للصحافي والناقد السينمائي ابرهيم العريس قريباً في المكتبات موسوعة من 12 مجلداً عن تراث الانسان المجسد في الأوبرا والمسرح والرواية والشعر والفنّ التشكيلي والفكر السياسي الخ. مشروع ضخم يصدر عن "مركز الشيخ ابراهيم بن محمد الخليفة لللثقافة والبحوث" (البحرين). أحد تلك المجلدات، "تاريخ السينما في 100 فيلم"، يتناول، كما يشير عنوانه، 100 فيلم يعتبرها العريس محطات مضيئة في سيرة السينماتوغراف وهي أساسية لفهم تطوره عبر العصور.
هذه مطبوعة من النوع الفاخر تقرب مؤلفها من المادة (السينما) التي اشتهر في الكتابة عنها منذ اربعة عقود على الأقل ودأب على متابعة نشاطاتها من خلال المهرجانات، ولا سيما كانّ الذي يغطيه منذ سنوات. في كلمة تعريفية نُشرت في مقدمة الكتاب، يقول العريس ان ما يمكن ان نسمّيه "تراث الانسان" هو الانتاج الذهني الذي حققه أفراد متميزون في أزمنة وحقبات متميزة أو غير متميزة، وكان من شأنه ان يدحض نظرية لامارك الشهيرة حول أن لا شيء يخلق ولا شيء يموت.
اختار العريس لكتابه 100 فيلم من كلاسيكيات السينما الخالدة، من الأفلام التي سبق أن ضمّها الى زاويته الشهيرة "ألف وجه لألف عام" وها انه يجمعها الآن في كتاب موسوعي، مفضلاً ان يروي تاريخ السينما عبر موضوعه الأساس: الأفلام نفسها. ولكن أيّ معيار استند اليه لانتقائها؟ يبرر خياراته قائلاً: "كان من المنطقي أن نختار مئة فيلم تنتمي الى بلدان العالم الأساسية المنتجة للسينما، وانجزت تحت ادارة كبار المبدعين في تاريخ هذا الفنّ، وبواسطة طواقم فنية وتقنية حملت عبء التجديد المتواصل، لنعرضها تباعاً بحسب ظهورها تاريخياً، آملين أن يكون هذا العرض اسلوباً كافياً لرسم مسار ذلك التاريخ".
بالنسبة إلى العريس، التاريخ الرسمي في المجتمعات يتناول دائماً القضايا السياسة الكبرى باعتبارها التاريخ نفسه. القضايا الصغيرة هي التاريخ عند العريس. وهي التي تصنع التاريخ. هذا التاريخ هو هاجسه: "تاريخ الأدب والفنّ، لا التاريخ الكبير. لا تهمني الانقلابات بقدر ما تهمني معرفة كيف صنعت السينما التاريخ. لا أقول كيف عكست السينما التاريخ، بل كيف صنعته. هذا ما تجده مثلاً في كتابي عن يوسف شاهين الذي يروي ايضاً تاريخ مصر على امتداد نصف قرن. في كتابي عن السينما اللبنانية اعتمدتُ الطريقة ذاتها، وهي أن أكتب مرحلة من تاريخ لبنان من وجهة نظري الخاصة، أيّ من خلال السينما. وخاصة أنني انتهيتُ من الاهتمام بالسياسة على نحو مباشر".
يتضمن الكتاب مراجعة جمالية وقراءة فكرية وسوسيولوجية لمئة فيلم تبدأ مع "دخول القطار الى المحطة" للأخوين لوميير (1895)، وهو من أول الأفلام التي عُرضت في العالم (شاهده آنذاك رواد "الصالون الهندي" لأحد الفنادق الباريسية الفخمة) وتنتهي مع "شجرة الحياة" لتيرينس ماليك، الفيلم الذي نال "السعفة الذهب" في مهرجان كانّ 2011، وهو من الأفلام التي تعزّ على قلب العريس في السنوات الأخيرة. بين دفتي هذا التاريخ الانتقائي والذاتي، نعثر على أفلام أساسية لا نقاش في روعتها، لكل من انغمار برغمان وألان رينه وتشارلي شابلن وأورسون ويلز ولويس بونويل، الى جانب افلام "يغامر" العريس في طرحها كـ"تايتانيك" لجيمس كاميرون مثلاً. اللافت ان الأفلام التي تتشكل منها اللائحة تتوقف عملياً في الثمانينات (اذا استثنينا آخر ثلاثة أفلام؛ الأول خرج في التسعينات، الثاني في سنوات الألفين والثالث في 2011). وهذا اذ دل على شيء، فعلى التركيز من جانب العريس على السينما الكلاسكية الكبيرة وارتباطه المعنوي بها كـ"إبن أول مخرج لبناني"، وهو بهذا يذكّرنا بالنقاد الذين صوّتوا لأهم عشرة أفلام في استفتاء مجلة "سايت اند ساوند"، ولوحظ لاحقاً ان احدث فيلم في قائمة اختياراتهم يعود تاريخ انتاجه الى عام 1968.
