هل تحتاج الكتابة عن شوقي أبي شقرا إلى مناسبة؟ في رأينا، لا. فهذا الرجل، وهو شاعر كبير، قابل في كل يوم للتأويل الشعري المفتوح على العوالم الغنية التي ابتكرها للقصيدة العربية الحديثة، مقتحماً فيها ما ليس معهوداً ولا قابلاً للشعرنة، فكيف للشعرنة الحديثة. الباحث سليمان زين الدين أرسل إلينا هذا المقال عن شاعر "سنجاب يقع من البرج"، وفيه ضوءٌ لا غنى عنه.
أواخر السبعينات من القرن الماضي كنت في أوّل عهدي بكتابة الشعر، ورحت ككلّ المبتدئين أبحث عن منبر أنشر فيه محاولاتي الأولى، فقادتني خطاي إلى جريدة "النهار". حملت قصيدة بعنوان "الفجر"، وطرقت باب مكتبه في الطابق الثاني من مبنى الجريدة الكائن في منطقة الحمراء. استقبلني شوقي أبي شقرا بابتسامة أنيسة، ولفته صِغَرُ سنّي، وما إن دفعت إليه بقصيدتي حتى فاجأني بسؤاله: على أيّ بحر هذه القصيدة؟ تلعثمت، وارتبكت قبل أن ينقذني بجوابه: إنها على البحر الخفيف.
رحت أنتظر أن تبصر قصيدتي النشر في صفحته الثقافية، غير أن ذلك لم يحصل. انتابتني وساوس حول ذلك. قلت: لعلّ القصيدة لم تعجبه أو لعلّه ظنّ أنني لست كاتبها، وطويت النفس على شيء من القلق، وشككت في استعداداتي الشعرية، حتى إذا ما علمت أنّه قلّما ينشر الموزون المقفّى في صفحته، انسجامًا مع خطّه الشعري، تحرّرت من القلق والشك، وقلت: لعلّ عدم النشر يعود إلى الشاعر وليس إلى القصيدة. مع هذا، بقي في النفس شيءٌ من تلك الواقعة، حتى إذا ما أهديت إليه "أقواس قزح"، مجموعتي الشعرية الثانية، بواسطة الصديق المشترك سليمان بختي، وبلغتني أصداء طيّبة منه، زال ما علق بالنفس من تلك الواقعة القديمة.
أوائل التسعينات من القرن الماضي كنت قد تمرّست بالكتابة النقدية، بعد سنوات من الدرس والتدريس والنشر، عرّجت على شوقي أبي شقرا، ودفعت إليه بمقال عن كتاب "في المحراب"، المطوّلة الشعرية التي تتناول الإمام علي بن أبي طالب للشاعر الزحلي الراحل خليل فرحات(1)، فشكّل نشره فاتحة علاقة بيننا، وكرّت السبحة حتى مغادرته الجريدة العام 1999. أنا أدفع إليه بمقالاتي، وهو يهتمّ بها ويُعمل فيها قلمه الأحمر تشذيبًا وعنونةً، حتى غدا اسمي معروفًا في الوسط الثقافي، في زمن كان فيه النشر في "النهار" امتيازًا للكاتب واعترافًا به. والفضل في ذلك بالتأكيد يعود إلى شوقي أبي شقرا. وهو فضلٌ عمّ كثيرين غيري.
منذ تأسيسه الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" العام 1964، والإشراف عليها طوال خمسة وثلاثين عامًا، تواقيع كثيرة مرّت على تلك الصفحة كان لشوقي فضل تشذيبها وتهذيبها وإطلاقها، فكبرت تلك التواقيع، وتمخّضت عن كتّاب وشعراء ونقّاد، تبوّأ بعضهم مواقع ثقافية في هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، تناسى معظمهم فضل المشذّب والمهذّب والمطلِق وقلبوا له ظهر المجن، وبقيت قلّة قليلة على عهد الوفاء، تذكره بالخير، وتعترف بفضله، وتدعو له.
تدخل على شوقي أبي شقرا في مكتبه حاملاً مقالتك، يستقبلك بابتسامته الطيّبة المعهودة، وينهض ليجلب لك القهوة من ماكينة مجاورة، فيضيف إلى حسن الاستقبال كرم الضيافة. لعل السمتين الجميلتين هاتين مستمدّتان من نشأته الريفية حيث الأسرة تمدّ مائدتها على فقر، و"أكياس الفقراء" تفيض عن حاجتهم لإطعام الضيوف.
"أكياس الفقراء"، باكورته الشعرية الصادرة عام 1959، شكّلت الخطوة الأولى في مسيرة شعرية مختلفة، باشرها منذ نيّف وخمسين عامًا، وتمخّضت عن ثلاث عشرة مجموعة شعرية، سار فيها عكس التيار، وكسر نمطية الحساسية الشعرية القائمة، سواء على مستوى الشكل أو المضمون، فجاء شعره طازجًا، جديدًا، لا يتحدّر من نَسَب معيّن، ولا يدين لأب محدّد. "أنا ابتكرت شكل قصيدتي ومضمونها. كان المضمون جامدًا. أنا حرّكته وحوّلته إلى أسطورة مصنوعة من هوامش الحياة اللبنانية ويومياتها المهملة". يقول شوقي في حوار صحافي(2).
غير أن هذا القول لا ينطبق على سائر مجموعاته بالدرجة نفسها، فهو في مجموعتيه الأولى "أكياس الفقراء" 1959 والثانية "خطوات الملك" 1961 يلتزم الشكل في الوزن والتفعيلة، ويجدّد في المضمون. وهو بدءًا من مجموعته الثالثة "ماء إلى حصان العائلة" 1962 يبتكر شكله ومضمونه الخاصّين، فتنسب قصائده إليه، وتصبح ماركة مسجّلة باسمه يسهل تمييزها والتعرّف إليها حتى ولو لم تذيّل بتوقيعه، فشوقي أبي شقرا صاحب بصمة شعرية خاصّة، وله لغته التي هي نسيج وحدها، سواء على المستوى المعجمي أو التركيبي أفقيًّا وعموديًّا. لعل هذه الخصوصية ناجمة عن خياراته الفنية والجمالية التي اتخذها منذ البداية، وأبدى عنادًا في التمسّك بها، فحين اصطدمت خياراته بحساسية زملائه في "حلقة الثريا" التي شارك في تأسيسها العام 1956 غادر الحلقة منتقلاً إلى "خميس مجلة شعر" بسبب توافقه مع فرسانها. وهو حين سئل لاحقًا عن تأثير الحلقة في شعره أجاب بعبارة "لا شيء"(3).
مشروع الحداثة الشعرية
انخرط شوقي أبي شقرا في مشروع الحداثة الشعرية، منذ بداياته. بدأ تمظهر هذا الانخراط، على مستويي الشكل والمضمون، في مجموعته الثالثة "ماء إلى حصان العائلة" 1964 التي تحلّل فيها من الوزن والتفعيلة، وانعطف نحو قصيدة النثر في ضوء انضمامه إلى جماعة "مجلة شعر"(4). على أنه حافظ خلال ذلك على شخصيته الشعرية، ولم يذب في الآخرين، فهو يتناغم معهم ويختلف عنهم. ويتمظهر اختلافه في الخلفية الوافد منها، والعناوين، والمعجم، والتراكيب، والمكوّنات المتصادية داخل شعره؛ ففي حين كان "الآخرون يكتبون على أساس مثاقفة مع آخر فرنسي وأنغلوسكسوني"، كان هو يأتي إلى الحداثة من المدرسة اللبنانية بمحكيّتها وهوامشها ويومياتها المهملة وريفها الجميل وطبيعتها الخلابة وأمثالها الشعبية(5). وهو على الرغم من ترجمته قصائد من غيوم أبولينير، ولوتريامون، وبيار ريفيردي، وآرثور رامبو(6)، لم تترك هذه الترجمة أثرها في شعره.
يبدو اختلاف أبي شقرا في عناوينه الغريبة، الصادمة للذائقة الشعرية التقليدية. فباستثناء عنواني مجموعتيه الأولى والثانية القائمين على صيغة الإضافة، تتوزّع العناوين الأخرى على صيغتي الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وتتحقّق الغرابة داخل كلٍّ من هاتين الصيغتين بالصورة أو الفعل أو الإضافة أو الإقحام.
يتحقّق اختلاف المعجم عنده في ريفيته، وطبيعيته، ومحكيّته، وتقنيته، وهامشيته، ويومياته المهملة. ينتقي المفردات من هذه المقالع، يجلو عنها صدأ الاستعمال، ويُقحمها في سياق مغاير، تبدو فيه نابية، مستفزّة، ما يولّد شعرية التركيب.
يتحقّق اختلاف التركيب في الصور الغريبة، والتجاور بين المتضادّات، وإقحام المفردة في غير مكانها الطبيعي. وهو يحترم في تراكيبه قواعد النحو، وينتهك في معجمه قواعد الفصاحة أحيانًا.
يكمن اختلاف المكوّنات في المزج بين الريفي واللبناني والرومنطيقي والسوريالي بمقادير محدّدة، هو خبير في تحديدها، والتحكّم بنِسَبِها، ما يمنح نصّه خصوصيته ونَسَبَه الشعري.
ما كان لشوقي أبي شقرا أن يحقّق اختلافه وتفرّده لولا خيال خصب كخيال الأطفال، يقوم بواسطته بتفكيك الواقع وإعادة تركيبه شعريًّا. فخياله حصانه الأسطوري الذي لا يحتاج إلى أسطورة سواه، كما يقول ذات حوار صحافي، وهو يحدّد مصادر شعريته وآليات اشتغاله عليها بالقول: "... من أشياء صغيرة ومن أشياء كبيرة في بلادي وفي ذاتي جئت ودهنت بالميرون جبين خيالي ورحت إلى أجلّ المطارح وارتقيت بعالمي من واقعي إلى خيالي إلى أسطوري، وكل ما هنالك أنني خلقت رموزًا من عصري وليس من ثوب مجلوب"(7).
تمظهر الاختلاف
هذا الاختلاف، على تعدّد مستوياته، يتمظهر في مجموعاته الشعرية المختلفة، بشكل أو بآخر، وسنكتفي برصده في ثلاث منها، على سبيل التمثيل، هي "حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة" 1983، "لا تأخذ تاج فتى الهيكل" 1992، و"صلاة الاشتياق على سرير الوحدة" 1995.
في "حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة"، يلفتنا التشبيه الغريب في العنوان بين الحيرة والتفاحة، ويترك لنا استنتاج وجه الشبه بينهما المتمثّل في الشكل الدائري الخالي من الزوايا والأبعاد المحدّدة، ولعلّ ما يزيد التشبيه غرابة هو نسبة الجلوس إلى كلٍّ من المشبّه والمشبّه به، بما هو فعل بشري. وهكذا، يُجاور أبي شقرا في عنوانه بين الداخلي المجرّد والخارجي المحسوس، المتمحورين حول فعل إنساني، ولعلّه من خلال هذه المجاورة يُومئ إلى محورية الإنسان في عنوانه كما في شعره.
المفردة في هذه المجموعة قد تكون حيّة مقطوفة من أفواه الناس البسطاء، وقد تكون عامّيّة تخرج عن موازين الصرف والفصاحة، وقد تكون تقنية غريبة عن مجال الشعر الحيوي التقليدي، وقد تكون ريفية دافئة حميمة. وكثيرًا ما تكون مادّة وليست مجرّد أداة.
التركيب في المجموعة صادم، خاص. يقيم تحالفات فاجئة بين المفردات، وروابط سحرية بين الصور. يُجاور بين المتناقضات والمتنافرات، بين المتوقّع واللامتوقّع، بين الأليف والغريب، بين القريب والبعيد، بين النخبوي والشعبي، بين المجرّد والتقني... ما يُولّد الغرابة، ويُحدث الصدمة أو الدهشة أو المفاجأة. هذا كله يحدث في إطار احترام القواعد النحوية.
لعلّ الشاعر، بمعجمه المتعدّد وتراكيبه الفاجئة، وامتياحه من الريف والطبيعة والشعب والسخرية، يريد بناء عالم البراءة والطفولة والسحر والغرابة على أنقاض العالم القديم، القائم على المصلحة المادية، والمحكوم بالمنطق العقلي الجاف، والمحاصر بالحضارة النفعية الضاغطة(8).
في "لا تأخذ تاج فتى الهيكل"، يُقحم الشاعر كلمة "فتى" في العنوان بين كلمتي "تاج" و"الهيكل"، فيمنحها دلالات وأبعادًا لم تكن لها في الأصل؛ فإضافة كلمة "تاج" التي هي من متعلّقات الملك إليها يُضفي عليها بعدًا زمنيًّا ملكيًّا، وإضافتها هي إلى كلمة "الهيكل" التي هي من لوازم الدين يُضفي عليها بعدًا دينيًّا كهنوتيًّا. تقنية الإقحام التي هي أحد منابع الشعرية، كما يرى كمال أبو ديب(9)، يمارسها أبي شقرا في قصائده، مضفيًا على المفردات ظلالاً جديدة، وعلى التراكيب حيوية فاجئة. بهذه التقنية وغيرها، ينحرف شعره عن اللغة، غير أن درجة الانحراف لا تصل إلى حدّ القطيعة مع تراثها النحوي، بل تكمن في نوعية المفردات، وتنافرها في ما بينها، وغرابة الصور.
والانحراف لا يقتصر على الشكل حيث يخترع لغته الخاصة بعيدًا من الفصحى والعامية(10)، بل يتناول المضمون حيث يصدر عن خلفيات الطفولة والضوء والبراءة والقرية والطبيعة، ويرفض الزمن والظلمة والزيف والنفاق والصناعة والمدينة. كأني بهذا الانحراف، في الشكل والمضمون، ينتقم من الجماعة مرّتين؛ ينتقم من لغتها بشعره المختلف، وينتقم من قِيَمِها بالمواقف التي يعبّر عنها هذا الشعر(11).
في "صلاة الاشتياق على سرير الوحدة"، يشي العنوان بأن الشاعر "يمتح من عالمه الجوّاني؛ فالصلاة والاشتياق والوحدة من مفردات الداخل الإنساني، إلا أن التوغّل في الكتاب يتخطّى الداخل إلى الخارج، ويُطلّ على القرى، والحقول، والطفولة، والمعتقدات، والطقوس، والحكايات الشعبية، والخرافة، والأسطورة، والطبيعة. يُشكّل منها أبي شقرا معجمه الشعري، ويصوغ نصوصه في تأليف نادر، عجيب، غريب، طريف، نافر بين مفردات هذا المعجم..."(12).
لعل مصدر الغرابة في هذه المجموعة ناجم عن تقنية الإقحام التي يمارسها الشاعر على المستوى الأفقي ضمن التركيب الواحد، وعلى المستوى العمودي بين تركيب وآخر أو بين مقطع وآخر؛ "فتموضع المكوّنات غير المتجانسة أفقيًّا وعموديًّا في إطار تقنية الإقحام التي يُتقنها الشاعر كان من شأنه تحريك هذا الركود المزمن في مستنقع الشعر العربي حيث يتشابه الشعراء، وتتشابه القصائد"(13).
الاختلاف في النص النثري
على أن اختلاف شوقي أبي شقرا لا يقتصر على نصّه الشعري بل يتعدّى ذلك إلى نصّه النثري حيث يخرج فيه من التعبير المباشر الحقيقي إلى التعبير المجازي ومشتقّاته، ويقترب من الشعر، وما قلناه سابقًا عن نصّه الشعري وانتسابه إليه وحده وسهولة التعرّف إليه يصحّ على نصّه النثري، وحسبنا العودة إلى قراءة مقالاته في الصفحة الثقافية لجريدة "النهار" التي كتبها في العام 1999، ووقّعها بالحرفين: ص. ث. ، ثم أصدرها في العام 2000 عن "دار نلسن" بعنوان "سائق الأمس ينزل من العربة"، أو إلى تلك التي نشرها في جريدة "الغاوون".
* * *
وبعد، شوقي أبي شقرا نسيج وحده محرّرًا ثقافيًّا وشاعرًا وناثرًا. لا يشبه أحدًا قبله، ولا أعتقد أنّ أحدًا بعده يشبهه. هو بلا أب ولا أبناء. هو نفسه فقط. وهذا ما يجعله حاضرًا في المشهد الثقافي والشعري رغم غيابه النسبي، فيما يغيب آخرون وإن حضروا!
الحواشي:
1-جريدة النهار الصادرة في 28/8/1991.
2-جريدة الأخبار الصادرة في 28/11/2011.
3-ملحق النهار الصادر في 11/5/2013.
4-خالدة سعيد، يوتوبيا المدينة المثقفة، دار الساقي، الطبعة الأولى 2012، ص174.
5-جريدة الأخبار، مرجع سابق.
6-خالدة سعيد، مرجع سابق، ص115.
7-جريدة النهار الصادرة في /5/ 2005.
8-جريدة الأنوار الصادرة في 24 - 25/8/1992.
9-مجلة كتابات معاصرة، العدد 17، ص146.
10-من مقال للكاتب نشر في جريدة النهار في حينه.
11-كمال أبو ديب، في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة الأولى 1987، ص37.
12-مجلة الناقد، العدد 84، حزيران 1995.
13-مجلة الناقد، المرجع نفسه.
نبض