لنبدأ من واقعية أنّ المجتمعات كافة فيها الفاسد وفيها الطيّب. ليس المستغرب أنّ تتناول الدراما ظواهر الإنحلال إن كان الهدف الإصلاح، فما من أرض لم يطأها أفراد يعيثون خراباً، لكنّ "جرذان الصحراء" ("روتانا خليجية") لم يتناول صورة المملكة إلا من باب "خالف تُعرف".
حمل العمل الصورة النمطية للمُكوَّن السعودي وبنى عليها حبكة (تأليف عبدالله بخيت) قوامها أحكام مسبقة. الرجال جميعاً مظاهر فاخرة ورغبات مُبطّنة وانكباب لا نظير له على الملذات. فات المخرج السوري أيمن شيخاني أن يضع الإحتمالات كافة. ركونه الى التنميط الإجتماعي وتصويره القاعدة، خلّفا ثغرة كان الظنّ أنّ خرق المحظور يسدّها.
لا بدّ أنّ ثمة شيئاً من الواقع في كلّ هذا. المجتمع تحت المجهر، فأين تناقضاته بأسرها؟ تناول العمل طبقة الأثرياء بسياق محض نمطي. ملأ الشخصيات بسوء الفهم الإجتماعي وقال لها كوني مُستفزّة. لم تشِ الحبكة برغبة في علاج الخلل. كلّ ما هنالك أنّها مجموعة عناوين عريضة أطلّت برأسها دفعة واحدة: الرذيلة، المال، الخمر، المرأة، الإعلام، الرشوة، الدين... حسناً أن تُطرح في سياق يدرك ما يريد قوله للمُشاهد، لكن أبطاله لم يُكرروا سوى ما يُحكَى في الأروقة الحاقدة.
اكتفى العمل بعنوان مُستفّز ليقول أنّ السعوديين جرذان لا يتركون مجالاً لأي تسمية أخرى. بالغ في التعميم مُصوِّراً أصابع اليد متشابهة. حتى أنه حين حاول طرح الفساد بدأ يتلعثم أمام إشكالية بحجم الأخلاق، مُعكِّزاً على نصّ أغرق الجميع في الملذّات ونسف التسلسل المنطقي لتدرّج الشخصية نحو انحلالها. ذلك لأنّه انطلق من نتيجة ثابتة من دون مراعاة أنّ لا نتائج من دون أسباب. ساوى بين الفاسد وضحايا الفساد، معتبراً أنّ المرء بمجرّد أن يولد ثرياً فهو بالضرورة مشروع مُنحلّ، وأنّ اللباس الفاخر والمأكل الشهي يختزلان (فقط) سوء مجتمعات النفط.
ثم يحدث أن يتنصّل منتج العمل وأحد أبطاله عبدالله العامر من تهمة تشويه الصورة. إن كان المُراد تأليب المُشاهد على مجتمعه، فلمَ إعلان البراءة من نيات تنادي بالتحريض والهيجان؟ كان لا بدّ أمام توالي مَشاهد الخمر والرغبة الفاحشة بالنساء وتصوير المرأة السعودية ككائن يُشتَرى بالمال، من استباق "الحرب"، فإذا بمنتجه يردّ بأعصاب باردة: "لسنا نشوّه المجتمع. لا يمكن أن نصل الى هذا المستوى".
تصبح "الجريمة" خرق الخطوط الحمر لمجرّد اختراقها من دون القدرة على طرح بديل، فتزامن الخرق مع شهر الصوم. سيُقال أنّ وظيفة الدراما لم تعد إيجاد الحل، وأنها منذ زمنٌ تخلّت عن إيمانها بالمعجزة. تخطّى العمل بعض هذا الواقع، وانحرف يُشبّه السعوديين بالمخلوقات القذرة. لم يملك أن يقول شيئاً آخر. لو مَلَك لما رفضه مُشاهده كأنه جرثومة طارئة.
[email protected]
Twitter: @abdallah_fatima
نبض