تقرير: مسؤولون إسرائيليّون يدرسون تسليح بعض مدنيّي غزة لحماية المساعدات

العرب والفرس بين الانصهار والصراع
Smaller Bigger

جمع الفتح الإسلامي بين العرب والفرس، وشكّل تحوّلاً جذرياً في تاريخ هذه البلاد. اقترنت الثقافة العربية الناشئة بالثقافة الفارسية العريقة، وتحوّل هذا الاقتران سريعاً إلى انصهار ثقافي تبادلي مثير يتميّز بخصائصه ومواصفاته ونتائجه. السؤال، ماذا بقي من هذا الانصهار في غمرة الصراعات الجيوسياسية والمذهبية المحتدمة راهناً بين العرب والفرس؟


جاء ذكر تضحية ابرهيم في القرآن الكريم في ست آيات قصيرة من سورة الصافات لا يُذكَر فيها اسم الذبيح بشكل صريح، وقد اختلف المفسرون في تحديد هوية الذبيح، فمنهم من قال إنه اسحاق، ومنهم من أكّد أنه اسماعيل، ومنهم من ظلّ على تردد بين الاثنين. اتخذ هذا السجال أبعاداً جديدة في المرحلة العباسية، وبدا انتصار اسماعيل على اسحاق انتصاراً للمسلمين على اليهود، وللعرب على الفرس. تبنّى الكثيرون الحديث القائل: "وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود"، ورأوا أن من قال إن الذبيح هو إسحاق فإنما تلقّاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا التوراة وحرّفوها. كذلك، اعتُبر إسحاق أباً عرقياً للساسانيين، وترافق تأكيد "إسماعيل الذبيح" مع احتدام المنافسة بين العرب والفرس في العصور الوسطى.
يتردد صدى هذه المقولة في "رد ابن قتيبة على الشعوبية" الذي سجّله ابن عبد ربّه الأندلسي في "العقد الفريد"، وفيه يدحض العالِم حجج الفرس الذين "فخروا بإسحاق بن إبراهيم، وأنه لِسَارة وأن إسماعيل لأمَة تُسمّى هاجَر". ويقدّم المسعودي في "مروج الذهب" صورة حية عن الصراع المحتدم بين بني إسحاق وبني إسماعيل في باب "ذكر أنساب فارس وما قاله الناس في ذلك"، وفيه يقول: "افتخر بعض أبناء الفرس بعد التسعين والمائتين بجده إسحاق بن إبراهيم الخليل، على ولد إسماعيل، بأن الذبيح كان إسحاق دون إسماعيل"، وقيل:
قلْ لبني هاجر أبَنْـتُ لكم/ ما هذه الكبرياء والعظمة
ألم تكن في القديم أمكم/ لأمنا سارة الجمال أمَهْ
والمُلْكُ فينا والأنبياء لنا/ إن تُنْكِروا ذاك توجَدُوا ظَلمه
إسحق كان الذبيح، قد أجمع/ الناس عليه إلا ادعاء لمة
تعكس هذه الأبيات النزعة الشعوبية التي ارتبطت بالفرس بوجه خاص، كما تختصر اعتزاز العجم بهويتهم القومية وافتخارهم بها إلى حد الغرور في الماضي والحاضر. من جهة أخرى، ينظر الكثير من العرب اليوم إلى الإيرانيين من هذا المنظار الضيّق، ويختصر ميراثهم المتعدد الينابيع بالنزعة الشعوبية التي برزت في زمن العباسيين، وعادت بقوة في عصر "اليقظة القومية" التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونضجت أيام "الثورة الدستورية" في العقد الأول من القرن العشرين، ثم أخذت منحى عنصرياً فجّاً في عصر السلالة البهلوية التي حكمت من 1925 إلى 1979.
