هل من تاريخ للسديم العمراني المتوحش الذي يغرق فيه لبنان اليوم منذ مطالع الألفية الثالثة، وهل يمكن تقصي محطاته ومنعطفاته السابقة؟ العمران السديمي هذا - أكان عشوائياً بائساً، ملاصقاً للأرض كقفائر النحل أو جحور النمل، أم فخماً صلفاً يتباهى سكان أبراجه بمناطحة السحاب - ليس ابن ساعته ولا وليد مصادفات وغياب لقوانين وخطط ناظمة للعمران، قدر ما هو مرآة راهنة لتاريخ طويل الأمد يُظهر ذهنية اللبنانيين، قيمهم الأخلاقية والاجتماعية، نمط عيشهم واستهلاكهم، وذوقهم الجمالي. أما غياب قوانين البناء والتنظيم المدني، بدائيتها، تقادمها، سوء تطبيقها، والاحتيال عليها، فهي صنيعة تلك الذهنية وذلك التاريخ الطويل.
تنطلق هذه المقالة التجريبية - التحقيق، من انطباعات حدسية مفادها أن ما هُم عليه اللبنانيون اليوم وما كانوا عليه في أمسهم القريب والبعيد، في ممارساتهم العمرانية والسياسية والثقافية، هو وليد خيارات آنية عشوائية، متعاقبة ومتراكمة، ارتُكبت على مدىً تاريخي طويل. لكن كل خيار من هذه الخيارات ارتُكب فجأةً كمحاولة يائسة للهرب الى الأمام، أو لدفن الرؤوس في الرمال، ولذرّ الرماد في العيون، تأجيلاً مستديماً ومستميتاً لمعالجة المعضلات، صغيرة وكبيرة. فالتأجيل والهرب قاعدة ذهبية لبنانية تفضي الى الكوارث منذ عشرات السنين.
الفاعلون في ما نحن فيه من كارثة على صعيد العمران، هم اللبنانيون، فرداً فرداً، وجماعةً جماعة، وجيلاً بعد جيل، ويوماً بيوم؛ والأرجح أنه سيستمر حتى قيام الساعة. ينبئ عن هذا، ما فعلناه وراكمناه ويستحيل الرجوع عنه: على السواحل والجبال وفي الأودية، على جنبات الطرق المحلية والفرعية والأوتوسترادات الرئيسية، في القرى والبلدات والمدن. من أقصى لبنان الى أقصاه، من جرود جبل الشيخ في أقصى الجنوب الشرقي، الى السهل الساحلي في أقصى الشمال الغربي عند مصب النهر الكبير على الحدود. هنا وهناك وهنالك، لا شيء مثل العمران ينبئ عن أننا نبني ونعمل ونسكن ونعيش، كأننا في حروب وثنية، دائمة ومسعورة، على الطبيعة والفضاء، وفي ما بيننا. يرينا العمران أننا طُفَّار هائمون، وقطّاع طرق شرسون. نطحن البر ونردم البحر، كأننا نستعمر أرض الأعداء. نرفع لصلفنا المحموم أبراجاً على الشواطئ والتلال. ولبؤسنا الساخط المكابر، نقيم مخيمات من الإسمنت على الجبال العارية المبقورة.
