اعلن ملك اسبانيا خوان كارلوس الذي انهكته المتاعب الصحية ونالت الفضائح من شعبيته، بشكل مفاجئ تنازله عن العرش لنجله الامير فيليبي تاركا له مهمة شاقة لدفع الملكية الغارقة في الازمة نحو "الحداثة".
وقد اعتلى خوان كارولس العرش اثر وفاة الديكتاتور فرنشيسكو فرانكو في تشرين الثاني، وبنى شعبيته من خلال مواكبة مسيرة انتقال اسبانيا الى الديموقراطية، قبل ان تلطخ السنوات الاخيرة من حكمه بالفضائح المترافقة مع متاعب صحية.
لكن البلاد لم تنس صورته مطلع كانون الثاني اثناء حفل عسكري عندما ظهر متعبا متكئا على عكازين وهو يتلعثم بالكلام اثناء القاء خطابه. وتاهت الصحافة انذاك في التوقعات في شأن تخليه الوشيك عن العرش.
ورغم مواظبة الملك البالغ من العمر 76 عاما على الالتزام بجدول اعماله المثقل، كشف في نهاية المطاف اليوم انه اعتبر في تلك الاونة بعد الاحتفال بعيد ميلاده في الخامس من كانون الثاني "ان الوقت قد حان ليعد للانتقال".
وتوجه خوان كارلوس بنفسه الى الشعب الاسباني واكد في خطاب نقله التلفزيون تنازله عن العرش، الذي كان اعلنه في الصباح رئيس الحكومة ماريانو راخوي معبرا عن "امتنانه" للشعب الاسباني.
وقال الملك "ان امير استورياس يتمتع بالنضج والاستعداد وحس المسؤولية (وهي مواصفات) ضرورية لتسلم رئاسة الدولة مع كل الضمانات، وبالتالي فتح مرحلة جديدة من الامل تجمع بين الخبرة المكتسبة وزخم الجيل الجديد".
وتوج خوان كارلوس في 22 تشرين الثاني 1975 ملكا بينما كان في السابعة والثلاثين من عمره، بعد يومين على وفاة فرانكو، ليرافق مصير اسبانيا التي خرجت من حكم دكتاتوري لتنضم الى دائرة الديموقراطيات الاوروبية الكبرى.
وفي 23 شباط 1981 امر الملك الشاب وهو يرتدي زيا عسكريا، في رسالة متلفزة بقية محفورة في الذاكرة، الضباط الانقلابيين في الحرس المدني الذين كانوا يحتلون انذاك البرلمان بالعودة الى ثكنهم.
وباحباطه تلك المحاولة الانقلابية التي قام بها اللفتنانت كولونيل انطونيو تيخيرو فرض الذي اختاره الدكتاتور فرنشيسكو فرانكو منذ 1969 خلفه المحتمل، نفسه في ذلك اليوم بقوة كبطل الانتقال الديموقراطي.
وخلال سنوات بنى الملك شعبية كبيرة وكسب حب الاسبان بتصرفاته البسيطة والطبيعية. واشتهر رأس الدولة بقربه من شعبه وبحياته الخاصة البعيدة عن الاضواء وكذلك بولعه بالرياضة خاصة التزلج.
ويعد الملك خوان كارلوس وجها كبيرا في الديموقراطية الاسبانية لكن شعبيته بدات تتراجع تحت وطأة الفضائح التي لطخت سنواته الاخيرة في الحكم.
فيليبي دي بوربون: ملكية حديثة تواكب التطورات
وبعد اعلان والده تنحيه عن العرش سيتولى فيليبي دي بوربون العرش خلفاً لوالده. وفيليبي دي بوربون نشأ بهدف وحيد ان يصبح يوما ما ملكا لاسبانيا وهو الدور الذي تدرب عليه منذ طفولته.
وهو الشاب الذي يعتمد اسلوبا معاصرا والبعيد عن الاضواء، اكمل دروسه في الخارج كما تلقى تدريبا عسكريا.
ومهمته ضمان استمرارية الملكية البرلمانية التي اقيمت تدريجيا مع وصول خوان كارلوس الى الحكم، وتحديه الاكبر ان يقنع الاسبان في بلد بلغت فيه نسبة التاييد الشعبي للملكية ادنى مستوياتها بعد سلسلة فضائح بقي بمنأى عنها.
وولي العهد ذو الملامح الجدية رغم ان ابتسامة تعلو وجهه على الدوام، يبدو اكثر تحفظا من والده، وكانت تجري على الدوام المقارنة بينه وبين والده.
وفيليبي الامير الانيق الطويل القامة حرص على ارساء صورة ولي عهد قريب من الشعب مع اسلوب عصري. وما ساهم في تعزيز هذه الصورة زواجه العام 2004 من ليتيسيا اورتيس وهي صحافية من عامة الشعب ومطلقة، ما شكل سابقة في تاريخ الملكية الاسبانية.
وانجبا ابنتين ليونور في تشرين الاول 2005 وصوفيا في نيسان 2007.
وقد عاشت العائلة حتى الان بعيدا عن حياة البذخ، في منزل جميل بني لفيليبي في حديقة قصر لا ثارثويلا قرب مدريد.
وولد فيليبي دي بوربون في العاصمة الاسبانية في تشرين الاول 1968. ويقال ان الملك خوان كارلوس اغمي عليه من شدة التاثر عند اعلان ولادة ابنه الوحيد بعد ابنتيه ايلينا في 1963 وكريستينا في 1965. وهكذا اصبح للعائلة المالكة وريث، لان الدستور الاسباني يعطي الافضلية للذكور لتولي العرش.
وفي سن التاسعة في 1977 عين فيليبي اميرا لاستورياس واصبح رسميا وريثا للعرش الاسباني. والقى خطابه الاول امام البرلمان انذاك.
وعلى مر السنوات، تولى دورا بروتوكوليا متزايدا وكثف انشطته العامة خصوصا في الخارج حيث افاد من لغته الانكليزية التي يتكلمها بطلاقة.
كما يتكلم بطلاقة اللغة الكاتالونية المعتمدة في اقليم كاتالونيا الواقع شمال شرق اسبانيا وحيث تعززت التطلعات القومية مع الازمة الاقتصادية ما ساهم في توتر العلاقات مع مدريد.
واعتبارا من ربيع 2010، اضطر فيليبي لتعزيز دوره الرسمي مع بدء المشاكل الصحية التي يعاني منها والده خوان كارلوس.
وفيليبي مولع بالرياضة ايضا، وخصوصا كرة القدم كما لديه اجازة طيران لقيادة مروحية. وشارك في الالعاب الاولمبية في برشلونة العام 1992 ضمن الفريق الاسباني لرياضة سباق الشراع.
ملكة من عامة الشعب
اما الملكة الجديدة ليتيسيا فهي من عامة الشعب حفيدة سائق سيارة اجرة عملت صحافية تلفزيونية لكنها عرفت منذ زواجها بالامير فيليبي في 2004 كيف ترسخ اسلوبها المعاصر بكل اقدام وتحمل مسحة سحر الى الاسرة الملكية الاسبانية.
فقد اضفى وصول ليتيسيا اورتيس روكاسولانو الجميلة والنشيطة والعفوية والمولودة في 15 ايلول 1972 في اوفيدو بمنطقة استوريوس، تجديدا لصورة العائلة الملكية.
ولدت الملكة الجديدة الشابة وسط عائلة من الطبقة الوسطى لام ممرضة نقابية واب صحافي، وكانت قد خرجت من طلاق عندما التقاها فيليبي وريث العرش وامير استوريوس في العام 2002.
وبدأت علاقتهما العاطفية في ربيع العام 2003. لكنها بقيت محاطة بالسرية حتى الاعلان الرسمي عن خطوبتهما بعد بضعة اشهر تحديدا في تشرين الثاني.
وهي من قالت ذات يوم لفيليبي "اسمح لي ان انهي (كلامي)"، قاطعة عليه الكلام فيما كانت ترد على اسئلة صحافيين بعد طلبها للزواج. وتلك اللهجة اثارت حينها الدهشة.
وخلال سنواتها الاولى كاميرة لاقت ليتيسيا صعوبة في كسب عطف الاسبان الذين يأخذون عليها جفافها وبرودتها. والبعض لا يستسيغون بسهولة ان تحظى شابة من "عامة الشعب" بقلب الامير.
ومع مر السنين، اصبحت اكثر ظهورا في المناسبات الرسمية متحفظة دائما الى جانب زوجها.
وقبل خطوبتها مع فيليبي كان وجه ليتيسيا معروفا لدى الاسبان لانها كانت تقدم منذ ايلول 2003 النشرة الاخبارية على شاشة المحطة الاولى العامة "تي في اي".
نبض