في امكاننا أن نسجل بعض الملاحظات الهامشية على الكتاب: كنا نتمنى مثلاً، حرصاً على المنهجية، ان يصحب الكاتب كل فيلم من الأفلام التي كتب عنها ببطاقة تقنية تُذكر فيها اسماء فريق العمل واسماء الممثلين والبلدان التي شاركت في الانتاج وتفاصيل غابت كتاريخ انتاج الفيلم. ثمة هنات اخرى كان يمكن تفاديها بسهولة ككتابة الاسم الكامل للمخرج في بعض العناوين والاكتفاء بإسم العائلة لمخرجين آخرين في عناوين أخرى. لا نريد تحميل الكاتب بمَا ليس مسؤولاً مباشراً عنه، ايّ كل ما يتعلق بانتقاء الصور والطباعة والأيقونات المستعملة والخط والاخراج، وفي مقدمة هذه العناصر صورة الغلاف التي تظهر عليها آلة عرض وبكرة (شريط) سينمائية، وهي صورة أقل ما يمكن القول فيها انها باتت مستهلكة. كل هذا يمكن تفاديه عبر الاستعانة بمصمم عصري يعطل الأنماط التقليدية، وذلك في الطبعة الثانية التي من المتوقع توزيعها في مصر بأعداد كبيرة، وبورق ذي وزن أخف. في هذا السياق، عندما سألتُ العريس مرة اذا كان راضياً عن نوعية الكتب عموماً، طباعةً وشكلاً وورقاً وتصحيحاً، كان رده: "لو كنت راضياً، لما أقدمت على انجاز كتب أخرى. الانسان ينشر كتباً جديدة لأنه لا يكون راضياً عن الكتاب السابق. طبعاً، لستُ راضياً، لكن أقول دائماً ان عدم رضاي أستطيع أن أعبّر عنه في كتابي التالي".
أصدر العريس عدداً غير قليل من الكتب في السنوات الأخيرة (جاء بعضها بمبادرة من "المؤسسة العامة للسينما" السورية). بعضها يتضمن مقالات وبعضها الآخر نصوصا كُتبت خصيصاً للكتاب. ولكن من أين له هذه الغزارة في الانتاج الكتابي؟ "غزارتي تأتي من عدم معرفة بناتي باللغة العربية. أنا حاضر في الكتابة عن السينما منذ نحو 40 عاماً. هناك تراكم مقالات ودراسات ومشاريع لم أكملها، وموسوعات لم أنجزها. عندما كبرت بناتي، اكتشفتُ انه ليس هناك أحد سيكمل مسيرتي. لسنا في بلد تستطيع اعطاء ارثك فيه لمؤسسة لتحفظه بعد رحيلك. فقط في جريدة "الحياة"، لي الآن نحو 6000 مقال. كوني لم أجد أحداً يهتم بهذا كله، حوّلته الى مشاريع كثيرة. كانت لي كتب اصدرتها اثناء الحرب لم توزع خارج لبنان، وايضاً محاضرات ألقيتها في أمكنة لم تتعدّ جدرانها. جمعتُ ولا أزال أجمع هذه النصوص، علماً ان هناك كتبا صيغت ككتب وليس كتجميع مقالات، منها كتاب شاهين وآخر عن سكورسيزي. أما الوقت فأجده، لأنني لا املك نشاطاً آخر وأنا متفرغ تماماً للكتابة. لم اعرف في حياتي سوى الكتابة. كون عائلتي في باريس، أنا مقيم وحدي في بيروت بين أرشيفي وأوراقي. لم اقترح على أحد أن ينشر لي كتاباً، هم الذين يطلبون مني ذلك".
لا يؤمن العريس بالنضال المباشر ولا ينحاز الى فكرة "السينما التي تغيّر العالم"، بل يؤمن بسينما تغيّر من يصنعها وتساهم في تغيير مَن يشاهدها. لا يرضخ الى المسلمات ولا توجد بالنسبة إليه حقائق في أيّ مجال من المجالات. كتبه يقول عنها انها مادة مطروحة للنقاش، ومناقشتها لا تكون رفضا لها، بل اضافة عليها. يذكر أيضاً انه اذا قرأ شكسبير على سبيل المثل، فهو يقرأه على ضوء زمن شكسبير وكذلك على ضوء زمنه هو. في النهاية، يصر ان "التاريخ لا يملكه أحد": "كل ما أفعله هو تقديم مساهمة في قراءة مخرج ما لمجتمعه وذاته. وأعرف تماماً ان القارئ الذي سيقرأني سيفعل ذلك على ضوء همه الذاتي في اللحظة التي يكون موجوداً فيها. فأنت الذي تطالعني الآن بذهنية معينة، ستطالعني غداً بذهنية مختلفة. وهذه هي عظمة انعدام المسلّمات، ما يجعلنا الى الآن نمضي في مناقشات لهوميروس أو شكسبير أو نجيب محفوظ. مناقشة هذه الأعمال لا تعني ان مَن سبقنا الى تفسيرها وقع في الخطأ. كل قراءة للفنّ هي قراءة للحظة الفنّ نفسه. لستُ أكاديمياً ولا أؤمن بالنقد الأكاديمي، إلاّ اذا كان هدفه التصنيف، علما انني لا أؤمن أيضاً بالتصنيف".
¶ "تراث الانسان ــ تاريخ السينما في 100 فيلم" (مركز الشيخ ابراهيم بن محمد الخليفة للثقافة والبحوث).
نبض