نالت طرابلس في السنوات الاخيرة حيزاً كبيراً من اهتمام الناس، في لبنان والعالم العربي، ليس بوصفها مدينة اثرية وثقافية عريقة، او عاصمة لبنان الثانية، انما من باب الاحداث الامنية التي عصفت في المدينة في السنتين الاخيرتين، حيث شهدت المدينة 20 جولة من القتال العنيف حصدت عشرات القتلى ومئات الجرحى، اغلبهم من السكان الابرياء.
جولات العنف المتكررة، وضعف الدولة واجهزتها في فرض الامن، واتخاذ جولات القتال طابعاً مذهبياً في اغلب الاحيان، اضافة الى الاحداث في سوريا والمنحى المذهبي المتطرف الذي اتخذته هذه الاحداث، أظهرت المدينة بطابع غير طابعها الاساسي، ووسمها بصبغة التطرف، وظهرت بعض الشخصيات تتحدث باسمها مستغلة هذه الاحداث ممن لا يمثل اهلها وطبيعتهم.
لكن بعد تشكيل الحكومة الاخيرة، اتخذ القرار ونفذت خطة امنية واسعة شاملة اعادت للمدينة ما افتقدته منذ اكثر من عامين، وبدأت الحياة تعود الى طبيعتها وتحولت الجولة الـ21 من القتال جولة قبلات ومصالحات، وبدأت المدينة تعود تدريجياً الى طبيعتها المسالمة المنفتحة، المحبة للحياة.
فعادت الحركة الى المدينة التي لا تهدأ، وعادت الطرق تمتلئ بالناس والمقاهي لتفتح ابوابها واستفاقت من كوابيس عاشتها على مدى سنتين، واعيد اطلاق مهرجانات طرابلس الدولية.
عدم اشهار الافطار
وفي ما كانت المدينة تستعد لاستقبال شهر رمضان، الذي كان من المفترض ان يكون هذا العام مختلفاً عن الاعوام السابقة بعد عودة الامن، ووسط توقعات بازدهار اقتصادي اشتاقت اليه طرابلس، اتخذت البلدة قراراً مفاجئاً باصدارها بيانا تطلب فيه "احترام خصوصية المسلمين الصائمين في شهر رمضان وعدم المجاهرة بالافطار" ووجهته خصوصاً الى اصحاب المقاهي والمطاعم.
لم يلقَ هذا البيان اي صدى ايجابي عند شخصيات وفعاليات طرابلسية بل احدثَ ردة فعل سلبية، وصدرتْ الكثير من المواقف الرافضة والمنددة بموقف البلدية الغريب عن المدينة، التي لم تعتد على هكذا نوع من الالزام في عز مشاكلها، ما اضطر البلدية الى التخفيف من اثاره واعتباره شكلياً لن يعرض غير الملتزمين الى اي اجراءات.
توتير الوضع تحت غطاء الدين
ولكن يبدو ان فئة تعرف الاستفادة من هكذا مواقف، ولم يرحها وضع المدينة الهادئ، فأقدم مجهولون على ترويع الناس عبر القاء قنبلة على مقهى في سوق الخضر في باب التبانة اسفرت عن جرح 4 اشخاص من غير الصائمين واستتبعت بحوادث مشابهة كإلقاء قنبلة أخرى على محل يقدم الفطور. وكان اخرها اليوم القاء قنبلة صوتية قرب احد المقاهي في محلة القبة، وكأنها تحذيرات متتالية لزعزعة الامن من جديد، تحت ستار الصوم وشهر رمضان.
تحدي الخوف
ورغم الاستمرار بهذه الاعمال، لا زالت مقاه كثيرة تفتح ابوابها بشكل طبيعي مع قليل من الحذر، حتى ان المقاهي التي تعرضت الى اعتداءات لم تقفل ابوابها وهي مستمرة بتقديم خداماتها لزوارها. وفق ما يؤكد احد الطرابلسيين لـ"النهار" الذي قام في جولة على مناطق الضم والفرز، وشارع "الكسدورة" المعروف بمقاهيه اضافة الى وسط المدينة وساحة التل المزدهرة بالمطاعم المشرعة ابوابها امام الزبائن".
ويشير الى ان "قهوة طافش" المعروفة بروادها الشيوعيين والقوميين، والتي من المفترض ان تكون عرضة للاستهداف لا زالت ابوابها مفتوحة وتعج بالزبائن، يأكلون ويشربون طوال النهار.
السيد: الاعتداءات مستنكرة
وفي هذا الاطار يستنكر أحد مشايخ باب التبانة الشيخ خالد السيد "الاعتداءات التي تنفذ على المقاهي، وتوتيرالوضع الامني"، مؤكداً ان "هذه التصرفات لا تجوز شرعاً".
ويشير السيد لـ"النهار" الى ان "المقصود من خلف هذه التصرفات هو اظهار طرابلس مدينة حاضنة للارهاب"، مشككاً في ان "يكون وراء هؤلاء الاشخاص جهات استخباراتية من مصلحتها اشعال الوضع في طرابلس".
ويؤكد "الا اكراه في مراعاة في حرمة الصوم"، كاشفاً عن ان "نسبة كبيرة من اهالي طرابلس المسلمين لا يلتزمون الصوم ويجاهرون بالافطار في الشوارع من دون اي اعتراض".
نشابة: الاعتداءات ليست جميعها عقائدية
من جهته، يشدد رئيس جمعية "ايتوبيا" الناشط في المجتمع المدني الطرابلسي شادي نشابة ان "بيانات فرض الصوم ليست من طبيعة طرابلس ولا اهلها"، مشيراً الى ان للاوضاع الاقليمية تأثيراً على الجو العام في طرابلس".
ويقول نشابة لـ"النهار" ان "اسباب الاعتداءات ليست بالضرورة عقائدية، بل في اغلبيتها شخصية مستفيدة من بيان البلدية ومن الجو العام"، مؤكداً ان "تأثير هذه التصرفات يبقى محدوداً، وهذه المرة لن تسمح طرابلس لقلة قليلة ضرب امنها".
ويرى ان "هذه التصرفات خلقت اجواء تحدي لدى بعض اصحاب المقاهي والمطاعم والاهالي الذين اصرّوا على مواجهتها"، لافتاً الى ان "الخوف يكمن لدى الناس في العودة الى تخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه المدينة". ويشير الى "معلومات تفيد ان مخابرات الجيش القت القبض على خمسة اشخاص من مرتكبي هذه الاعمال".
يبدو اليوم ان طرابلس اتخذت القرار في المواجهة، ولن تسمح بأن تكون قندهار لبنان كما يشتهي البعض. ورغم جميع محاولات الترويع والقاء القنابل، اثبتت المدينة انها لن تنزلق مرة اخرى في اتون التعصب وستبقى مدينة الفرح والحياة.
نبض