في الوجه المقابل، يظهر التلاقح والتثاقف العربي الفارسي في أبهى وجوهه من خلال سلسلة طويلة من الانجازات الفكرية والعلمية والأدبية طبعت التاريخ الإسلامي على مدى قرون من الزمن، ويرى البعض أن الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي كانت في الدرجة الأولى ثمرة هذه المثاقفة المتبادلة بين العربية والفارسية في ميادين كثيرة. بدأت هذه المثاقفة المتبادلة في مرحلة سبقت ظهور الإسلام، كما تشهد بعض الأساطير التي استعادها الفردوسي في ملحمة "الشاهنامة"، وأبرز ملامحها دفاع الفرس عن عرب اليمن حين هاجم الأحباش جنوب الجزيرة من طريق البحر الأحمر، وانقذهم أبناء قبيلة حِميَر مما لحقهم من ظلم على أيدي الغزاة، وقد ذكر المسعودي هذه الواقعة في "مروج الذهب"، ونقل بيتاً لشاعر من الفرس الذين كانوا ينظمون أشعارهم باللغة العربية يقول: نحن خضنا البحار حتى فككنا/ حميراً من بليةِ السودان". بعدها، قال البحتري في مدح دفاع الفرس:
فَكم لَكم من يدٍ يَزكُو الثناء بها/ ونعمةٍ ذكرها باقٍ على الزمنِ
إن تفعلوها فليست بِكرَ أَنعمكُم/ ولا يدٌ كأياديكم على اليمنِ
إذ لا تَزال خيول الفرسِ دافعةً بالضَّر/ ب والطعن عن صنعا وعن عدنِ
أنتم بنو المنعمِ الُمجدي ونحن بنو/ من فاز منكم بفضل الطول والمننِ
لم يكن الفرس غرباء عن الجزيرة العربية، وكان منهم من يحجّ البيت قبل ظهور الإسلام. كتب صاحب "مروج الذهب": "وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام، وتطوف به، تعظيماً له ولجدّها إبراهيم عليه السلام، وتمسكاً بهديه، وحفظاً لأنسابها، وكان آخر من حجّ منهم ساسان بن بابك وهو جد أردشير بن بابك، وهو أول ملوك ساسان وأبوهم الذي يرجعون إليه كرجوع المروانية إلى مروان بن الحكم، وخلفاء العباسيين إلى العباس بن عبد المطلب، ولم يل الفرس الثانية أحد إلا من ولد أردشير بن بابك هذا، فكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على بئر إسماعيل، فقيل: إنما سميت زمزم لزمزمته عليها، هو وغيره من فارس، وهذا يدل على ترادف كثرة هذا الفعل منهم على هذه البئر، وفي ذلك يقول الشاعر في قديم الزمان:
زَمْزَمَتِ الفرْس على زَمْزَم ... وذاك من سالِفها الأقدم
وقد افتخر بعض شعراء الفرس بعد ظهور الإِسلام بذلك، فقال:
وما زلنا نحجُ البيت قِدماً/ ونُلْقَي بالأباطح آمنينا
وساسان بن بابك سار حتى/ أتى البيت العتيق يطوف دينا
فطاف به، وزمزم عند بئر/ لإِسماعيل تُروي الشاربينا
وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالاً في صدر الزمان، وجواهر، وقد كان ساسان بن بابك هذا أهدى غزالَيْنِ من ذهب وجوهراً وسيوفاً وذهباً كثيراً فقذفه في زمزم، وقد ذهب قوم من مصنّفي الكتب في التواريخ وغيرها من السير أن ذلك كان لجرهم حين كانت بمكة، وجرهم لم تكن ذات مال فيضاف ذلك إليها، ويحتمل أن يكون لغيرها، واللّه أعلم".


بين الغالب والمغلوب
وحّدت الفتوحات الإسلامية بين العرب والفرس، وأحدثت تحولاً تاريخياً مفصلياً في تاريخ الأمتين. انتقل العرب من طور البداوة، وتبنّوا بسرعة تقاليد الفرس وطرقهم في التدوين والحكم. أشار ابن خلدون إلى هذا التحول الجذري، وقال في مقدمته الشهيرة: "ثم إن الملة الإسلامية لما اتسع ملكها واندرجت الأمم في طيّها ودرست علوم الأولين بنبوتها وكتابها، وكانت أمية النزعة والشعار، فأخذ الملك والعزة وسخرية الأمم لهم بالحضارة والتهذيب وصيّروا علومهم الشرعية صناعة، بعد أن كانت نقلاً، فحدثت فيهم الملكات، وكثرت الدواوين والتآليف، وتشوّفوا إلى علوم الأمم، فنقلوها بالترجمة إلى علومهم وأفرغوها في قالب أنظارهم، وجرّدوها من تلك اللغات الأعجمية إلى لسانهم وأربوا فيها على مداركهم، وبقيت تلك الدفاتر التي بلغتهم الأعجمية نسياً منسياً وطللاً مهجوراً وهباء منثوراً. وأصبحت العلوم كلها بلغة العرب، ودواوينها المسطرة بخطّهم، واحتاج القائمون بالعلوم إلى معرفة الدلالات اللفظية والخطية في لسانهم دون ما سواه من الألسن، لدروسها وذهاب العناية بها".