بين الثقافي والعمراني
قبل خمسينات القرن العشرين، أحدسُ متخيلاً أننا كنا لا نزال بلديّين بعدُ. اجتماعنا، عمراننا، وحياتنا السياسية، تنتظم وفق ديناميات بلدية شبه تلقائية متباطئة، في المدن والأرياف، على الساحل والجبل. لبنان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نهايات الزمن العثماني المحدث، كانت ملامحه لا تزال ماثلة خلف الزمن الكولونيالي الفرنسي، بل حاضرة فيه وتُلابسه ملابسةً واضحة. فبين حرب 1840 – 1860، الأهلية- الاجتماعية، ومطالع خمسينات القرن العشرين، عاش لبنان حقبة طويلة من تحولات عمرانية واجتماعية وديموغرافية وسياسية، هادئة نسبياً. من هذه الحقبة استوحى ميشال شيحا فكرته اللبنانية التي تمزج بين البحر والجبل، مشتقاً للتدبير السياسي نظاماً مستلهماً من نمط العيش والعمران المتوسطيين. لقد كانت الحقبة تلك، حقبة موجات متلاحقة من هجرات لبنانية إلى المغتربات البعيدة، وحقبة هجرات داخلية من الجبال إلى السواحل. على الرغم من مداها المتوسطي، كانت فكرة شيحا للبنان بلدية ومحلية، ومستوحاة من امتزاج الريفي بالمديني. كانت المدينة في تأملاته مزيجاً من الحداثة الثقافية النخبوية غير الاستهلاكية، ومن البلدية المتمدنة، بطيئاً هادئاً، على إيقاع ما يسمّيه ناصر الرباط "تسلل الحداثة الأوروبية الى العالم العربي من طريق البحر" (مجلة "كلمن" العدد الثامن، خريف 2013). هذا ما أذن بظهور ثقافة "جديدة هجينة وكوزموبوليتية، مزجت المستورد الأوروبي بالمحلي على السواحل الشرقية للبحر المتوسط (منذ) بدايات القرن التاسع عشر" في إزمير واسطنبول والاسكندرية وبيروت. الكوزموبوليتية هذه، سقطت "بزوال الاستعمار وصعود" الدول الوطنية القوموية العروبية في خمسينات القرن العشرين. أما في لبنان وفي بيروت تحديداً، فتأخر سقوطها حتى بداية الحروب الأهلية العروبية الملبننة في العام 1975.
بين مطلع الخمسينات وبدايات الحروب فيه، عاش لبنان ومدنه الساحلية، وخصوصاً بيروت، مفارقة تجلّت في تعارض - غير مرئي أو غير مدرك آنذاك - بين ما سُمّي نهضة ثقافية نخبوية حديثة، ناشطة ومزدهرة، وبين تحديث عمراني مديني فوضوي وجماهيري في وجهه الغالب، وبدأ يصدّع العمران ونظامه البلدي الذي أرساه بطيئاً بطيئاً نمطٌ في العيش المحلي منذ مطالع القرن العشرين ونشوء دولة لبنان الكبير. لكن هذا التعارض غير المرئي في حينه، قد يكون وليد فكرة أو نظرة جزئية إلى الثقافة بوصفها الإنتاج الثقافي والفني للمثقفين والكتّاب والفنانين، بمعزل عن ثقافة الحياة المادية العامة، ومنها العمران بنظامه وأشكاله الفوضوية الجماهيرية، في حقبة سمِّيت العصر الذهبي للثقافة اللبنانية في بيروت. أما اليوم فقد انطوى ذلك التعارض وزال، بعد ما آلت إليه أحوال لبنان في المجالات كافة، العمرانية والثقافية والسياسية. فأين هو ذلك العصر الذهبي الثقافي اللبناني والبيروتي؟ وماذا بقي منه سوى هذه الفوضى السديمية في العمران والعمارة وفي نمط العيش والاستهلاك شبه الموحد، ساحلاً وجبلاً وفي السهل الداخلي، ناهيك بالاهتراء الاجتماعي والسياسي ودبيبه المتمادي؟
العمران البلدي
حتى مطالع الخمسينات، كان تدفق موجات الهجرة الريفية الى الساحل اللبناني ومدنه وقراه الساحلية لا يزال بطيئاً، وفي مستطاع العمران البلدي على هذا الساحل، استقبال الوافدين وإدراجهم في نظامه، ولو بصعوبة. لكن تضخم موجات المهاجرين، تسارعها وتدفقها، نحو الساحل وجوار مدنه، شكّل ظاهرة ومنعطفاً في تاريخ لبنان العمراني، الاجتماعي والسياسي منذ الخمسينات. كان من الصعب التعويل على مؤسسات العمل البلدي المحلية لمواجهة تلك الموجات الضخمة السريعة، وتنظيمها. فاستيعاب مثل هذه الظاهرة، كان يحتاج الى مؤسسات تخطيط وتنظيم مدني قوية، فاعلة ونشيطة، على صعيد لبنان كله. وهذا ما افتقرت إليه الدولة اللبنانية منذ نشوئها حتى اليوم. لذا تُرك أمرُ تنظيم العمران واستعمالات الأراضي وترتيبها وتعيين وظائفها، لأهواء الأفراد والجماعات ومصالح هؤلاء وهذه الفوضوية، وفي أحسن الأحوال تُرك الأمر للمجتمعات المحلية وأعرافها وعلاقاتها الأهلية ومؤسساتها البلدية، مع تدخل شكلي طفيف لمؤسسات التنظيم المدني المركزية الضعيفة العاملة على صعيد لبنان.
قبل الخمسينات، كان البنيان السياسي والاجتماعي والعمراني للبنان في المدن والأرياف، لا يزال قادراً على استيعاب الحراك الديموغرافي، تنظيمه وإدارته، على نحوٍ شبه تلقائي تقريباً، ووفقاً لمنظومة علاقات وأعراف وإواليات بلدية ومحلية. كانت تلك المنظومة العمرانية قد نشأت وتوسعت انطلاقاً من بؤر تسود فيها أشكال من الاجتماع والبناء والسكن والعمل، قوامها علاقات الجوار الأهلي والعائلي البلدي، وتنطوي على شيء من التعارف والوئام والبطء والتماسك التقليدي، ترعاه العلاقات والأعراف وأنماط العيش المحلية. هذا ما صدّعه زحف ظاهرة العمران الجماهيري ودبيبها المتمادي.
لكن التصدع الذي كشفه وأبرزه وجلاه زحف الظاهرة- المنعطف الجديدين، لم يكن في حقيقته طارئاً، بل كان كامناً في طبيعة العمران البلدي المحلي السابق. فكمون الاضطراب والتصدع مسألة بنيوية لازمت نشوء الدول والمجتمعات العربية الحديثة، ومنها لبنان طبعاً، أقلّه منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى. ذلك لأن هذه الدول ومجتمعاتها لم تنشأ بفعل إرادات وديناميات اجتماعية وسياسية داخلية، حرة ومتماسكة، ولا امتلكت مشروعية مركّبة وجامعة. هذا ما أدى الى عدم امتلاكها سياسات وخططاً كفيلة تنظيم الحراك الديموغرافي والاجتماعي والعمراني الكبير، والمندفع بقوة في الخمسينات. في هذا المعنى تبدو مسألة تصدع العمران البلدي ظاهرة سياسية - اجتماعية بنيوية متمادية، تجلّت على صعيد التنظيم العمراني الذي بيّنت قوة الظاهرة الجديدة ضعفه وشلله. لذا ليس من المبالغة القول إن الدول والمجتمعات العربية، تركت نفسها في مهبّ التحولات، فنشأت ونمت عشوائياً وكيفما اتفق، مسكونة بعوامل تصدعها البنيوية المتفاقمة من مرحلة الى أخرى.
في لبنان ظل البنيان السياسي- الاجتماعي لما قبل الخمسينات قادراً على إدارة العمران في أطار دولة ومجتمع نشأا على وئام أهلي صاغته عائلات سياسية محلية، فاتخذ ذلك الوئام تسميات شتى: الصيغة اللبنانية، الميثاق الوطني، الدستور، العائلات الروحية. العائلات السياسية التقليدية النافذة في الدولة والجماعات الأهلية. ظلت هذه، قادرة على تأطير منازعات الجماعات وتصريفها داخل النصاب السياسي التقليدي للدولة، حتى بروز الكتل الجماهيرية المنفكّة من الأطر الاجتماعية ولحماتها البلدية والعائلية، والمتذررة في تجمعات سكانية خارج نطاق الاجتماع والعمران البلديين، وخصوصا قرب المدن الساحلية التي كانت ضواحيها لا تزال قرى أو بلدات ريفية تنظّم شؤونها على مثال بلدي ومحلي بسيط، فاجتاحتها الكتل السكانية الجماهيرية الفوضوية. هكذا ظهر ما سمّي في الستينات والسبعينات "أحزمة البؤس" حول مدينة بيروت. أي في القرى والبلدات الريفية المتجاورة التي سرعان ما تحولت ضواحي للعاصمة.
عمران مديني مجهض
لو أخذنا ساحل المتن الجنوبي كمثال للعمران البلدي، يمكن أن نلخص بعض العوامل التي أرهصت بتصدعه وأدت الى بدايات تفشي العمران الجماهيري. من هذه المحطات والعوامل:
- إقامة ما سمّي مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين على تخوم حارة حريك الجنوبية في نهاية أربعينات القرن العشرين، ما أدى الى بدايات اضطراب العلاقات الأهلية بين السكان "الأصليين" المختلطين طائفياً، على الرغم من أن أهالي البلدتين الريفيتين، برج البراجنة وحارة حريك، استخدموا فئات من اللاجئين الفلسطينيين كقوة عمل رخيصة في الزراعة والبناء.
- قبل إقامة المخيم الفلسطيني، نشأ على طرفَي حارة حريك الشمالي والشرقي حيّان عشائريان لآل المقداد، القادمة جماعات منهم من بلاد جبيل، فكان لهذين الحيين دور في إثارة شقاقٍ أهلي بين سكان الحارة "الأصليين".
- سبق هاتين المحطتين بروز ظاهرة عمرانية جديدة في مجتمع حارة حريك، وخصوصاً المسيحي: شيّد بعض سكان الحارة منازل واسعة ومستقلة، أسرية وعائلية، على أطراف أملاكهم الزراعية، خارج نطاق السكن البلدي ونسيجه. تزامن تشييد هذه المنازل مع نشوء دولة لبنان الكبير، واستمر حتى مطلع الخمسينات، وكان مرآة لظهور نازع جديد لدى بعض السكان "الأصليين": الاستقلال السكني ككناية عن حيازة مرتبة اجتماعية جديدة وانسجاماً معها. المرتبة هذه، هي حصيلة عوائد مالية من تجارة الحرير، وانخراط في تعليم جامعي محدث مكّن أصحابه من العمل في مهن حرة (كالطب والمحاماة) توسّع نطاقها الى جانب التجارة والوظائف الادارية الحكومية وفي القطاع الخاص.
- بعد حوادث 1958 عرفت حارة حريك وبرج البراجنة والشياح ظاهرتين عمرانيتين متعارضتين: تجلت الأولى بتوسع العمران الجماهيري نتيجة "هبّة عقارية" رفعت أسعار الأملاك الزراعية في ساحل المتن الجنوبي، فظهر تجار البناء الجاهز الذين أخذوا يشيّدون بنايات من طبقات وشقق سكنية كثيرة، أقام فيها بدايةً وافدون من أحياء مدينية مختلفة، قبل أن تصير الكتلة الكبرى من سكان هذه الشقق من المهاجرين الشيعة الجنوبيين والبقاعيين.
الظاهرة العمرانية الأخرى الجديدة اقتصرت على حارة حريك وحدها، وتجلت في تشييد "فيلات" من طبقة أو طبقتين، تحوطها حدائق صغيرة. شُيّدت "الفيلات" خارج دائرة السكن البلدي، وعلى أطراف البساتين التي بدأت تتقلص مساحاتها. أما سكانها فمن خارج الاجتماع البلدي، وينتمون الى فئة متوسطة أو بورجوازية جديدة، رغبت في الإقامة خارج بيروت وعلى حدودها. وكانت رغبة هذه الفئة من مشيّدي "الفيلات" وساكنيها، تنطوي على نازع الانفصال عن البيئات والهويات الأهلية التي تصدر عنها، أو الابتعاد منها. وفي حين كان الطراز المعماري للمنازل الأسرية والعائلية المستقلة الناشئة ما بعد قيام دولة لبنان الكبير، ينتمي الى العمارة التقليدية اللبنانية المسقوفة بالقرميد، فإن "الفيلات" اقتصر السكن فيها على أسر نواتية محدثة، وشُيّدت على الطراز المعماري المحدث لعقد الستينات.
تتصل هذه الظاهرة بظاهرة سبقتهما: تشييد المنازل المستقلة على الطراز المعماري التقليدي، وهما تشيران معاً الى احتمال عمراني مجهض: نشوء عمران مديني في قرى الساحل، على شاكلة ضاحية مدينية، منظمة ومتماسكة، ومتصلة بالتراث العمراني والمعماري الريفي البلدي. لكن هذا النوع من عمران الضواحي المدينية في لبنان و"مدنه الموقوفة" أصلاً، ولد موقوفاً شأن المدينة، وشهد نهاياته وهو في المهد قبل أن ينمو ويتسع. مثله في ذلك كمثل مسيرة المجتمع اللبناني نحو إنجاز فئاته الوسطى "هوية" اجتماعية مركبة، متدامجة ومتماسكة، ومنفصلة عن عصبيات الجماعات الأهلية. فالمسيرة هذه، ما إن ارتسمت بداياتها، حتى أخذت تتصدع وتنهار في وتيرة متسارعة.
كان للهبّات العقارية ولتجارة البناء الجاهز الجماهيري وللعمران العشوائي، دور بارز في إجهاض احتمال عمران الضواحي المدينية في ساحل المتن الجنوبي الذي تسارعت وتيرة اندثار عمرانه الريفي البلدي في الربع الثالث من القرن العشرين.
غابات الإسمنت الوحشية
في نهار من أيار 2005 سجلتُ شهادة المحامي والكاتب والصحافي المتقاعد ميخائيل عون وزوجته، عن حياتهما في حارة حريك. جرى اللقاء في بيتهما بمنصورية المتن، حيث بدا عون، قانطاً غير متكتّم على غضب سوداوي متهكم في روايته ذكرياته. كان في الثالثة والسبعين من عمره، ومضت عشر سنين على إقامته مع زوجته، منفردين، في المنصورية، واثنتان وثلاثون سنة على استقالته من الحزب الشيوعي اللبناني العام 1973، بعد انتسابه اليه في شبابه، على "مذهب" والده الشيوعي منذ ثلاثينات القرن العشرين في حارة حريك.
زوجان وحيدان في خريف العمر، بعدما تفرّق شمل أسرتهما النواتية وعائلتيهما، ونزحا عن بلدتهما وعادا اليها مرات تخللتها إقامة موقتة في رأس بيروت في زمن الحرب (1975 – 1989)، قبل أن يستقرا في المنصورية، حيث تنطوي حياتهما على وحشة مقيمة في بيت اشترياه وتملّكاه في بناية من أربع طبقات، وأقاما فيه منذ عشر سنين، من دون أن يبدو أن هذه الإقامة أنشأت بينهما وبين محيطهما السكني ما يدفع عنهما شعوراً مترسّباً بالفراغ والعزلة، باعثة فقر صلتهما بذلك المحيط، واقتصارها على الوظيفة السكنية العارية من الإلفة والسيولة اللتين كانت تنطوي عليهما حياتهما وإقامتهما قبل الحرب في حارة حريك.
فالمنصورية التي كانت قبل الحرب بلدة محلية على رابية من روابي جبل صنين المنحدرة نحو ساحل المتن الشمالي، سرعان ما التهمت أراضيها الزراعية طفرات العمران السريعة المتلاحقة على إيقاع الحرب والتهجير الحربي، تلبية لحاجات سكنية طارئة وملحّة لسكن المسيحيين المهجرين من مناطق السكن المختلط طائفياً في بيروت وضواحيها على ساحل المتن الجنوبي، وامتداداً الى بلدات الدامور والناعمة والجية والرميلة على السهل الساحلي ما بين بيروت وصيدا جنوباً. ففي المنصورية وسواها من مثيلاتها، كأنطلياس وجل الديب والدكوانة والزلقا والفنار على ساحل المتن الشمالي، وامتداداً الى الكسليك وجونية والمعاملتين، وصولا الى ساحل جبيل، سرّعت الحرب والتهجير استنبات غابات فوضوية من بنايات الإسمنت الحديثة العالية المتراصّة، على التلال والمنحدرات الجبلية الحادة الخضراء المشرفة على الساحل، فحاصرت الغابات الاسمنتية هذه نوى (جمع نواة) البلدات الريفية والمدن المحلية، واجتاحتها، وجعلت كثرةً منها أثراً وصوراً بعد عين. في هذه البنايات المبعثرة المعلقة عشوائياً على السفوح والمنحدرات الجبلية ككتل من الفطر الإسمنتي الوحشي، التقى ساكنون مسيحيون اقتلعتهم الحروب من مناطق وبيئات محلية وقرىً ومدن شتى، فشتتهم التهجير بعيداً من تلك البيئات ونسيجها العمراني والاجتماعي الناشئ بطيئاً بطيئاً طوال قرنين من سنوات الإقامة والتجاور والتخالط الطائفي. لكن الأمن والأمان المنشودين من التجانس والصفاء الطائفيين على ساحل المتن الشمالي وساحل كسروان وصولاً الى ساحل جبيل، كان من الصعب أن يُنشئا في تلك الكتل الإسمنتية الوحشية نسيجاً عمرانياً واجتماعياً جديداً يتعدى الوظيفة السكنية العارية الباردة في ذلك العراء الإسمنتي.
كانتونات طائفية
هذه الظاهرة العمرانية الفوضوية المتوحشة الناشئة بفعل الحرب والتهجير الحربي، من أبرز العلامات على تقطع أوصال لبنان الديموغرافي والاجتماعي والسياسي، وعلى عزلة جماعاته في كتل سكانية ضخمة، منسجمة ومتماسكة وصلبة على قاعدة عصبيات أهلية سياسية داخل كانتونات طائفية صافية، تنطوي على تكلس واستنقاع في ثقافاتها الاجتماعية والسياسية. أما في ما يخص نتائج هذه الظاهرة على المجتمع المسيحي وثقافته السياسية اللذين كانا يشكلان عصب لحمة لبنان في كيان سياسي ودولة متماسكة، فإن انكفاء المسيحيين ما بعد الحرب، وعزلتهم في كتل سكانية ومدن محلية صغيرة متجانسة خارج العاصمة بيروت، أفقداهم وأفقدا لبنان أيضاً ما يمكن تسميته الثقافة المدينية، أو ثقافة الاختلاط المديني المحلي التي كانت عصب الثقافة اللبنانية الحديثة الهجينة، وعصب الحياة السياسية اللبنانية.
عزلة الزوجين عون ووحشتهما الصامتة المترسبة، وهما في خريف العمر، من إمارات ذلك الفقدان، بعد اقتلاعهما كمئات الألوف من أمثالهما، من دوائر سكنهم القديمة، الأليفة المختلطة، وهذا ما يضخم حنينهما الى إلفة الإختلاط المغدورة الضائعة، ويضاعف غربتهما في مناطق السكن الجديدة المتجانسة. لكن الأجيال المسيحية الجديدة، المولودة والناشئة في مناطق السكن المتجانس طائفياً، فالأرجح أنها "بريئة" من مشاعر الزوجين عون، ما دامت قد نشأت وشبّت في دوائر السكن الجديدة. غير أن "براءتها" هذه، تشير، من وجه آخر، الى أنها تعيش في حال من الانكفاء على ثقافةٍ تجمعية محلية تفتقر إلى نبض الحياة والعلاقات المدينية، الموقوفة أصلاً في لبنان كله، والمقتصرة على ما يشبه "الهجرة" اليومية بالسيارات الخاصة الى مراكز التسوق والمطاعم ومرابع السهر والترفيه والاستعراض في بعض الشوارع والأحياء الأثرية في المدن المحلية (جونية، المعاملتين، جبيل، والبترون)، وبعض شوارع العاصمة، كمونو والجميزة ومار مخايل والحمراء ووسط بيروت الجديد. "الهجرة" اليومية هذه، وهي شبابية ترفيهية واستهلاكية في وجهها الغالب، تكني عن تحوّل المدينة وثقافتها صوراً استعراضية، جامدة أو نصبية، تنطوي على شبق مطاردة الصور، والإقامة في الصور.
السكن في الصور
لكن أليست الإقامة في الصور، والتخاطب بالصور، والحرب بالصور، وعبادة الصور والمظاهر، وجهاً من وجوه الاجتماع والثقافة اللبنانيتين منذ ما قبل الحرب، بل منذ خمسينات القرن العشرين؟ العصر الذهبي للثقافة اللبنانية في بيروت الستينات والنصف الاول من السبعينات، أليس بدوره إقامة في الصور وتخاطباً بالصور في وجه من وجوهه؟
في مطلع الستينات اللبنانية، بدأت مقاهي الرصيف الجديدة المحدثة في شارع الحمراء، تلعب الدور الأبرز في تكوين مسرح أو فضاء للعلانية العامة المدينية والثقافية في بيروت. الحياة الثقافية والصحافية والفنية البيروتية بدأت تتخذ تلك المقاهي مسرحاً يومياً زاهياً لانعقاد شبكاتها حول كوكبة جديدة ناشئة من كتّاب وصحافيين وشعراء ورسّامين وممثلين، مع كوكبة من مريدين، استجابة لنداء متجدد للمدينة والثقافة والأدب والفنون. بل لنداء شارع الحمراء ببريق حداثته المنبعثة من مقاهيه وصالاته السينمائية المتكاثرة، ومن متاجره للثياب والأزياء خلف لمعان الواجهات، ومن بعض مطاعم الأكل السريع وسواها من المرابع المحدثة للترفيه والحياة الليلية في محلتي الزيتونة والروشة على الشاطئ.
الجامعة الأميركية على طول شارع بلس الموازي للحمراء، لعبت دوراً بارزاً في نشأة الشارع الجديد، وساهمت نخبويتها "المعولمة" في تحديث البريق الكوزموبوليتي لرأس بيروت. لكن جاذبية شارع الحمراء لا تكتمل إلاّ بإضافة عوامل أخرى متضافرة: انتقال مكاتب أعرق الصحف اللبنانية- "النهار"- من قلب أسواق بيروت القديمة اليه، قرب مصرف لبنان، وقبالة وزارة السياحة وصالتها الزجاجية للعروض، وخلفها الإذاعة اللبنانية، إضافة الى كلية الحقوق في بنائها العثماني. لكن النداء الخفي الأقوى في بريق الحمراء، كان ذلك الطور الجديد من سفور أجيال وفئات جديدة من النساء اللبنانيات ومن الجاليات الأجنبية المقيمة في بيروت، وخروجهن رافلات بأزيائهن وحركتهن المتحررة، المثيرة الباهرة، في ارتيادهن أرصفة الشارع ومقاهيه وصالاته السينمائية.
هذه الوجوه من ثقافة بيروت الستينية الحديثة، كان للاستعراض، للإقامة في الصور، ولتبادل الصور بوصفها توليداً للذات الثقافية واحتفاءً بها، قسط وافر من صناعة الثقافة وبريقها في شارع الحمراء، وفي سواه من الفضاءات الثقافية البيروتية. هذا فيما كانت الهبّة العقارية في بيروت، وخصوصاً في رأس بيروت، تجعل كل مالك قطعة أرض صغيرة يستيقظ صباحاً ليصير فجأةً من أصحاب الثروات بفعل الارتفاع الجنوني لأسعار الأراضي وللطلب عليها في عمليات المضاربة العقارية التي أخذت تُصدّع العمران البلدي المديني السابق. أما في ضواحي بيروت التي سُميت مذذاك "أحزمة البؤس" العمراني والاجتماعي، فبدأ العمران الجماهيري البائس والعشوائي يصدع العمران البلدي الريفي السائد في القرى والبلدات الساحلية حتى الخمسينات. لكن توسع تلك الأحزمة لم يكن يخلو من الإقامة في الصور والتخاطب والتراشق بها. هذا ما شكّل خيطاً من خيوط روايتي "سكان الصور" ("دار النهار"، بيروت، 2003). المرجع الاجتماعي لتلك الرواية وشخصياتها، بناية حديثة وحيّ في الشياح في الستينات اللبنانية، وصولاً الى الحرب، حيث تتبادل الشخصيات الروائية التعارف والتثاقف والعنف بالصور. أما مسرح الحداثة المدينية في وسط بيروت القديم وفي شارع الحمراء، فكان لتلك الشخصيات نفسها مسرحاً للفرجة والبصبصة الخائفة من زهو الصور الاستعراضية، والشغوفة بها شغفاً ينطوي على عبادتها والرغبة في حيازتها من خارجها حيازة تدميرية.
الشغف المزدوج هذا، وليد العمران الجماهيري وموجاته المتسارعة التي صدّعت المدينة والدولة والمجتمع في لبنان طوال الحرب، وصولاً الى سديم العمران الوحشي الذي نعيش اليوم في متاهاته: من مخيمات البؤس العشوائي في الضواحي، الى وحشيّة العمران النابت كبقع من الجدري على التلال والروابي المطلة على البحر، الى الأبراج الصنمية وفخامتها الوقحة المنتصبة كأنها تتدلى من السماء الى أرقى أحياء بيروت.
تشييد هذه الأبراج الشاهقة في شوارع ضيقة، وفي زواريب أحياناً، ماذا يكون مع السكن فيها، غير عبادة المظاهر والاستعراض الصلف والإقامة في الصور؟
نبض