بعد مرور نحو 66 عاماً على قيامها، تعاني إسرائيل ازمة هوية. فالمشروع الصهيوني الذي قام على دمار المجتمع الفلسطيني ونهب اراضيه معتمداً على مجموعة من الذرائع من نوع الحق التاريخي لليهود في ارض فلسطين، وضرورة تأمين وطن قومي للشعب اليهودي يقيه التعرض لمحرقة ثانية، هذا المشروع الاستيطاني الكولونيالي بامتياز الذي تستغله إسرائيل اليوم لتبرير استمرار احتلالها للضفة الغربية وسيطرتها على حياة ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون سواء في الضفة أو في غزة، في رأي رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، مهدد بخسارة هويته اليهودية. هذا هو هدف سعي الحكومة الإسرائيلية الى اصدار قانون جديد يحدد هوية دولة إسرائيل "الدولة القومية لليهود" ويحصنها من التحول دولة ثنائية القومية، اي دولة لليهود والعرب الذين يشكلون أقلية تعيش داخل إسرائيل لا تتعدى 20%.
يبدو إصرار نتنياهو اليوم على إصدار "قانون القومية" كأنه ينتمي الى زمن مضى وعودة الى السنوات الاولى لقيام الدولة العبرية لا الى الزمن الحالي. فمنذ سنوات طويلة لم تعد إسرائيل تشكل في نظر يهود الشتات "ملاذاَ" وموطناً ومركزاً يجذب المهاجرين اليهود. ومنذ وقت طويل تحولت في نظر دول العالم، ولم تعد تلك الدولة الصغيرة للشعب اليهودي التي تعيش في وسط محيط عربي إسلامي معاد، بل صارت أهم قوة عسكرية في المنطقة تحتل أراضي عربية وتمارس سياسة قمع وتمييز. كما لم تعد إسرائيل حتى في نظر أصدقائها من الأميركيين الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بل باتت كما قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري على طريق التحول نظاماً للفصل العنصري.
لقد كان من أهم الاسباب التي أدت الى انهيار المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين تمسك الحكومة الإسرائيلية بشرط اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل. واستغلت الحكومة رفض أبو مازن التسليم بهذا الشرط، الذي يعني ضمناً التنازل النهائي عن حق الفلسطينيين في العودة، كي تتهم الفلسطينيين برفضه وجود دولة إسرائيل في المطلق وعدم إيمانهم بالسلام وسعيهم الى تدمير إسرائيل وتحقيق حلمهم بدولة فلسطينية من البحر الى النهر.
يخوض نتنياهو من خلال التمسك بيهودية دولة إسرائيل حرباً وهمية ومضللة من أجل اقفال الباب أمام محاولات التسوية السلمية مع الفلسطينيين وعدم تقديم تنازلات سياسية. بيد ان الخطر الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل ليس موجهاً الى هويتها اليهودية، بل الى كونها دولة احتلال وقمع تستغل قوتها العسكرية للسيطرة على شعب آخر وللتحكم بمصيره، وكل حديث عن الدفاع عن الهوية اليهودية هو خداع ونفاق.
نبض