يستعيد محمد عابد الجابري في زمننا، هذه المقولة التاريخية، وقال في وصف هذه العلاقة الملتبسة بين الغالب والمغلوب: "كان هناك ما يشبه التقليد، الضعيف أو القوي، للعادات والثقافات والأمور الحضارية الأخرى، إما سلباً وإما إيجاباً. ولم يكن الغالب، المنتصر عسكرياً، هو الذي ينتهي إلى السيادة الثقافية دوماً، وكما لاحظ ابن خلدون بحق، فإذا كان الظاهر هو أن المغلوب يقتدي بالغالب، فقد يحدث العكس كما حصل بين العرب والفرس: لقد تغلب العرب زمن الفتوحات على الفرس عسكرياً وسياسياً ولكن الفرس لم يقلّدوا العرب حضارياً، بل العكس هو الذي حصل، أي أن الغالب هو الذي قلّد المغلوب. وعندما تنبّه العرب إلى ذلك وصار المغلوب ينتفض ويحاول استرجاع السيادة السياسية من طريق "الثقافة" (الحركة الشعوبية، حرب "الكتب"... الخ)، برز عنصر ثالث هو الثقافة اليونانية التي انفردت بحقلين ثقافيين مهمين: العلم والفلسفة، فحصل نوع من التداخل الثقافي، غني وقوي، بين ثلاثة أطراف: العرب، والفرس، والسريان (حاملو الثقافة اليونانية)".
يضيف الجابري في هذا الصدد: "كان هناك تنافس قوي بين هذه الأطراف الثلاثة، حتى إن كبار المثقفين والعلماء كانوا من جميع أقاليم الرقعة الجغرافية التي امتدت عليها الحضارة العربية الإسلامية. ومع اتساع هذه الرقعة وتعدد عرقياتها حصل تداخل سلمي واسع تبُودلت فيه المواقع في كثير من المجالات. وهكذا كان أول فيلسوف في الإسلام من قبيلة كندة اليمنية (الكندي)، وكان أكبر مفسر للقرآن من طبرستان (الطبري)، وأكبر مدوِّن للحديث من بخارى (البخاري)، وأكبر عالم في الفيزياء من البصرة (ابن الهيثم)، وأكبر طبيب من دمشق (ابن النفيس)، وأعظم مؤرخ أنثروبولوجي من المغرب العربي (ابن خلدون)، وأعظم فيلسوف من الأندلس (ابن رشد). ولم يكن هذا النوع من تلاقح الحضارات أو تداخلها يحتاج إلى دعوة، ولم يحدث بتخطيط مسبق بل كان عملية تاريخية تلقائية، عملية يحكمها طلب الأفضل".
تحولت المثاقفة المتبادلة في كنف الإسلام إلى انصهار متكامل، وبات من الصعب الفصل بين ما هو عربي وما هو عجمي في كثير من الأحيان. في كتابه الصادر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث" تحت عنوان "التداخل الثقافي العربي الفارسي، من القرن الأول الى القرن العاشر الهجري"، يلقي الباحث المغربي رشيد يلوح الضوء على هذا الحدث التداخلي الذي ربط بين الثقافتين العربية والفارسية على مدى ألف عام، ويكشف عن أهم ركائزه وخصائصه ومميزاته. يحدد الباحث نواظم ثلاثة حكمت التداخل بين الثقافتين، أولها الناظم الديني الذي شكّل إطاراً جامعاً وعمّق التداخل بين الطرفين، وثانيها الناظم الجغرافي، وقوامه الحدود العربية الفارسية وتجاور مراكز العلم في ديار هذه البلدان، وثالثها الناظم الزمني، وهو النظام الذي يقوم على "العلاقة الوطيدة بين الزمن والثقافة".


الشراكة الكاملة
تداخلت العربية بالفارسية وصارت اللغتان لسانين لحضارة واحدة مشتركة. في "البيان والتبيين"، تحدث الجاحظ عن قاصّ اسمه موسى بن سيار الأسواري برع في اللغتين، وكتب في وصفه: "وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأيّ لسان هو أبين". لم تكن حالة هذا القاصّ استثنائية، ويمكن القول إنها تختزل روحية الثقافة الإسلامية في زمن الخلافة العباسية حيث نشطت حركة الترجمة، وبرزت كوكبة من "النقلة من الفارسي إلى العربي" ذكر ابن النديم في "الفهرست" أبرز أسمائها، ومنها: ابن المقفع، آل نوبخت، علي بن زياد التميمي، الحسن بن سهل، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، جبلة بن سالم، اسحق بن يزيد، محمد بن الجهم البرمكي، هشام بن القاسم، موسى بن عيسى الكروي، زادويه بن شاهويه الاصفهاني، محمد بن بهرام بن مطيار الأصفهاني، بهرام بن مردان شاه، وعمر بن الفرخان.
ساهم التواصل المستمر بين العرب والفرس في بروز عدد من "المراكز الجغرافية التداخلية" في بلاد العجم، أشهرها جنديسابور وطوس وأصفهان. تقع جنديسابور في جنوب بلاد فارس، وقد اشتهرت بأطبائها، "وفيها تُرجمت مؤلفات اليونان في الطب بالسريانية، وبعد ذلك نقلت إلى العربية، وينتسب إلى هذه المدرسة أطباء أسرة بختيشوع الذين اشتهر منهم من عالجوا الخلفاء العباسيين الأوائل". وتقع طوس في خراسان، وبها قبر الإمام علي بن موسى الرضا وقبر الخليفة هارون الرشيد، كما اشار ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، وقد خرج منها "من أئمة أهل العلم والفقه ما لا يحصى، وحسبك بأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزَّالي الطوسي، وأبي الفتوح أخيه". أما أصفهان، فهي في وسط فارس، ولقبها "نصف العالم"، ومنها "خرج من العلماء والأئمة في كل فن ما يخرج من مدينة من المدن، وعلى الخصوص علو الإسناد، فإن أعمار أهلها تطول، ولهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث، وبها من الحفّاظ خلق لا يحصر".
حضن كبار الخلفاء حركة الفكر والترجمة، وأقاموا المجالس في رعاية كبار وزرائهم. ذكر المسعودي في "مروج الذهب" مجالس الوزير الفارسي يحيى بن خالد البرمكي حيث كان يجتمع "أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل الآراء والنحل" للحديث "في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسَّة والمباينة، والوجود والعدم، والجر والطفرة، والأجسام والأعراض، والتعديل والتجريح، ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال والكمية والكيفية والمضاف، والإمامة أنصٌّ هي أم اختيار". كذلك، اشتهر الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة بمكتبته العظيمة والواقعة في محلة "بين السورين"، بكرخ بغداد، "ولم يكن في الدنيا أحسنُ كُتُباً منها"، بشهادة ياقوت الحموي، "كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة، واحترقت فيما أحرق من محال الكرخ عند ورود طُغْرُل بك أول ملوك السلجوقية إلى بغداد".
في كنف الخلافة العباسية، تميّز بعض كبار المفكرين الفرس بعلمهم وفكرهم وعقلانيتهم، وقد أشار الجاحظ إلى هذه الخصوصية في "البيان والتبيين"، وقال في وصفها: "كل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة. وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام". يستعرض رشيد يلوح نتاج أشهر الأسماء الفارسية التي "خدمت التداخل العقلي"، ويتوقف أمام تجارب عبد الله بن المقفع، وأبي حيان التوحيدي، وأبي علي بن سينا، مستكشفاً خصائصها التنويرية التي تتخطى حدودها الجغرافية القومية، وتبرز بحداثتها الفكرية.


