتيةٌ وهجرةٌ موضوعيةٌ؛ غربةٌ هجينةٌ غامضةٌ لم يعرفها كائنٌ من قبل. ما هذه الحيرةُ العراقية وقد أتتْ برعونة ما بعدها رعونة على كلّ ما هو أصيلٌ وجميلٌ وحرٌّ وراقٍ وأخضر وعذب في عراق التنوّع المدهش، عراق التاريخ والحضارة كما يُقال، عراق الشمس والنور والحقّ والعدل، عراق الملاحم والأساطير والأحلام، عراق الجبال الشمّاء والسهول المترامية والماء الزلال والأهوار الساحرة والنخيل المرفرف على أرض المحبّة والخير والعطف والرحمة، عراق الله والأنبياء والملائكة وآل البيت والصحابة والفقراء، عراق كلّ شريف في الأرض وفي السماء.
هل ننتظر المعجزةَ في زمن غابت فيه المعجزات؟ هل ننتظر نبياً جديداً وقد ختمَ الرسولُ الأعظمُ محمّدٌ بن عبد الله قائمةَ الرسل والأنبياء؟ هل ننتظر مخلّصاً ما (مهما كان) يخلّصنا من سوئنا وغفلتنا وحضيضنا وتناحرنا وضياع دمائنا وشرفنا؟ هل ننتظر شمساً أخرى تُشرق علينا من جهة غريبة لا نعرفها، بعدما فقدنا تماماً ثقتنا بالبشر ولم يَعُدْ ثمّة بصيص أمل لكلكامش؟ فعلى مَن يمكن أن نعوّل يا تُرى وقد دخلتْ مياهُ الفيضانات الآسنة بيوتَنا، وبعثتْ رائحةَ العَطَن في وساداتنا، ودهمتْ ضمائرَنا المعطوبةَ عتمةُ الفزع والريبة والفراغ وانتظار المجهول، وحفّنا الأسى من كلّ جانب حتى صرنا نحلم بشيء بسيط من الهواء النقيّ ليحفظ ما تبقّى من حياتنا، وتفاقمتْ أزماتُنا الذاتية والاجتماعية والثقافية والفكرية إلى درجة يستحيل إخفاؤها تحت أيّة ذريعة مهما كانتْ مملّحةً ومبهّرة ومنمّقة وتحمل في طيّاتها وعد اللذّة والإشباع، وصرنا نجفل من ظلالنا كالفراخ المذعورة؟ على مَن نعوّل أيّها العالَمُ الصامتُ والكونُ الأعمى؟

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية