اثار كتاب "مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" للكاتب الاسرائيلي بيني موريس ضجة كبيرة داخل اسرائيل عند صدوره، لما تضمنه من حقائق صدمت الكثيرين وهذا ما دفع عماد عواد الى ترجمته كي يطلع عليه القارئ العربي لما يكتسبه من "أهمية بالغة لمجموعة من الاعتبارات "منها مضمونه، وان كاتبه يهودي.
يتناول الكتاب الصادر في جزأين (نحو 500 صفحة كل جزء) ضمن سلسلة "عالم المعرفة" – الكويت، احدى القضايا المحورية في الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي التي ما زالت عقبة مستعصية امام المساعي الرامية الى حلول او تسوية سلمية.
فعلى رغم ان قرار مجلس الامن 242 عام 1967 تضمن النص على "ايجاد تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين" وان قرار الجمعية العمومية رقم 191 اكد حقهم في العودة او التعويض، لم يتمكن الطرفان المعنيان الفلسطيني والاسرائيلي، خلال مفاوضات متتالية، بدءا باتفاق اوسلو مروراً بقمة كمب ديفيد ثم مؤتمر انابوليس من التوصل الى صيغة متفق عليها لتسوية هذا الملف، حيث تمسك كل طرف بموقف يتعارض مع طرح الطرف الآخر، ففي حين رفض الموقف الاسرائيلي الرسمي فكرة العودة لأسباب أمنية وتاريخية، أصرّ الطرف الفلسطيني عليها باعتبارها "حقا".
وتبرز اهمية الكتاب في البحث في نشأة هذه المشكلة بما يعنيه ذلك من محاولة تحديد الطرف المسؤول عن نشأتها بعيداً عن المواقف الرسمية للاطراف واستناداً الى ما اطلع عليه من وثائق يهودية واسرائيلية، خصوصا في ارشيف "الهاغاناه" و"جيش الدفاع الاسرائيلي" الذي حل محلها منذ اعلان استقلال اسرائيل في 15 ايار 1948.
سعى موريس الى القاء الضوء على الدوافع والاسباب الكامنة وراء ظهور مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، انطلاقاً من قراءته الوثائق المتاحة، فان للقارئ العربي حرية تقويمها والحكم عليها، كما للبحاثة والمؤرخين العرب اخضاعها للنقد، او لرواية موازية تلقي الضوء على ما حدث من وجهة نظر عربية وتوضح الاسباب التي تراها وراء النزوح الجماعي.
الكتاب الذي يقع في اطار كتابات "المؤرخين الجدد" الذين قدموا روايات تختلف اختلافاً جوهرياً، عما دأب المؤرخون والساسة اليهود في ترديده، تتبع جذور فكرة التهجير القسري للفلسطينيين من مدنهم وقراهم في الايديولوجيا الصهيونية، وما توصلت اليه من نتيجة مفادها انه على الرغم من عدم وجود خطة ممنهجة لتحقيق هذا الهدف، فان الفكرة كانت حاضرة في اذهان القيادتين السياسية والعسكرية على السواء، ويؤكد ذلك بقاء المسؤولين من التشكيلات اليهودية العسكرية المتعددة الذين اقدموا على ارتكاب فظائع في حق الفلسطينيين دون اي عقاب رادع. مما عكس درجة من درجات الموافقة الضمنية على ما اقترف بغية تحقيق هدف "الدولة اليهودية" او الدولة الاسرائيلية التي تتضمن أقل عدد من العرب الفلسطينيين.
ويكشف الكتاب بالوثائق كيفية تعامل كل من القيادتين السياسية والعسكرية اليهوديتين مع ظاهرة النزوح الجماعي الفلسطيني، سواء من خلال تشجيعها او السعي الى التعجيل في حدوثها باستخدام وسائل الضغط النفسي على المناطق المقرر اجتياحها.
انطلاقاً من وثائق يهودية رفع غطاء السرية عنها "يعتبر الكتاب مرجعاً مهماً خصوصاً للعرب، في سعيه الى تبديد الغموض الذي احاط ملف النزوح الفلسطيني سواء في ما يتعلق بنشأة المشكلة او الخلاف على اعداد اللاجئين الفلسطينيين او محاولات استثمار الاقتراحات الاولية لتسوية قضيتهم في تحقيق مكاسب سياسية، ولعل في هذا ما يساعد الطرف العربي على دعم موقفه التفاوضي بالحجج القوية ذات المصدر اليهودي، فضلا عن تجنب الوقوع في شرك تسويات قد تهدر حقوقه وتقتصر على خدمة اهداف الطرف الآخر في الصراع.
ان الانتقادات التي وجهت الى الطبعة الاولى من الكتاب الصادرة عام 1988، دفعت بالكاتب الى الاسهاب في عرض فكرة "الترانسفير" اي التهجير القسري، فتتبع جذور هذه الفكرة في الايديولوجيا الصهيونية، وذكر ان الفكرة كانت حاضرة في ذهن الجميع سواء على مستوى القيادة السياسية او العسكرية، وان الجميع كان مقتنعاً بمقولة ان اسرائيل بأقلية عربية ضئيلة ستكون أفضل حالا منها بأقلية كبيرة او أكثرية عربية.
نبض