نقاشات معاصرة
يبقى السؤال: ماذا يبقى من هذا الميراث الحضاري الثري اليوم؟ يجيب الباحث عن هذا السؤال الشائك بخفر شديد في باب عنوانه "نقاشات معاصرة في التداخل الثقافي العربي الفارسي" وفيه يستعرض رأي المفكر العربي محمد عابد الجابري، ويقارن بينه وبين رأي المفكر الفارسي عبد الحسين زرين كوب، ويختم هذا السجال برأي توفيقي يتمثل في موقف الشيخ مرتضى مطهري ورؤيته الخاصة بـ"الإسلام وإيران". نظر الجابري إلى الموروث السياسي الفارسي بسلبية شديدة في كتابه "العقل الأخلاقي العربي"، ورأى أن الثقافة الكسرويّة وأخلاق الطاعة تسرّبت الى الثقافة العربية ورسخت فيها "قابلية فريدة للإستبداد والإستعمار". بحسب المفكر المغربي، أُلبست الدولة العباسية الناشئة لباس الدولة الساسانية، وأصبحت كسرى العرب بديلاً لكسرى الفرس على يد طائفة من الكتّاب نقلوا أخلاق الطاعة الكسروية إلى الدولة الجديدة، ودعوا لها على متن البلاغة العربية، وأشهرهم ابن المقفع. يقول الجابري في هذا السياق: "ليس ما يهمّنا هو تراث فارس، وإنّما شكل حضوره في الثقافة العربية بوصفه موروثاً يحمل قيماً معينة، سياسية وأخلاقية ساهمت بصورة أو بأخرى في تشكيل نظم القيم في الثقافة العربية، وقد وجدت تعبيرها في نصوص عديدة، وما أكثرها نصوص تمتد على مدى ثمانية قرون من "كليلة ودمنة"، إلى الأبشيهي في "المستطرف في كل فن مستظرف"، إلى "العقد الفريد" لابن عبد ربّه".
في الجهة المعاكسة، يمثل عبد الحسين زرين كوب في كتابه "قرنان من الصمت" التيار القومي الإيراني المتشدد والافتخار العجمي الذي يجعل من الحضارة الإسلامية حضارة فارسية فحسب. صدر هذا الكتاب في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، وحصد نجاحاً جماهيريا واسعاً، وفيه سعى المؤلف إلى ابراز صمت إيران خلال القرنين اللذين تليا الفتح الإسلامي لإيران، إثر هزيمة الأمبراطورية الساسانية في معركة نهاوند. يدين الكاتب الفتح الإسلامي لإيران، ويتهم القادة والولاة العرب بقمع الثقافة الفارسية المحلية وتجفيف منابعها. من جهة اخرى، يتبنى المؤلف الفارسي المقولة الاستشراقية التي تجعل من الحكم الأموي حكماً عربياً، ومن الحكم العباسي حكماً فارسياً، ويجعل من الحضارة العباسية حضارة فارسية بامتياز. يمثل مرتضى مطهري الموقف التوفيقي، غير أنه، شأن عبد الحسن زرين كوب، يفرّق بين "العرب العرب الذين أرادوا استعادة الروح الجاهلية العنصرية على حساب روح الإسلام، في مقابل أهل البيت النبوي الذين أكدوا أصول العدل والمساواة بين الشعوب في الإسلام".
بحسب رشيد يلوح، "حاول مطهري إثبات تبادلية الإسلام والفرس في رد على القوميين العرب والفرس على السواء، لكنه لم يستطع التحرر من سلطة الوهم الفارسي"، و"نقل حرفياً أحكاما وآراء لا تزال موضوع جدل علمي، ولا تثبت أمام أسئلة الدرس والبحث الموضوعيين".

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
تحقيقات 5/8/2026 12:33:00 AM
كتبها المبعثرة، التي تحمل اسمها "ليال حمادة"، تؤكد أن هذه الطفلة كانت هنا، كما سائر الأطفال الذين سقطوا في "الأربعاء الأسود" داخل المبنى المؤلف من 12 شقة سكنية.
لبنان 5/8/2026 9:15:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان...